; روجيه جارودي للمجتمع: محاكمتي سياسية، ومعركتي مع الصهيونية كحركة استعمارية | مجلة المجتمع

العنوان روجيه جارودي للمجتمع: محاكمتي سياسية، ومعركتي مع الصهيونية كحركة استعمارية

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 58

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 24-فبراير-1998

  • مواجهتنا للحلف الأمريكي الصهيوني تستلزم مقاطعته اقتصاديًا وكشف أكاذيبه.

الصهاينة قدموني للمحاكة (3) مرات، حصلت فيها على البراءة، لكني لا أتوقع البراءة هذه المرة. 

آمنت بالإسلام بعد أن أيقنت أنه الدين الأكثر شمولية وعالمية، ولا يحرم أحدًا من التعبير عن رأيه.

دبي: أحمد جعفر - جهاد الكردي.

     قام المفكر المسلم العالمي روجيه جارودي بجولة في منطقة الخليج والشرق الأوسط، شملت قطر والإمارات ومصر خلال الأسبوعين الماضيين، قبل النطق في الدعوى القضائية التي رفعتها ضده المنظمات الصهيونية بفرنسا المحدد لها يوم الجمعة القادم ۲۷ فبراير الجاري. 

     وقد التقت المجتمع جارودي أثناء زيارته لدولة الإمارات والتي عقد فيها عديدًا من اللقاءات مع الفعاليات السياسية والثقافية والاجتماعية، كان أهمها اللقاء الجماهيري الضخم الذي عقده بغرفة تجارة وصناعة دبي مساء الأربعاء ١٠ فبراير، وحضره جمع غفير من الساسة والمفكرين ورجال الأعمال الإماراتيين والعرب. 

     وتطرق الحوار لدفوعه في الدعوة المرفوعة ضده وتوقعاته للحكم، وأسباب ضعف تأييد الرأي العام الأدبي له، وتصوره لكيفية مواجهة اللوبي الصهيوني أمريكا والدول الأوروبية، وإلى تفاصيل الحوار.

  • ما الدوافع الحقيقية لكتابكم الأخير حول «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»؟

  • خلال زيارتي للجنوب اللبناني عام ۱۹۸۲م استفزني تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق رؤوسنا، وسألت عن سبب ذلك، فأجابوني بأنها عادة شبه يومية للطائرات الإسرائيلية، وكان هذا الموقف بمثابة الشرارة التي أشعلت فكرة كتابي «الأساطير المؤسسة» وهممت وقتها للبحث والتأليف.

      بداية نجد أن بن جوريون الملحد الذي لا يؤمن بالله، هو الذي يقول بأن فلسطين هي أرض الميعاد من الله، وفي الوقت نفسه يعتبر القرارات الدولية التي بلغت (۱۹۲) قرارًا لإدانة إسرائيل قرارات بشرية لا أهمية لها، ولا جدوى للالتزام بها، أضف إلى ذلك طغيان التفاسير التلمودية الصهيونية على النصوص التوراتية، وهي أقرب للتثنية الأصولية التي تزكي روح الوحشية اللاإنسانية، ويعلمونها للأطفال في المدارس بأن يأتي النص المقدس: «إنني اغتلت الأفراد في القرية كلها» هكذا التلمود يبيح قتل النساء والأطفال ليبارك الرب.

        وتكشف الإحصائيات الإسرائيلية زيف ارتباطها بالتوراة، حيث أعلنت أن نسبة المتدينين من الإسرائيليين (15%) فقط، ورغم ذلك فإنهم يحفظون التلمود للتلاميذ في المدارس، ويوزعونه على جميع الجنود رغم أنهم غير مؤمنين بالله أصلًا، وهكذا نجد أن الحركة الصهيونية بعيدة تمامًا عن روح الدين اليهودي الذي يدعو فيه الرب إلى مكارم الأخلاق شأن بقية الأديان السماوية هذا من ناحية، ونجد الولايات المتحدة من ناحية أخرى تحمي إسرائيل نتيجة هيمنتها ودورها في اختيار رئيس أمريكا بالمساهمة في حوالي (٧٠٪) من مصاريف الدعاية في المجتمع الأمريكي وعبر وسائل الإعلام التي يمتلكها غالبية يهودية، وخاصة إذا علمنا أن میزان الدخل السنوي للمنظمات الصهيونية في أمريكا بلغ عام ١٩٩٧م ما مقداره (۹۰۰ مليون دولار سنويًا).

  • هل كان لك سابق صلة باليهودية ولديك مواقف منها انعكس ذلك بشكل أو بآخر على طبيعة صراعك مع الصهاينة اليوم؟ وهل قضية اليوم معركة سياسية أم حضارية؟

  • بداية يجب أن أؤكد أنني لم أخلط بين اليهودية كدين وبين الصهيونية كمذهب عنصري سياسي توسعي، ولا بد من التفريق بينهما جيدًا؛ لأن «أبانا» إبراهيم أبا الأنبياء عندما أطاع ربه، وكاد أن يضحي بابنه طاعة لله -عز وجل- وكذلك طاعة الابن للأب، وكل ما يدور حول هذه المعاني القدسية السامية التي آمن بها إبراهيم لم يأخذ اليهود منها بعد ما يقارب (٣٠) قرنًا سوی زعمهم أن إبراهيم وعدهم بأرض إسرائيل، وحينما أقرأ الكتب السماوية -ومنها التوراة- أتيقن بأن الله -سبحانه وتعالى- يترفع عن هذه التفاصيل والإشكاليات الأرضية والدنيوية التي يدعون، وينسبونها زورًا وبهتانًا، فبينما تقول النصوص المقدسة: إن الإنسان المسكون بالله لا يقهر، وبينما تعرف أن من الممكن للفئة القليلة أن تغلب فئة كبيرة بإذن الله، نجد أن هذه المبادئ السامية تغيب عندما يقرؤها حكام إسرائيل قراءة مختلفة، فيعطون كل جندي عندهم نصًا محرفًا يقول بقتل العربي أو الفلسطيني أو غير اليهودي عمومًا تشبهًا بما فعله أسلافهم بالكنعانيين.

    وللأسف الشديد نجد أن الكفار والملحدين من أبناء اليهود مثل بن جوريون وأعوانه هم الذي يضعون المناهج الدينية للأطفال في المدارس؛ مما يتيح أكبر قدر لتحريفها وتشويهها، حتى أنهم يعهدون إلى كبير الحاخامات «جارنوفون» مهمة شحن الجنود، ويعطيهم خريطة لحدود إسرائيل التوسعية، ويؤكد لهم على ما تأمر به التوراة من سفك الدماء؛ وذلك لإشعال رغبة الانتقام والدموية في نفوس الجنود، ولعل ذلك هو أكبر دليل على التحريف الأصولي للتوراة ولا علاقة له باليهودية كدين نزل على موسى -عليه السلام- فالمعركة من وجهة نظري سياسية؛ لأن الكثير من حاخامات اليهود يحاربون الصهيونية كعقيدة عنصرية لا تمت للديانة اليهودية بصلة.

  • هل هذه أول مرة تقدم للمحاكمة على ما تكتبه وتطرحه من أفكار تعادي النظرة الصهيونية؟ وهل كانت المحاكمات السابقة طبقًا لقانون «فابيوس جيسو» أيضًا، وماذا تتوقع أن تكون نتيجة الحكم هذه المرة؟ 

  • عندما كتبت مقالًا عقب غزو لبنان عام ۱۹۸۲م صفحة كاملة بجريدة لوموند الفرنسية «مدفوع الأجر» فضحت فيه الممارسات الإسرائيلية في احتلال بلدان الجوار؛ هوجمت بعدها، وقدمت للمحاكمة، ودامت هذه القضية من عام ۱۹۸۲م إلى عام ۱۹۸۷م، وقررت المحكمة إدانة المدعين الصهاينة، وقالت في حكمها: «إن الانتقاد الموجه لدولة من الدول وسياستها وعقائدها الأيديولوجية لا يعد تمييزًا عنصريًا أو عداء للسامية»، فكان ذلك بداية التصويت على قانون «فابيوس جيسو» الذي ينص على عدم وضع حيثيات وأحكام محكمة «نورمبرج» التي حاكمت مجرمي الحرب العالمية الثانية من النازيين موضع الشك إطلاقًا، بل وينبغي تقديسها وعدم محاورتها، الأمر الذي أثار حفيظة عدد من رجال القانون بحجة أنها ليست محكمة دولية؛ لكيلا يمكن مراجعتها بعد ذلك، كما أنها ليست موسوعة حقائق، وبالتالي فقد هاجمت قانون «فابيوس جيسو» وقلت في المحكمة إن هذا القانون جائر، وضد روح البحث العلمي، وأن القاضي فيه يحكم بحسب واقعية الأحداث لا بحسب ما قيل في المحكمة هذه حول اضطهاد اليهود وفكرة المحرقة.

     ومن أجل ذلك -وقبل صدور الحكم في قضيتي يوم ٢٧ فبراير الجاري- قمت بإصدار كتابي «محاكمة الحرية» أوضحت فيه ما يمكن من حقائق ليس للقضاة فقط، بل والرأي العام، وأتوقع إدانتي حسب هذا القانون الجائر، ولله الأمر من قبل ومن بعد. 

  • لماذا هذا التشاؤم؟ 

  • محاكمتي سياسية وليست قضائية، ولكنها أصبحت قضائية بفعل قانون «فابيوس جيسو» الجائر الذي شرعه ومرره اللوبي الصهيوني بفرنسا، وأنا لا ألوم القضاة إذا أصدروا ضدي حكمًا يوم ٢٧ فبراير؛ لأنني قلت الحقيقة، فهم مطالبون بتطبيق القانون الذي بين أيديهم، ولكنني أتحدى القانون الجائر، وأعتقد أن الحكم الحقيقي في قضيتي لن يصدره القضاة، وإنما الرأي العام العالمي، ولذلك أسرعت بنشر دفاعي في كتاب «محاكمة الحرية» لأعلن للرأي العام العالمي حقيقة قضيتي ومحاكمتي وأسباب براءتي، واللوبي الصهيوني في فرنسا والعالم هو الذي «جرجرني» إلى المحاكم حتى لا أكشف فضائحه وأكاذيبه وافتراءاته، وقضيتي ومحاكمتي هي جزء من قضية الصراع العربي الإسرائيلي، لقد افتعلوا معي أزمة وقضية ليشغلوا الرأي العام العالمي عن جرائمهم، لا ضد الشعب الفلسطيني فقط، ولكن ضد السلام العالمي. 

     والذي شعرت به في أجهزة الإعلام الفرنسية والأوروبية التي يسيطر عليها الصهاينة هو أن الصهاينة أحسوا بخطر كبير بسبب ما أقوله من حقائق وأطروحات عن أساطيرهم المقدسة، ولذا وجب التشويش والتورية عليَّ، بل وافتعال معارك قد تؤدي إلى سجني، ولقد مارس الصهاينة ضدي ألاعيب إعلامية قذرة، فلقد كتبوا في إحدى الصحف الفرنسية الكبرى أن كتابي الذي أحاكم بسبيه وهو «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» هو كتاب يتبناه اليمين المتطرف بفرنسا، أعني الجبهة الوطنية الفرنسية ضد اليهود، ولكن بعد أسبوعين من النشر كتبت نفس الصحيفة تقول إن اليمين المتطرف يتبرأ من کتاب جارودي، ولا يعتمدها، وكتبت جريدة أخرى أن «الأب بيير» وهو أشهر شخصية دينية بفرنسا تراجع عن تأييده لي، ثم بعد أيام كتبت نفس الصحيفة تقول إن «الأب بيير» لم يتراجع ويواصل تأييده لجارودي، وكل هذه الألاعيب الإعلامية والقضائية ترمي في نظري إلى إبعاد أنظار العالم، وخاصة الغربيين عن الحقيقة الكبرى التي فجرتها، وهي أن كتابي يتجه للمستقبل، ويطرح القضايا الرئيسية التي بنى الصهاينة أساطيرهم عليها، وكل تلك الممارسات للتشويش، وخصومي ليس لديهم حجج وبراهين يقدمونها ضد كتابي، ويثيرون الأزمات لإسكات صوتي، لقد عشت طوال حياتي ضد التعصب، كنت قياديًا بارزًا في الحزب الشيوعي، وكتبت منتقدًا الحركة الشيوعية، وقلت إن الاتحاد السوفييتي ليس دولة شيوعية، وكان جزائي الطرد من الحزب، ولم أكن نادمًا، وكتبت كتابين حول النزعات المتطرفة في الدين النصراني، ودعاني كبار رجال الدين النصراني وأساتذة اللاهوت للمناقشة، وانتقدوني وقبلت انتقاداتهم، لكن كنت مقتنعًا برأيي وأفكاري، وقررت أن أنتمي للإسلام بعد أن آمنت بأن الإسلام هو الدين الأكثر شمولية وعالمية بين الأديان، كما أنه الدين الذي لم يحرم أحدًا من حقه في التعبير عن رأيه، وطرحت أفكارًا في كتابي «عظمة الإسلام واضمحلاله» انتقدت فيها بعض قيادات الحركات الإسلامية، لكن تلك القيادات ناقشوني، واستفدت منهم كثيرًا، وفي كتابي الأخير قلت إن الصهيونية سياسة استعمارية ليست لها علاقة بالديانة اليهودية، وبدلًا من أن يناقشني الصهاينة استدعوا الشرطة، وقدموني للمحاكمة، وكسروا عظام صاحب دار النشر التي تنشر أفكاري، وهذا ليس حوارًا، بل إنه الحرب، واضطهادي من اليهود ليس جديدًا، فلقد قدموني للمحاكمة (3) مرات، لكن ظهرت براءتي، واستبعد أن يحكم القضاء ببراتي في القضية الحالية، والسبب هو قانون جيسو.

  • ما الدفوع القانونية التي قدمتها لهيئة المحكمة؟ وما أسباب مقولتك بعدم دستورية قانون «فابيوس جيسو» الذي تحاكم على أساسه؟

  • لقد قدم المحامون طعونًا دفعوا فيها بعدم دستورية قانون جيسو، وهنا أشكر المحامين العرب الذين تطوعوا للدفاع عني دون أجر، كما أشكر آلاف المسلمين الذين أرسلوا لي برقيات على الفاكس تقول لست وحدك يا جارودي فالله معك ونحن معك».

     وقانون جيسو هو قانون ظالم وجائر، وقد اعترض عليه الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك عندما كان نائبًا في المعارضة، كما صوت ضده جاك توجو وزير العدل، وسيمون فيل وزيرة الصحة الفرنسية في بداية التسعينيات، والتي كان اللوبي الصهيوني في فرنسا يعتبرها رئيسة دولة إسرائيل وهي يهودية الأصل، وتم اعتقالها أيام النازية، ولكن للأسف فإن اللوبي الصهيوني الذي يسيطر على مؤسسات الحكم والإعلام في فرنسا مرر القانون ووافق عليه اليمين واليسار، وأعتقد أنه لا يوجد فرق بين اليمين واليسار في فرنسا، فالخلاف بينهما صوري شكلي، وقانون جيسو الذي أحاكم به يمنع أن نتهم أو نشكك فيما جاء بمحكمة نورمبرج، ويعتقد أن أحكامها -التي ذكرت أن ضحايا اليهود في الحرب العالمية الثانية بلغوا ستة ملایین یهودي- هي أحكام مقدسة لا ينبغي مسها، ويمنع على المؤرخين إعادة النظر في وقائع التاريخ، كما يمنع الحكم بما يخالف أسس القانون.

     وأنا لست رجل قانون، ولكنني مفكر ومؤرخ يشكك في محاكمة نورمبرج، كما شكك فيها «فابيرو» عميد كلية الحقوق بفرنسا الذي نقل عن «جاكسون رئيس المحكمة» قوله: «إن المحكمة ليست دولة، وهي محكمة استثنائية ظرفية، وآخر عمل حربي في الحرب العالمية الثانية، وتم تشكيلها من الحلفاء فهي محكمة منتصرين في الحرب، وليست موسوعة حقائق غير قابلة للمراجعة»، ولذلك هاجمت بإرادتي، وبسبق الإصرار والترصد ليس محكمة نورمبرج، ولكن قانون جيسو نفسه، فهذا القانون في نظري جائر؛ لأنه ضد البحث التاريخي، كما أنه ضد حكم القضاة؛ حيث إن القاضي يحكم في أي قضية حسب واقعية أو عدم واقعية الأحداث، ولا يتخذ من الحقائق التي قيلت في هذه المحاكمة حول أرقام ضحايا اليهود حقائق مسلمة غير قابلة للمناقشة.

      وفي كتابي لا تجد جملة واحدة تنفي الاضطهاد النازي لليهود، ولكنني أشكك في مقولة أن ضحايا اليهود بلغوا ستة ملايين، وهو الرقم الذي أقرته محكمة نورمبرج، فالبند التاسع عشر من المحكمة يقول: «يجب أن تقبل المحكمة بكل ما يقوله الحلفاء كحقائق مسلمة». وأعطيك مثلًا عن خطأ واضح بالمحكمة، فعندما أقر المدعي العام أن مجزرة قطين التي راح ضحيتها آلاف الضباط الهولنديين، والتي وقعت في روسيا، واتهموا فيها الضباط النازيين تبين فيما بعد أن الضباط الروس هم الذين قاموا بالمذبحة، حتى اليهود أنفسهم كتبوا على معتقل «دوشويت» الشهير منذ أربعين عامًا أن هذا المعتقل مات به أربعة ملايين يهودي، ثم عادوا في بداية التسعينيات وكتبوا عليه «هنا مات مليون يهودي فقط» وكل هذا يؤكد أن المحكمة لم تعتمد الحقائق، وقد قلت وأكرر: أنا لا أهدف إلى إحصاء عدد الموتى اليهود أيام النازية، فأنا رجل مسلم، وأعتقد أن قتل نفس واحدة عند الله بغير حق كقتل الناس جميعًا، لكنني أعترض على مصطلح الهولوكست «المحرقة» فهذا المصطلح رفضت التعامل معه؛ لأنه يعني تضحية بإنسان من أجل الرب بما يجعل ضحايا اليهود مقدسين عند الله، وبالتالي ينقسم ضحايا النازية إلى نوعين: أحدهما مقدس وهو درجة أولى، ونوع ثان غير مقدس، وهو درجة ثانية، ولذلك أخلاقيًا وتاريخيًا أرفض هذا المصطلح، لقد مات في الحرب العالمية الثانية (٥٠) مليون نفس كانوا جميعًا ضحايا النازية، فلماذا أعترف بتمييز عنصري بين الضحايا، بل أنا نفسي كنت أحد ضحايا النازية، وقضيت (٣) سنوات من عمري في معتقل نازي، والصهاينة استغلوا مذابحهم، ونالوا بسببها تعويضات ضخمة، وعندما زار «ناحوم جولدمان» رئيس المؤتمر العالمي اليهودي إسرائيل قال له «بن جوريون»: «لقد عشنا معجزتين: الأولى أنني أسست دولة إسرائيل، والثانية أنك استطعت أن تجمع لنا تعويضات ضخمة ساعدتنا على بناء إسرائيل وتسليحها، وبعد أن اطلعت على ما قاله جولدمان لم تعد عندي رغبة لمقابلته رغم أنه كان صديقًا لي.

  • هل تعتقد أن معركتك مع اللوبي الصهيوني دينية، كما نشرت ذلك كبريات الصحف الفرنسية، وبماذا تفسر ضعف التأييد الأوروبي لقضيتك رغم أنها قضية رأي في التحليل الأخير؟

  • أؤكد أن معركتي ليست دينية، وليس لها طابع ديني مثلما يود اللوبي الصهيوني أن يحصرني فيها، ولكنها معركة سياسية ضد أكاذيب وافتراءات الصهاينة، واليهودية عندي هي دين سماوي أحترمه، كما أوصانا القرآن بذلك، ولكنني أحارب الصهيونية كفلسفة وسياسة استعمارية متعسفة، كما يحاربها حاخامات يهود كثيرون منذ أيام تيودور هرتزل مؤسس الحركة وحتى اليوم، ولقد نشر أحد الحاخامات اليهود المشهورين مؤخرًا كتابًا عنوانه «انهيار اليهودية» وذكر فيه أن الصهاينة عوضوا إله إسرائيل بدولة إسرائيل، وأكد أن الدين اليهودي بريء من الصهيونية.

      أما سبب عدم تأييدي في العالم الغربي والأمريكي رغم عدالة قضيتي، فالسبب في ذلك يعود للوبي الصهيوني المتحكم في الإعلام الغربي والأمريكي، فأقلام الصحافة ودور النشر كلها في فرنسا وأوروبا بيد الصهاينة، ويكفي أن أقول إنني قبل عام ۱۹۸۲م وهو العام الذي بدأت فيه مواجهتي للحركة الصهيونية نشرت (٥٣) كتابًا لي لدى أكبر دور النشر العالمية بفرنسا، ووصلت نسخ بعض كتبي إلى (۳۰۰) ألف نسخة، وترجمت كتبي إلى (۲۳) لغة كما كتبت عني (۲۹) أطروحة دكتوراه في مختلف أنحاء العالم، وتسابقت كبريات الصحف العالمية والفرنسية لنشر مقالاتي ودراساتي، ولكن بعد أن أعلنت رفضي للصهيونية أصبحت من المحرمات، ومنعوني من الصحافة والتلفزيون والنشر، بل حطموا عظام صاحب دار النشر الفرنسية التي أنشر فيها، وهذا يبين قوة الاختراق الصهيوني في الأجهزة الفرنسية.

     وهناك سبب آخر لضعف تأييدي، وهذا السبب يتجاوز العالم العربي والإسلامي ليلقي جذوره في خوف الغرب من قيام حرب عالمية ثالثة، أعلنها منذ أربع سنوات المفكر الأمريكي اليهودي صموئيل هنتنجتون في مقالته الشهيرة «صدام الحضارات» حيث تنبأ بوقوع حرب عالمية بين الحضارة النصرانية واليهودية من جانب، والائتلاف الإسلامي الكونفوشي من جانب آخر، ومن المفارقات التاريخية أن ما أعلنه صموئيل هنتنجتون يتوافق مع ما أعلنه تيودور هرتزل مؤسس الدول الصهيونية منذ قرن، عندما قال في كتابه الشهير «الدولة اليهودية» ما نصه أن إسرائيل سوف تكون قلعة متقدمة للحضارة الغربية ضد الهيمنة الشرقية في منطقة الشرق الأوسط، وهذه ليست أكذوبة، بل إن مجلة «اتجاهات» الصهيونية الشهيرة المتخصصة في الدراسات الإستراتيجية نشرت إستراتيجية إسرائيل للبقاء في المنطقة، حيث أوضحت أن دورها هو تفتيت وتشتيت كل الدول العربية والإسلامية المحيطة بها لإقامة دولتها الكبرى، وقد قمت بنشر دراسة المجلة في كتابي الأول عن فلسطين، وقلت: إن هذه الدراسة خطيرة، ونحن نرى آثار تطبيقها اليوم، حيث تجوب البواخر الأمريكية وحاملات الطائرات الأمريكية منطقة الخليج والشرق الأوسط للاستعداد لضرب العراق في محاولة لتشتيت وتفتيت قوة عربية كبيرة، وهذا ما قلته في كتابي «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» مما أعطى له أهمية قصوى حيث فضح المخطط الأمريكي الصهيوني لتفتيت المنطقة العربية، ومع الأسف فإن أمريكا تكيل بمكيالين في سياستها تجاه الشرق الأوسط، وتختار مع العرب طريق المواجهة والحرب، ومن النفاق السياسي والحضاري أن تدعي أنها بلد حقوق الإنسان والديمقراطية، والأمر لديها متعلق بالمستهدف من القرارات الدولية، فإذا كان المستهدف إسرائيل فلا تتجرأ على معارضتها، وتصمت كل من يعارض أعمالها الوحشية؛ حيث إن إسرائيل هي ذراع أمريكا المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، وحارسة البترول، وإذا ما تعلق الأمر بدولة عربية أو إسلامية تقوم الدنيا ولا تقعد ويتم عقابها، ومنذ نشأة إسرائيل صدر (۱۹۲) قرارًا من الأمم المتحدة ضد أعمالها الوحشية ضد العرب والفلسطينيين، لكن أمريكا حمتها من العقوبات، وعندما احتلت إسرائيل أراضي العرب عام ١٩٦٧م صدر ضدها إنذار تافه بإجلائها عن الأراضي العربية، ولم تهتم به إسرائيل وساعدتها في ذلك أمريكا، ولكن عندما احتل العراق الكويت صنعت أمريكا والصهيونية تحالفًا دوليًا لتحرير الكويت بالقوة، ومع الأسف فإن القدس بالنسبة للأمريكيين مدينة مقدسة، لكن الكويت مقدسة عندهم أكثر ألف مرة لأن فيها البترول.

  • هل تتوقعون قيام حرب بين العرب وإسرائيل في المرحلة القادمة؟ وكيف يدار الخلاف الدائر بين الحكومات العربية والمنظومة الصهيونية حول الصراع العربي - الإسرائيلي؟

  • العملية ليست عنفًا أو حربًا أو خلافه، بقدر ما هي عملية مواجهة معقدة لها أبعاد عديدة، أهمها هو تحويل الدفة إلى أمريكا التي تعتبر العدو الأول والوحيد للعرب والمسلمين، ومواجهتها لا بد منها على الصعيد الاقتصادي، فإسرائيل لن تصمد في المنطقة بضعة أشهر عقب انهيار أمريكا اقتصاديًا، مما ينعكس على الصعيد السياسي العسكري، ولكن يستلزم وحدة العرب والمسلمين في أقرب فرصة احترامًا لرغبات شعوبهم، والتخلص من التسلط الأمريكي الإسرائيلي عليهم، أما أبناء الشعب الفلسطيني فبوسعهم أن يعبروا عن وجودهم بالصراع المسلح مع الاحتلال بدءًا بالحجارة، فالصراع في الأساس -من وجهة نظري- صراع اقتصادي يمكن أن ينتصر فيه العرب إذا أرادوا.

أما كيفية إدارة الخلاف فهناك طريقتان:

      أن تأتي الحرب والنصر للأقوى الذي سيكتب التاريخ وفق ما يرتئيه ووفق هواه، والثاني أن نتحاور أن نتعلم من محاورنا ما يريد أن يقول، وفي الأزمة الأخيرة الآن بين العراق والأمم المتحدة -للأسف- نجد أن أمريكا اختارت الطريق الأول الحرب، ومن النفاق السياسي الكبير أن تدعي أمريكا أنها بلد الحرية وحقوق الإنسان فيما هي تكيل بمكيالين، وتقيس بمقياسين في قضايا الشرق الأوسط، وهذا هو جوهر الموضوع، ففي مواجهة إسرائيل لا أحد يتحرك؛ لأنها ذراع أمريكا المسلحة في المنطقة، بينما تقوم الدنيا ولا تقعد بمواجهة أي دولة عربية، وتنهش بالأكاذيب والمبالغات، ومثالي على ذلك ما شرعته المحكمة العليا في إسرائيل بصحة التعذيب باسم الضغط الجسدي التدريجي، وهو التعذيب طبعًا، مع أنها وقعت على مواثيق دولية تحظر التعذيب وإسرائيل في ذلك لا تخشى شيئًا، بل نقول -وبكل وقاحة وغطرسة- إنها لن توقع معاهدة أو اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، فيما يشيعون أن العراق تمتلك تقنيات تقيم الدنيا ولا تقعدها.

     لقد جعل المتطرفون اليهود من قبر «باروخ جولد شتاين» مكانًا مقدسًا وضريحًا يزار وتضاء فيه الشموع مثل أي معبد، الهيمنة الصهيونية -من وجهة نظري- تشبه زائدة دودية في الهيمنة الأمريكية، وهي هيمنة تتركز في وسائل الإعلام، وعلى العرب والمسلمين أن يضيقوا الفجوة بين هذه الإمكانات المتباينة قدر استطاعتهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين