; رمضان .. شهر القرآن والفرقان | مجلة المجتمع

العنوان رمضان .. شهر القرآن والفرقان

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1966

نشر في الصفحة 37

السبت 20-أغسطس-2011

رمضان له في الإسلام مكانة سامية، وعند المسلمين منزلة فريدة، حيث نزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وتعينت فيه ليلة القدر واختص بها ولازمته، وعز فيه المسلمون ب بدر بعد ذلة ومطاردة: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْر وأنتُمْ أذلة فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (۱۲۳) ﴾ (آل عمران)، وفتح الله عليهم في مكة، ونصر دينه وأعز جنده، وسادوا على الشرك والكافرين، وقال قائلهم:

إذا ما غضبنا غضبة مضرية                هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دماً

 أما عن نزول القرآن في رمضان، فهو تكريم لهذا الشهر الذي اختص بالفضل والهدى والنور دون الشهور، وجاء فيما يرويه البغوي عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «نزلت صحف إبراهيم عليه السلام في ثلاث ليال مضين من رمضان - ويروى في أول ليلة من رمضان - وأنزلت التوارة على موسى عليه السلام في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الزبور على داود عليه السلام في ثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد في الرابع والعشرين من شهر رمضان»، حيث ختمت الرسالات بالقرآن، وجعله الله فارقاً بين الحق والباطل وسماه سبحانه فرقاناً فقال تعالى: ﴿تبارك الذي نَزَلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عبده ليكون للعالمين نذيرا (1)﴾ (الفرقان)، وسمي فرقانا: لأنه فارق بين الجاهلية والإسلام، وبين الهدى والضلال، ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى والفرقان ﴾ (البقرة: ١٨٥).

واختص بليلة القدر التي شرفها الله بنزول القرآن ونزول الملائكة وزيادة الأجر ورفعة الدرجات فقال تعالى: ﴿ إنا أنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ ما ليلة القدر (٢) ليلة القدر خير من ألف شهر (۳) تنزل الملائكة وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5) ﴾ (القدر).

شهر القرآن حبل الله المتين، ونوره المبين والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، والعروة الوثقى، والمعتصم الأقوى، فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا تشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه ولا تنتهي غرائبه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. 

وقد كان سلفنا الصالح - رضي الله عنهم - يخصون هذا الشهر بمزيد من العناية بكتاب الله عز وجل، قراءة وتدبرا، وتلاوة وتعبدا في الصلاة وخارج الصلاة؛ لأنه شهر القرآن. 

فكان إبراهيم النخعي وقتادة - رحمهما الله تعالى - يختمان القرآن في كل ثلاث ليال مرة، وفي العشر الأواخر في كل ليلة، وكان الإمام الزهري إذا دخل رمضان يترك قراءة الحديث ومجالس أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن في المصحف وكذلك يفعل سفيان الثوري يرحمه الله. وقال عثمان بن عفان : « لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم.» وقال بعض السلف: «إذا أردت أن تعرف قدرك عند الله؛ فانظر قدر القرآن عندك».

ولما كان شهر رمضان انتصاراً على النفس كان كذلك انتصاراً على الأعداء، وأراد الله سبحانه أن يجعله بركة على المسلمين وفوزاً، فكانت موقعة «بدر الكبرى» التي ظهرت فيها قيم الرجال وعظيم التضحيات، حين استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه المهاجرين والأنصار، فقام من المهاجرين المقداد بن عمرو وقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.

وقال سعد بن معاذ من الأنصار: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «أجل»، قال: لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا الصبر في الحرب صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك».

هؤلاء الأبطال هم الذين يتحقق بهم وعد الله، ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحَسُّونَهُم بإذنه﴾ (آل عمران : ١٥٢)، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطائفتين أنها لكمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تكون لكمْ وَيُرِيدُ الله أن يُحقِّ الْحَقِّ بكلماته وَيَقْطَعَ دابر الكافرين (۷) ﴾ (الأنفال).

وكان النصر الذي أذهل التاريخ الإنساني والحربي، ورفع الله به حزبه وجنده، وخفض به أعداءه ومحادي رسله، وقتلت هامات قريش وفرسانها، وأسرت سادتها وكبراءها، وكان هذا أمراً عجبا أذهل الكثير حتى من المسلمين.. قالت سودة بنت زمعة زوج النبي : «كنت حاضرة عند مجيء الأسرى، فرجعت إلى بيتي ورسول الله فيه وإذ بأبي يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، قالت: فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد رأس قريش كذلك أن قلت: أي أبا يزيد، أعطيتم أنفسكم بأيديكم، ألا متم كراما !! فوالله ما نبهني إلا قول رسول ﷺ في البيت يا سودة، أعلى الله ورسوله تحرضين؟». قلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت.

وأصيبت قريش بالذهول وتحرقت منها الأكباد وانصدعت منها القلوب، وخافت شماتة العرب في مصيبتها ومنعت النحيب على رؤسائها وفرسانها القتلى، وقد كان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده؛ زمعة، وعقيل والحارث وكان يتشوق البكاء عليهم، وبينما هو كذلك إذ سمع امرأة تنوح في الليل فقال الغلام له انظر هل أحل النحيب وبكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على زمعة، فإن جوفي قد احترق، فلما رجع إليه الغلام قال: إنها امرأة تبكي على بعير لها أضلته، فقال الأسود:

أتبكي أن يضل لها بعير              ويمنعها من النوم السهود

فلا تبكي على بكر ولكن            على «بدر» تقاصرت الجدود

وأبكي إن بكيت على عقيل        وأبكي حارثاً أسد الأسود

ألا قد ساد بعدهم رجال        ولولا يوم «بدر» لم يسودوا

إنه الايمان الذي أعز الله به المؤمنين، وأذل به الشرك والمشركين، وصدق الله: ﴿يُريدون ليُطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون(8 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9)﴾ (الصف). وبعد، فهذه أيام الفرقان، وليالي القرآن وقد تشوق المسلمون إليها، فهل يراجعون أنفسهم ويتذكرون أمجادهم؟ نسأل الله ذلك .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

210

الثلاثاء 05-مايو-1970

محاجر العقيدة الإسلامية

نشر في العدد 414

79

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

للإيمان طريق للإصلاح