العنوان رمضان غزة والضفة يلهب قلوب ذوي الأسرى.. والمسحراتي يُحيي التراث الفلسطيني
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008
مشاهدات 79
نشر في العدد 1820
نشر في الصفحة 44
السبت 20-سبتمبر-2008
لم يشفع شهر الخير والغفران لأهالي الضفة الغربية الذين يضطرون للمرور عبر الحواجز العسكرية بشكل يومي من ممارسات الاحتلال التعسفية عليهم، حيث التفتيش والحجز لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة.
*مسحراتي: رغم الحصار إلا أن وظيفة المسحراتي الموروثة ما زالت تضفي طعمًا خاصًّا لهذا الشهر الفضيل.
*الكثير من فلسطينيي الضفة يضطرون لحمل شيء من الطعام معهم تحسبًا لحجزهم على الحاجز حتى وقت الإفطار.
*«أُم» حُرمت من أبنائها الثلاثة القابعين في سجون الاحتلال، ومع ذلك تصر على حجز مقاعد لهم على مائدة الإفطار!
فلسطين: وسام عفيفة
في حين تعيش أسرة المواطنة المقدسية «عائشة عطون» (٦٠ عامًا) كغيرها من الأسر الفلسطينية التي حُرمت من رؤية أبنائها في الشهر الفضيل، فتلك الأسرة باتت على موعد متجدد مع الألم والحسرة عندما يرفع المؤذن صوته لأذان المغرب، حينها تنظر الأم إلى أبنائها فتجد ثلاثة منهم غائبين خلف القضبان.
ورغم ذلك يحافظ الفلسطينيون على التقاليد الرمضانية الجميلة، ولا يزال المسحراتي واحدًا من أهم التقاليد الجميلة في شهر رمضان، ولا يزال يقرع طبلته داخل شوارع القرى والمدن الفلسطينية في ساعة مبكرة قبل فجر كل يوم من أيام الشهر الفضيل.
لهيب قلوب الأهل
«أم أحمد عطون» وزوجها الحاج «أبو أحمد» من سكان منطقة «صور باهر» شرقي مدينة «القدس» المحتلة، تلهج ألسنتهما بالدعاء إلى الله وهما ذاهبان لتأدية صلاة المغرب في المسجد الأقصى المبارك بأن يلتئم شملهم بأبنائهما الثلاثة القابعين في سجون الاحتلال، «محمود»، و«إياد»، و«أحمد»، ثلاثتهم حرمت والدتهم من رؤيتهم منذ سنين طوال، أحدهم يقضي حكمًا بالسجن لمدة ٣٤٠ عامًا بتهمة قتل ثلاثة ضباط إسرائيليين في عام ١٩٩٣م، في حين ينتظر الآخران حكمًا في الأيام المقبلة؛ أحدهما اعتُقل على خلفية انتمائه، والآخر اختُطف مع نواب المجلس التشريعي المختطفين منذ نحو عامين.
مقاعد للأسرى على مائدة
فعلى الرغم من تيقن «أم أحمد» بأن عودة أبنائها الثلاثة لن تكون قريبة، إلا أنها تصر على حجز مقاعد شاغرة لهم على مائدة الإفطار، تعد الأكلات التي عادة ما يفضلون تناولها، وتضع أمام مقاعدهم «الشوربة»، وتحدث أبناءهم عنهم وعن عاداتهم في الشهر الفضيل، وكيف كانوا يجلسون على مائدة الإفطار.
وتقول الحاجة «أم أحمد» وقلبها يتفطر ألمًا وهي تستقبل هلال رمضان في ظل غياب أبنائها: «أتذكر أبنائي في كل لحظة تمر عليَّ في حياتي، ومع قدوم شهر رمضان تزداد الحسرة في قلبي، أتذكرهم وهم يجلسون معنا على مائدة الإفطار». وتتابع والدموع تترقرق في عينيها: «كنا نجلس سويًّا ونتسامر، فضحكاتهم لا تغيب عني وتقاسيم وجوههم لا تفارقني. أتمنى من الله أن يطيل في عمري حتى لحظة خروجهم لأحتضنهم بين ذراعي، علَّها تكون آخر أمنياتي».
وتسترجع «أم أحمد» شريط ذكرياتها قائلة: «أجمل اللحظات التي أعيشها تلك التي أتخيل فيها أبنائي الثلاثة وهم ذاهبون للصلاة في المسجد الأقصى، لا سيما في شهر رمضان كما كانوا يفعلون، فاثنان منهم اعتُقلا بتهمة أنهم يؤذنون في المسجد الأقصى!». متسائلة والحزن يملأ تقاسيم وجهها: «كثيرًا ما أتساءل في رمضان من يعد لهم الطعام؟ هل هم جائعون؟ وهل لديهم ما يكفيهم من الطعام؟ هل يؤدون صلاة التراويح ويقرؤون القرآن؟».
عائلة «عطون» واحدة من مئات الأسر الفلسطينية التي يطل عليها شهر رمضان وقلوبهم تتوجع في ظل غياب أبنائهم وأزواجهم القابعين في زنازين الاحتلال.
رمضان على حواجز الضفة
ويضطر الكثير من فلسطينيي الضفة الغربية لحمل شيء من الطعام معهم في كل يوم من أيام رمضان تحسبًا لحجزهم على الحاجز لوقت الإفطار، فالجنود «الإسرائيليون» لا يراعون مشاعر المسلمين في الشهر المبارك، بل في كثير من الأحيان تزيد الحكومة الصهيونية من إجراءاتها الاحتلالية على الحواجز وتضيِّق بشكل أكبر عليهم.
طلبة الجامعات والموظفون والعمال وغيرهم.. النساء والرجال والأطفال، كلهم سواسية أمام مجند لا يتجاوز العشرين من عمره، يتحكم بمرورهم عبر بوابة الحاجز العسكري، ويصدر الأوامر بمرور من يريد وحجز من يريد منهم.
على حاجز «حوارة» شرق مدينة نابلس ومع اقتراب وقت الإفطار، اكتظ الناس وتعالت أصواتهم وصراخهم يطالبون الجنود بفتح الطريق أمامهم، لكن لا حياة لمن تنادي، فالجنود يمررون فردًا فردًا بعد تفتيشه وفحص هويته على جهاز الكمبيوتر والقائمة التي بحوزتهم بأسماء المطلوبين لديهم.
«محمد سليمان»، أحد العمال من مخيم «عسكر»، يضطر للمرور عبر حاجز حوارة يوميًّا؛ حيث يعمل بإحدى القرى القريبة لمدينة نابلس، يقول: «لا فرق بين شهر رمضان وغيره عند الجنود، نتأخر في كثير من الأحيان حتى أذان العشاء، لذلك نضطر لحمل شيء من الطعام أو التمر والماء معنا لنفطر على الحاجز».
الطالبة «آلاء كنعان» تقول: «أقف على حاجز بيت إيبا ساعتين يوميًّا، وفي أفضل الأحوال ساعة، وأكثر ما نعانيه هناك هو الوقوف تحت أشعة الشمس في أيام رمضان، فهذا العام جاء رمضان بالصيف، مما يرهق الجسد أكثر، فما بالكم بنا عندما نقف على الحاجز ساعة وأكثر يوميًّا بانتظار المرور بعد التفتيش والتدقيق بالبطاقات الشخصية؟!».
وتشير آلاء: «أصل إلى البيت وأنا منهكة جدًّا، لا أقوى على الحراك، ولا أستطيع القيام بأي عمل أو دراسة أي شيء، فالانتظار على الحاجز يستهلك كل طاقتنا وصبرنا، وممارسات الجنود التعسفية تزيد من غضبنا وتوترنا».
أما «سُها فهمي» موظفة وأم لأربعة أطفال فتقول: «كل يوم نقف بطوابير طويلة وننتظر الدور حتى نتمكن من الوصول لبيوتنا». وتضيف: «أنا موظفة وعندي أولاد، ولا أستطيع أن أجهز طعام الإفطار، حتى في رمضان مش راحمينا!».
وتوضح سها: «المرة الماضية قاموا بحجز زوجي واضطررت أن أنتظره وأطفالي جميعهم معي حتى مغيب الشمس، وقبل أذان المغرب بربع ساعة سمحوا له بالمرور، ولا أظن أن أحدًا في العالم يعيش مثلنا، الله يفرجها علينا».
المسحراتي.. تراث فلسطيني
«قوم اصحى يا نايم وحِّد الدايم. قوموا لسحوركم جاء رمضان يزوركم. هلّ هلالك يا رمضان» كلمات تخرج بصوت عال من بين شفتي المسحراتي الذي يعد واحدًا من أهم المظاهر في شهر رمضان، وهو لا يزال يقرع طبلته داخل شوارع القرى والمدن الفلسطينية في ساعة مبكرة قبل فجر كل يوم من أيام رمضان، داعيًا المواطنين للاستيقاظ من النوم لتناول طعام السحور ويرى العديد من المسحراتية في فلسطين أن عملهم لون من ألوان «الفولكلور» الفلسطيني الأصيل، والذي يجب التمسك به والحفاظ عليه.
المسحراتي «أبو إبراهيم الأغا» (٥٨ عامًا) من خان يونس يقول: إن رغبته في إحياء رمضان هذا العام جاءت من حرصه على عدم اندثار هذا التراث. واعتاد أبو إبراهيم على النهوض مبكرًا -كما يقول- في أيام شهر رمضان ليصدح بصوته العالي في أرجاء مخيم «خان يونس» أكبر مخيمات المدينة؛ داعيًا الأهالي إلى الاستيقاظ وتناول وجبة السحور والاستعداد لأداء صلاة الفجر جماعة بمسجد المخيم.
وكان «أبو إبراهيم» قد عاد لمزاولة عمله المحبب إليه بعد الانسحاب «الإسرائيلي» من قطاع غزة، وكان قد توقف قسرًا منذ بداية الانتفاضة الثانية بسبب وجود الاحتلال على أطراف المخيم، ويعلو صوت الطبلة في أرجاء المخيم كدليل دامغ على التمسك بعادات وتقاليد الفولكلور الفلسطيني.
أما الحاج «يوسف الحاج» (٧٠ عامًا) من مدينة «غزة»، وهو «مسحراتي» سابق، فيرى بأن المسحراتي قديمًا كان أكثر شيوعًا، مشيرًا إلى أن تلك الأيام هي الأجمل في حياة المواطنين الذين كانوا ينتظرون طبلته وصوته باهتمام وحفاوة، ولكنه يرى الآن أن الوضع بات مختلفًا؛ خاصة مع انتشار الإنارة في الشوارع ووسط الأحياء، وباتت مهمة أكثر سهولة ويُسرًا.
الشاب «غازي الجملة» (۲۱عامًا) من «الشيخ رضوان» بـ غزة، يستيقظ عند الساعة الثانية فجرًا، ومن ثم يحمل طبلته ويبدأ بقرعها في شوارع مدينة «النصر» وأحياء الشيخ رضوان، مرددًا الأناشيد والحكم الشعبية الفلسطينية الخاصة بهذا الشهر. ويرى الجملة -الذي ورث هذا العمل عن أحد رجال المدينة القدامى ويعمل بها منذ خمسة أعوام- أن فكرة المسحراتي يحبها الفلسطينيون عمومًا والأطفال خصوصًا، وهي تشجعهم إلى حد كبير على الاستيقاظ بنشاط لتناولهم طعام السحور.
وقال إنه كثيرًا ما يتلقى هدايا مالية متواضعة، أو أنواعًا من الشراب والمأكولات من الصائمين خلال تجواله في الشوارع فجرًا حاثًّا الناس على الاستيقاظ لتناول طعامهم، والاستعداد لصلاة الفجر.
وتابع: «رغم الحصار والأوضاع الصعبة التي يمر بها سكان القطاع، إلا أن تلك الظاهرة الموروثة ما زالت تضفي طابعًا وطعمًا خاصًّا لهذا الشهر الفضيل. ورغم السواد الحالك، فإن مسحراتية فلسطين يؤكدون بأن فجر الحرية سيبزغ من جديد وسترتفع أصواتهم تخترق الأثير يهللون فيه بقدوم شهر رمضان على أبواب بيت المقدس، وستنصب الطبول وتنشد الأناشيد من كل فلسطين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل