الثلاثاء 22-أغسطس-1978
يبدو إن عصر التتار يرفض إلا أن يطل علينا برأسه بين الفينة والأخرى فما يحدث في هذه الأيام داخل المنطقة، يذكر الإنسان بأشد المآسي الإنسانية فظاعة، وإذا كانت عين جالوت وبطلها قطز سبب خلاص الأمة من هجمات التتار والمآسي التي أحدثوها في ديارنا، فإن الأمة الآن بحاجة إلى عين جالوت ثانية يقودها قطز الإسلام الجديد، بيد أن هناك فارقًا كبيرًا بين الماضي والحاضر، فعين جالوت التاريخية، كانت معركة الفصل بين أمة الإسلام، وأمة من أمم الكفر والشرك والوثنية أما واقع أمتنا الآن، فهو واقع التناحر الذاتي، والصراع الداخلي الذي وضع على جبين الأمة آلاف الأطنان من الركام والوحول، وإذا تأملنا الوضع مثلًا في لبنان، مجمع المآسي والأهوال، ومختبر التجارب السياسية والعسكرية، فإننا سنجد أن لبنان- وبكل وضوح- هو مركز يحتضن كافة الصراعات العربية، ويجمع كافة الاتجاهات العالمية أيضًا، ففي ربوع لبنان تصطرع القوميات، وتتحارب الاشتراكيات، وتتناحر الحزبيات، بل إنك لتجد الصراع قائمًا بين ممثلي الاتجاه الواحد، والمبدأ الواحد، فأركان الأحزاب الاشتراكية في لبنان هم المتصارعون، وأصحاب المذاهب الثورية هم المنافسون، ولماذا يتنافسون يا ترى؟ فهؤلاء المنخرطون في الاتجاهات الفلسطينية الثورية ما زالوا يسددون النيران إلى صدورهم.
ولقد صار تحويل السلاح من صدر إسرائيل إلى صدور أبناء الأمة ميزة تفرد بها هذا العصر، لكن من الذي يقف وراء لعبة الحرب الفلسطينية؟ نحن نسلم بأن الصراعات داخل جيوب المنظمات الفدائية على اختلاف هوياتها ومشاربها، إنما هي صراعات منعكسة بشكل أكيد عن الصراعات داخل صفوف هذه الأمة بكاملها، وإن تعدد الانتماءات الفلسطينية بحسب الاتجاهات المغربية سوف يظل يعكس صراع تلك الاتجاهات إلى أن تذوب الصراعات بين القيادات العربية نفسها، واعتبار أن ذلك لن يكون قبل إنهاء التصفية العسكرية للقوى الفلسطينية المسلحة، ذلك أن أي حل محلي أو عالمي لمشكلتنا مع اليهود، يحتاج إلي إبعاد السلاح العربي من المنطقة إبعادًا نهائيًا وهذا سيؤدي إلي إلغاء الدور الذي يطلق عليه اسم- العمل الفدائي- ويتطلب أيضًا دفن السلاح، بل دفن المقاتل والقضاء على الرجل المسلح، إذ إن الرجل المسلح هو العقبة الكؤوبة أمام رواد الحل السلمي، لذلك دبرت له المذابح المتوالية في عدة مواقع تتمركز بين أيلول ۱۹۷۰ وتل الزعتر ۱۹۷6 والاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان الذي انتهى بحشر جماعات الفلسطينيين في الشمال ووضعها تحت الإشراف السوري لضبط أعصابها ومنعها من التشويش الذي قد يصدر عن بعض الأطراف،
ولما كانت بقايا الحطام الفلسطيني المسلح ما زالت على قيد الحياة، فقد اختير لها أن تلعب على حبل التصفية الذاتية على مستويين المستوى التصفوي لحياة الحركة السياسية الدبلوماسية، ومستوى الإبادة الجماعية داخل المخيمات التي ما زالت تحمل بعض السلاح: وأفضل وجه لتنفيذ اللعبة، هو أن يوجه الفلسطينيون السلاح إلى صدره وينتحر، هذه بعض الواقع، وهذا ما جعل خبراء السياسة في المنطقة يؤكدون: بأن الأمة لم تشهد تدهورًا مثل التدهور الذي تشهده الآن منذ هجمات التتار والتدهور الآن ليس تدهورًا سياسيًا بالمعنى التقني للكلمة، بل يصاحبه تدهور أخلاقي، وهذا يعني أن الحالة تسير إلي هاوية القرار الذي ما بعده قرار، فهل لأمتنا من مخلص؟ نعم، إن المخلص هو في الطريقة التي تخلصت بها أمتنا من كافة أعدائها، إن المخلص لا يكون إلا بطريقة ومنهج الإسلام.
أبو أسعد.