; عندما نسي المماليك السيف، فقدوا مبرر وجودهم الوحيد | مجلة المجتمع

العنوان عندما نسي المماليك السيف، فقدوا مبرر وجودهم الوحيد

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

مشاهدات 202

نشر في العدد 128

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

قراءة جديدة للتاريخ

الصفحات الأخيرة من حضارتنا

عندما نسي المماليك السيف، فقدوا مبرر وجودهم الوحيد

كانوا دائمًا أهل طعان ونزال.

كانوا أشقاء للسيف والرمح، هو هويتهم، وهو مؤهلهم للحياة والبقاء، وعلى امتداد تاريخهم كان السيف مقرونًا بهم، وكانوا عضد الدولة الإسلامية في كثير من المواقف وكانوا حماتها من أعدائها.

وفي مقابل ذلك عاشوا، وتحملتهم شعوب مصر والشام وسمحت لهم بالسيطرة عليها، وهم بدورهم كانوا جيشها وأسطولها وحماتها أمام كل غزو خارجي، وكانوا يخضعون لتقاليد البلاد، ولا يعرفون لهم ولاء إلا للدين الذي عاشوا به وربوا على تعاليمه وإلا للسلطان الذي يحكم، ثم مع تطورهم الداخلي أصبح ولاؤهم للسلطان الذي يحكمهم منهم، ولقد شكلوا مجتمعًا ذا هوية خاصة، له أسلوبه الخاص في الحياة، وله تربيته الخاصة وله فكره الخاص، لقد كان مجتمعهم أشبه ما يكون بالمجتمع العسكري أو المجتمع البحري الذي يعيش للبحر أو الجندية، هي عقله وهي عاطفته، ولا ولاء له لسواها.

                                                  * *

وعندما مات فجأة آخر سلاطين الأيوبيين الملك الصالح أيوب، تكتمت زوجته شجرة الدر الخبر لأن بلاد مصر كانت في حرب مع لويس التاسع الذي هزم وأبيد جيشه في دمياط والمنصورة، ثم استدعت المرأة الزوجة الملكة ابن زوجها «توران شاه» لينقذ البلاد، فلما جاء توران وأنقذ البلاد من الصليبيين وحاول أن يستأثر بالسلطة دبرت المرأة قتله، ثم أقامت نفسها بمساعدة المماليك ملكة على مصر، وقد اختار المماليك كبيرهم عز الدين أيبك ليقوم بمساعدة المملوكة التي صارت ملكة «شجرة الدر» في إدارة شئون مصر، وتطور الأمر فتزوجت شجرة الدر من مساعدها عز الدين، وتنازلت عن السلطة.

وهكذا تم تنازل آخر من ينتسبون إلى دولة الأيوبيين بنسب إلى كبير المماليك، ومع أن شجرة الدر تعتبر البداية التاريخية لدولة المماليك، لكن البداية الأكثر عمقًا وأحقية هي التي مثلها هذا التنازل، ثم استأثر عز الدين أيبك بالسلطة سبع سنوات أحست فيها المملوكة القاتلة بأنها سلبت كل سلطة، فقامت بقتل زوجها الجديد مثلما قتلت من قبل ابن زوجها القديم، لكن المماليك سرعان ما قتلوها ثأرًا وانتقامًا، واستقر الأمر لدولة المماليك في مصر والشام.

والمماليك قسمان: برجية، نسبة إلى أبراج القلعة التي كانوا يسكنون فيها بالقاهرة، وبحرية نسبة إلى جزيرة الروضة المطلة على النيل التي كانوا يسكنون فيها كذلك، ومن أشهر المماليك الأول برقوق، وآخرهم قانصوه الغوري الذي سقط تحت سنابك خيل السلطان سليم، سنة ١٥١٧م،

ومن أشهر المماليك البحرية عز الدين أيبك وبيبرس والمنصور قلاوون، وقد انتهى هؤلاء قبل المماليك البرجية بحوالي قرنين، وكان المماليك البرجية - أبطال عين جالوت - يمثلون امتدادها التاريخي.

                                                * *

لقد لعب المماليك البرجية بخاصة في تاريخنا دورًا لم تقم به إلا دول قليلة في التاريخ.

لقد صدوا غارتين حضاريتين من أكبر وأشهر الغارات التي عرفها تاريخنا وتاريخ الإنسانية.

كانت الأولى يمثلها زحف هولاكو الذي ينتمون إليه جنسيًا، لقد صدوه بعقيدتهم الإسلامية التي لم يعد لهم ولاء إلا لله «الحمد لله أن القومية لم تكن ظهرت بعد» وقد وقفوا أروع وقفاتهم في صده في عين جالوت الشهيرة رافعين راية وا إسلاماه،

ثم كانت الثانية في معاركهم الدائمة ضد الصليبيين الذين كانت لهم بقايا بعد صلاح الدين، وعلى يد السلطان المنصور قلاوون الذي تسلم الحكم سنة ٦٧٨هـ والسلطان الأشرف خليل الذي تولى الحكم سنة ٦۸۹هـ، على يد هذين السلطانين - فضلًا عن جهود بيبرس- تهاوت قلاع الصليبيين الباقية والتي كانوا قد تقدموا في بعضها بعد صلاح الدين كحصن المرقب وعكا وغيرهما وطويت على يد المماليك آخر صفحات الغزو الصليبي الذي استمر قرنين من الزمان وكان ذلك سنة ٦٩٠ هجرية.

                                            * *

لقد تضافرت ظروف عالمية -كاكتشاف رأس الرجاء الصالح- وظروف إسلامية - كبروز الأتراك ثم محمد علي -وظروف داخلية- كانقسام الأتراك على أنفسهم – تضافرت كل هذه الظروف على إنهاء الدور الذي قام به المماليك، لكن كان أكبر سبب هوى بالمماليك وزحزحهم من مكانهم في التاريخ هو أنهم نسوا الرسالة التي عاشوا من أجلها وتعاقدوا مع الشعوب التي حكموها بشأنها.

نسوا رسالتهم في الدفاع الخارجي، نسوا السيف، وتبلدوا عن أسلوب معين ولم يطوروا أنفسهم، ثم تطورا.

فانقلبوا من حماية خارجية للأمة إلى متسلطين داخليين عليها يمنعون حركتها وتطورها.

وبذلك فقدوا دورهم في التاريخ، وسقطوا بعد أن أدوا للحضارة الإسلامية الكثير، وأنقذوها من أكبر خطرين عالميين، التتار، والصليبيين.

                                                                        عبد الحليم عويس

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل