العنوان رياح الصليبية الحاقدة تهب من موسكو
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
مشاهدات 62
نشر في العدد 1167
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
ليس جديدًا أن يقال إن روسيا متورطة بشكل كامل في دعم المخطط الصربي في البوسنة والهرسك، فهذا كان واضحًا منذ بدء العدوان عام ۱۹۹۲م، ومفهومًا جدًا على ضوء الروابط الدينية والتاريخية والعرقية بين الروس والصرب.
لكن التطورات الأخيرة بعد بدء الطيران الغربي غاراته على بعض المواقع الصربية كشفت بعدًا مظلمًا من التعصب الصليبي الروسي نحو حلفائهم الصرب يتجاوز الصورة الديمقراطية التي تحاول موسكو محاكاتها، بل يتجاوز الاتزان السياسي والوطني المطلوب لتقدير مصالح روسيا الاتحادية في المعادلة العالمية الجديدة.
فوزير الدفاع الروسي بافل غرباتشوف هدد الأسبوع الماضي بأن موسكو قد تعيد النظر في موقفها في اتفاق الشراكة من أجل السلام مع حلف الأطلسي، وقال: «إن استمرار العمليات الجوية لهذا الحلف ضد الصرب قد يدفع روسيا لأن تمتنع عن تنفيذ بعض التزاماتها الحساسة تجاه الغرب، مثل الخفض المفترض للقوات الروسية في جنوب القارة الأوروبية».
وقبله حذر الرئيس يلتسين حلف الناتو من أن عملياته في البوسنة تسبب حربًا واسعة في أوروبا، وقال: إنه سيبذل جهده دفاعًا عن الصرب، «وسنساعدهم ليس فقط بالمعونات الإنسانية، بل وحتى أكثر من ذلك».
وما إن صرخ الصرب فزعًا من استمرار العمليات الجوية؛ حتى ثارت زوبعة في البرلمان الروسي، إذ طالب ممثلو الشعب الروسي حكومتهم بالتدخل للدفاع عن الصرب، ونادوا بإقالة وزير الخارجية كوزيريف لعدم فاعليته في التحرك لصالح إخوانهم في العقيدة، ثم أوفدوا فريقًا من أعضاء البرلمان لزيارة بلجراد، وتأكيد دعم الشعب الروسي للصرب.
وفي أول حادثة من نوعها في تاريخ العاصمة الروسية موسكو، أطلق متعصبون روس صاروخًا مساء الأربعاء الماضي على السفارة الأمريكية في موسكو غضبًا لتعرض الصرب النيران البحرية الأمريكية.
وكانت روسيا أعطت دلائل مستمرة في الماضي على استعدادها للاندفاع بشكل أعمى لمساندة الصرب، إذ رفض مسؤولون في موسكو قرار محكمة الأمن الدولية اعتبار قائد صرب البوسنة رادوفان كاراديتش، وجنراله المغرور راتكو ميلانيتش مجرمي حرب، جراء ما ارتكبوه من فظائع ضد المسلمين، وزعمت حكومة يلتسين أن محاكمتهم تهدد مستقبل التسوية السلمية في البلقان.
وقدمت روسيا سيلًا من المتطوعين المقاتلين في صفوف العصابات الصربية، واعترف وزير الخارجية كوزيريف مضطرًا بوجود هؤلاء، مدعيًا عدم قدرة حكومته على منع عمليات التطوع مع الصرب.
إن الاندفاع الروسي شعبيًا ورسميًا نحو مساندة الصرب بصورة مطلقة وغير مشروطة، وعلى خلاف قواعد المعادلة السياسية القائمة مع الغرب، وبشكل يتجاوز المصالح الاقتصادية الروسية المرتبطة بهذه المعادلة دليل على قوة وأهمية العنصر الديني في تحريك الحدث السياسي الروسي في الوقت الراهن ومستقبلًا.
لقد عاش الروس ٧٠ عامًا تحت الحكم الشيوعي الذي حارب الدين ومؤسساته، ونشات أجيال عدة من هذا الشعب مُنْبَتَّةً في جذورها عن العصبية الروسية الأرثوذوكسية، لكن حدثًا كالقصف الغربي لمواقع الصرب في البوسنة فجر هذه المشاعر الصليبية بأقوى نبرة.
ومما يزيد الأمر سوءًا أن شعبًا بحجم وإمكانات روسيا السياسية والعسكرية لا يزال عاجزًا عن تلمس المأزق الأخلاقي الذي وقع به الصرب، واستشعار الوحشية المطلقة التي يتصرفون بها ضد المسلمين، وغرور وحمق قيادتهم في الميدان.
إذ لا يزال الرأي العام الروسي عاجزًا عن اعتبار هذه الحقائق، وتحريك القرار السياسي في اتجاهها، بل يغلب على الروس -شعبا وحكومة- التعصب الأعمى للصرب، واعتبار خططهم التوسعية في البلقان جزءًا من المصالح الدولية لروسيا.
وإزاء هذا الموقف الروسي الصليبي الحاقد تجاه المسلمين، ينبغي على الدول الإسلامية أن تحدد موقفها من روسيا، ومن المطامع والأحقاد الروسية ضد المسلمين، لا سيما الدول التي تتخذ من روسيا حليفًا أو صديقًا، ولعل ما يحدث في الشيشان، وما يحدث الآن في البوسنة يؤكد هذه الحقيقة.