العنوان زيادة القهر الذي يُسقط العروش
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1655
نشر في الصفحة 47
السبت 11-يونيو-2005
هناك نظريات خاطئة وموروثة من بقايا الجاهلية وعهود الظلام، مؤداها أن الشدة والبأس والتخويف والقهر تثبت العروش وتخضع الشعوب وتبقي على الملك، ويمنع الخروج على السلطان, وهذا وهم خطير خضع له الكثير من العقول المتخلفة, والنفوس العليلة، وأدى إلى تعطيل النهضات وتقويض الحضارات وإزالة العروش مشيعة بالسباب واللعنات.
وقد قرر علماء التاريخ أن من أسباب سقوط الدولة الأموية، تولية الحجاج بن يوسف الثقفي بسيرته المعروفة وأفعاله الشائنة التي وصمت الدولة كلها بالظلم والبغي وسفك الدماء, ولا شك أن خطأ عبد الملك بن مروان بتولية الحجاج على الأمة وإطلاق يده في شأن الناس كان فادحًا, خاصة وهو يعلم أمره وسوء فعله, وقد وصفه عبد الملك في خطاب بعثه إليه يقول فيه: «إنك عبد طمت بك الأمور، فغلوت فيها حتى عدوت طورك، وجاوزت قدرك, أنسيت آباءك في اللؤم، والدناءة في المروءة والخلق؟ فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين، أصك الرجلين, ممسوح الجاعرتين».
وهذا يخالف أصول الحكم وأصول الشرع, حيث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يولى على الناس أفضلهم, وظن عبد الملك بتوليته هذا المجرم اللئيم على الناس أنه يثبت ملكه، ونسى سيرة الإسلام في تولية الحكام ونسى رضاء الناس وحبهم وتلبية طلباتهم وحوائجهم، ونسي استشارة العلماء ورضاء أهل الحل والعقد, وقد كان العلماء لا يرضون مهادنة المنكر، فنالهم القتل والتنكيل، ومن نجا منهم أفلت من العقاب بقدر الله سبحانه.
فقد روي أن الحسن البصري دخل على الحجاج بواسط، فلما رأى بناءه قال: الحمد لله, إن هؤلاء ليرون في أنفسهم عبرًا، وإنا لنرى فيهم عبرًا, يعمد أحدهم إلى قصر فيشيده, وإلى فراش فيتخذه، وقد حف به ذباب طمع وفرش نار، ثم يقول: ألا فانظروا ما صنعت «فقد رأينا يا عدو الله ما صنعت»، فماذا يا أفسق الفسقة, ويا أفجر الفجرة؟ أما أهل السماء فلعنوك، وأما أهل الأرض فمقتوك. ثم خرج وهو يقول: إنما أخذ الله الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه, فاغتاظ الحجاج غيظًا شديدًا، ثم قال: «يا أهل الشام، هذا عبيد أهل البصرة يشتمني في وجهي فلا ينكر عليه أحد! عليّ به, والله لأقتلنه!
فمضى أهل الشام فأحضروه، وقد أعلم بما قال، فكان في طريقه يحرك شفتيه بما لا يسمع, فلما دخل على الحجاج رأى السيف والنطع بين يديه, وهو متغيظ، فلما وقعت عليه عين الحجاج، كلمه بكلام غليظ ورفق به الحسن, ووعظه، فأمر الحجاج بالسيف والنطع فرفعا، ثم لم يزل الحسن يسر في كلامه، إلى أن دعا الحجاج بالطعام، فأكلا، وبالوضوء فتوضأ، وبالرائحة فعطره بيده ثم صرفه مكرمًا.
وقيل للحسن البصري: بم كنت تحرك شفتيك وأنت ذاهب إلى الحجاج؟ قال: قلت: «يا غياثي عند دعوتي، ويا عدتي في ملمتي, ويا ربي عند كربتي, ويا صاحبي في شدتي, ويا ولي نعمتي, ويا إلهي, وإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ويا رب النبيين كلهم أجمعين, يا كافي موسى فرعون, ويا كافي محمدًا الأحزاب, صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين الأخيار، وارزقني مودة عبدك الحجاج، وخيره ومعروفه، واصرف عني أذاه وشره ومكروهه ومعرته». فكفاه الله تعالى شره بمنه وكرمه, قال صالح بن مسمار: فما دعونا بها في شدة إلا فرج عنا.
ولقد كانت سياسة الحجاج التي سلكها مع الرعية من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط دولة الأمويين بعد ذلك؛ لأن الرجل كان من أسوأ من عرف المسلمون في حكمه، وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذته في سفك الدماء، وكان يقول: «إني والله لا أعلم على وجه الأرض خلقًا هو أجراً على دم مني», وكانت له في القتل وسفك الدماء غرائب لم يسمع بمثلها. ووصف الحجاج نفسه أمام سيده عبد الملك: أنه حقود حسود كنود، فقال له عبد الملك بن مروان: ما في إبليس شر من هذه الخلال.
وقد جمع الرجل من الخلال القبيحة ظاهرة وباطنة, ما تقشعر منه الأبدان، من دمامة الصورة وقبح المنظر وقساوة القلب، وشراسة الأخلاق, وغلظ الطبع، وقلة الدين، والإقدام على انتهاك حرمة الله تعالى, حتى حاصر مكة وهدم الكعبة ورماها بالمنجنيق والنفط والنار، وأباح الحرم، وسفك وهتك وقتل في مدة ولايته ألف ألف وستمائة ألف مسلم، ومات في حبسه ثمانية عشر ألف إنسان.. وكان لا يرجو عفو الله، ولا يتوقع خيره، وكأنه قد ضرب بينه و الرحمة والرأفة بسور من فظاظة وغلاظة وقسوة.
وكان الحجاج مكروهًا حتى من الدواب، فضلًا عن الناس والصلحاء والعلماء, قال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز: لعن الله الحجاج, فإنه ما كان يصلح للدنيا ولا للآخرة، وقال فيه: لو جاءت كل أمة بمنافقيها وجئنا بالحجاج لفضلهم، وقيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمنًا؟ قال: نعم، بالطاغوت، كافرًا بالله, وقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم الخراساني السفاح خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيرًا من أحد، ولكن الحجاج كان شرًا منه, وكان الحسن البصري يسميه: فاسق ثقيف، وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر: كان الحجاج ينقض عرى الإسلام عروة عروة، وقال ابن سيرين: إنه لم ير أغشم من الحجاج.
أمثال هؤلاء الأشرار يبحث عنهم صنف من الولاة، وينتقيهم ثلة من الحكام؛ لقهر الشعوب وإذلال الناس, ووأد المعارضين، وفي ظنهم أنهم يثبتون بهم الحكم ويحوطون بهم السلطان ويحمون بهم الدولة، ويكونون طوع أمرهم، لأنهم بغير ضمير، أو كرامة أو خلق, يقولون: بقدر ما كان الحجاج قاسيًّا متغرطسًا على الناس، كان ذليلًا أمام عبد الملك بن مروان, كتب إليه مرة يقول: إنك خليفة الله في أرضه، أكرم من رسوله إليهم!! وعطس عبد الملك يومًا فشمّته أصحابه فرد عليهم ودعا لهم ولم يكن الحجاج حاضرًا، فكتب إليه: بلغني ما كان من عطاس أمير المؤمنين ومن تشميت أصحابه له ورده عليهم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا!.
هؤلاء وأمثالهم هم كوارث الأمم الحقيقية اقتصاديًّا وسياسيًّا وإبداعيًّا، وقد تخلصت أمم كثيرة من هذه النظريات الجاهلية ففازت, وما زالت أمم تسير على هذه السياسات البائدة تلفح وجوههم نار الفتن وهم فيها كالحون، نسأل الله السلامة.. آمين آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل