العنوان للإيمان طريق للإصلاح
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1978
مشاهدات 79
نشر في العدد 414
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 03-أكتوبر-1978
سياحة القلب المؤمن
الإيمان بالله تعالى قوة هائلة جبارة
الإيمان هو الأمل الوحيد للبشرية
إذا نظرنا نظرة واحدة إلى عالمنا الإسلامي الواسع من الصين إلى المغرب، لوجدنا الكثير والكثير مما ينغص على المسلم حياته، ويؤلمه على إخوته المسلمين الألم الشديد؛ ففي أكثر بلاد المسلمين نجد المسلمين على حال لا تحمد، يعلوهم الظلم بسيفه الأسود، وتتحكم فيهم الصليبية والصهيونية، وأذنابهما أيما تحكم، وتسيل دماؤهم الطاهرة في ساح الجهاد تارة، أو على أعواد المشانق، أو في ظلام السجون، أو في ليلة ليلاء تارات أخرى.
ويرتد الطرف حسيرًا كليلًا يذرف الدم لا الدمع، ويعود القلب ممزقًا مهمومًا مكدودًا، وكيف لا؟! ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
ويتساءل الإنسان ما الطريق؟ وكيف الإصلاح؟
إن إصلاح الأمم لا يتحقق عفوًا بلا تعب. فالأمة لا تنهض ولا تقوى إلا بعد تغيير إيماني عتيق الجذور يحول الهمود فيها إلى حركة، والغفلة إلى صحوة، والركود إلى يقظة، والعقم إلى إنتاج، والموت إلى حياة.
وهذا ليس بدعًا نبتدعه، وإنما هو سنّة من سنن الله تعالى في الكون قررها القرآن الكريم في تبيان ووضوح: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ﴾ (الرعد: 11).
ولكن هذا التغيير ليس بالأمر الهين اليسير. بل إنه عبء ثقيل تنوء به الكواهل، وذلك لأن الإنسان مخلوق مركب معقد، ومن أصعب الصعوبات تغيير نفسه أو قلبه أو فكره، إلا إذا شاء الله تعالى ذلك بالإيمان.
إن الإيمان وحده هو صانع العجائب، وهو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ الخيرة، مهما يكمن وراءها من تكاليف وواجبات، وهو الوحيد الذي يغير النفوس تغييرًا تامًّا، وينشئها خلقًا تامًّا، ويصبها في قالب جديد بعد أن يغير أهدافها وطرائقها ووجهتها وسلوكها وأذواقها ومقاييسها.
الإيمان يملك قوة هائلة، فلا يعترف بالمراحل والأعمار التي وضعها علماء النفس وأهل التربية واشترطوها لنجاح المجهود التربوي، فإنهم يقررون أن هناك سنًا معينة هي سن القبول لتكوين العادات واكتساب الصفات وغير ذلك، وهذه السن هي سن الطفولة.
ولكن الإيمان تخطى قواعد التربويين والنفسيين فإذا ما سكن في قلب وتغلل إلى أعماقه وامتزج بجوهره وخلاياه، غير اتجاهه، وبدل نظرته لنفسه وللحياة وللكون، وطور أحكامه على الأشياء والأعمال وعلى سلوكه مع الله والناس ونفسه، دون أن يقف في سبيله فتوة الشباب، ولا كهولة الكهول، ولا هرم الشيوخ، فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان في جاهليته يعبد إلهًا من تمر صنعه بنفسه، فإذا جاع أكله، وكان.. وكان.. عمر بن الخطاب هذا يدخل الإيمان قلبه فينيره بنور الله، فيتحرر عقله من كل أنواع الشرك والضلال، ومن كل عمل يمكن أن يؤدي إلى معصية أو كفر ولو على المدى البعيد، فنراه يأمر بقطع شحرة الرضوان التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها يوم الحديبية وذلك لأنه خشي إذا طال الزمن بالناس أن يعبدوها. وعمر بن الخطاب هذا أيضًا، وهو الذي وأد ابنته في جاهليته، نراه يبلغ بعد إسلامه من سمو العاطفة ورقة القلب وخشية الله تعالى ما ملأ صفحات التاريخ نورًا وعدلًا ورحمة واسعة شملت المسلم وغير المسلم والإنسان والحيوان، وهو الذي قال قولته المشهورة: «والله لو عثرت شاة بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله لما لم أعبد لها الطريق؟».
فما الذي غيّر عمر بن الخطاب فصار من الملهمين؟ وما الذي غيّر الخنساء صبرًا على استشهاد أبنائها الأربعة بعدما ملأت الدنيا بكاء وعويلًا على أخيها صخر؟ وما الذي غيّر غيرهما من الصحابة الكرام رجالًا ونساء وصغارًا وكبارًا وعربًا وعجمًا؟ إنه الإيمان!.. إنه الإيمان الحق كما جاء به الإسلام الحنيف الخالد.
لذلك فالرجوع إلى الإيمان.. إلى الإسلام هو الأمل الوحيد في خلاص الإنسان مما يعانيه اليوم وغدًا من مشكلات تهدده بالدمار الشامل، وهو الطريق الوحيد لإصلاح المجتمع مما حل فيه من أمراض وعلل، وهو السبيل الوحيد لنستعيد الأراضي السليبة المقدسة من مغتصبيها.
إن الإيمان الحق هو الحل الفذ لعقد الحياة المعاصرة التي استعصت على علماء النفس والتربية والفلسفة وحار فيها المصلحون والمفكرون.
أحمد زكي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل