; رسالة الإخوة.. صلة الأرحام | مجلة المجتمع

العنوان رسالة الإخوة.. صلة الأرحام

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2012

مشاهدات 111

نشر في العدد 2003

نشر في الصفحة 51

السبت 19-مايو-2012

ضمن عاصفة عاتية من الظواهر السلبية التي تهب على مجتمعاتنا كل يوم شاعت ظاهرة العقوق والهجران، وتقطعت الأواصر والأرحام وقست النفوس والقلوب وتمزقت الوشائج بفعل الجرائم واختلت علاقات ذوي القربى بدافع التكالب على حطام الدنيا وزينتها، في مشهد وافد ودخيل على قيمنا وأدبياتنا الإسلامية.

ان الإسلام وضع توجيهات تعزيزية لإقامة الأوامر وداعمة لبنيانها الاجتماعي، ونص عليها في أعظم كتاب وجعل الناس يتعبدون بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، للتأكيد على فرضية صلة الأرحام وارتباطها الشديد بنجاح المسلم في أداء رسالته في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾ (النساء: الآية 1).

  • توجیه قرآنی

ولهذا، فإن مفهوم تقوى الأرحام التي تناولته الآية الكريمة تعبير عميق يلقي ظلاله الشعورية في النفس والضمير والحس والوجدان والخواطر والمشاعر، وينعكس على الجوارح والجوانح وواجب المسلمين الصادقين المخلصين في هذا المقام أن يقدموا نموذجا يحتذى من الأخوة في الله عز وجل بين الأرحام، وإلا انصرفوا وأشاعوا الفساد في الأرض وقطعوا علاقات القرابة، ولعنوا من الله، بعد أن أصموا آذانهم، وأغمضوا عيونهم عن الحق، وجعلوا قلوبهم غلفًا، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا (24)﴾ (محمد: الآيات من 22 ل24 ).

بعد هذا التوجيه القرآني الذي تعدد في غير موضع مرغبًا في صلة الأرحام، ومرهبًا ومحذرًا من عواقب قطعها، تأتي المعادلة الواضحة لتقييم المسلمين ووضعهم في المكانة التي يستحقونها، فواصل الرحم له فضل عظيم وثواب جزيل في الدنيا والآخرة، وقاطعها عليه وزر كبير وله عقاب شديد.

  • الثواب الجنة

وهناك عديد من الحوافز والامتيازات التي خصصها الله سبحانه وتعالى لواصل الرحم فقد جعله موصولا به سبحانه في الدنيا والآخرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» (متفق عليه)، وبسط له في رزقه، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» (متفق عليه)، وزاد له في عمره بسبب صلته لرحمه، فعن أبي سعيد الخدري من عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» ، بل وعمر داره، ودفع عنه ميتة السوء، وأحبه الناس.

وفي الآخرة يدخر الله تعالى لواصل الرحم الجنة مع أول روادها، فعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال النبي: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصل الرحم» ..

  • قاطع الرحم

وفي المقابل ينتظر قاطع الرحم مصيرًا أسود في الدنيا والآخرة، فقد توعد الله سبحانه وتعالى مقترف هذه الكبيرة، ألا يرفع له عملاً في الدنيا ولا يقبله الله، ولا تنزل الرحمة على قوم وجد بينهم وعجل العقوبة له في الدنيا وجعل أبواب السماء مغلقة دونه، وفي الآخرة لا يكون من أهل الجنة، ففي الحديث لا يدخل الجنة قاطع رحم ، والله تعالى ادخر له العذاب يوم القيامة، وقد يعجل له العقوبة في الدنيا إن لم يتب أو يتغمده الله بواسع رحمته. 

ومن عقوبات قاطع الرحم أنه يسف المل، أي الرماد الحار، عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيؤون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال : لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك، (رواه مسلم)، والمعنى أنه بإحسانك إليهم مع إساءتهم إليك، يعود وبالا عليهم، حتى كأنك في إحسانك إليهم مع إساءتهم إليك أطعمتهم النار.

وصفوة القول: إنه على كل قاطع رحم أن يبادر إلى وصلها، وأن يقف مع نفسه وقفة مراجعة، وصدق القائل:

هتف الحبيب لقد بنيت إخاءكم                                 ووصيتي أن تحفظوا بنياني

فإذا تفرقتم تبدد عقدكم                                           كتفرق الحصباء في الأكوان

في النفس أو في الخطو كونوا واحدًا                               فالنفس واحدة بكل مكان

نار العداوة من عذاب جهنم                                      وحمى التآخي جنة الرضوان 

هو ناثر النعماء في حقل السلام                                       وناثر الأرواح في الميدان

***

جعلوا الإخاء قرابة موصولة                                     من دونها أمسى القريب بعيدًا

عجبي لمن يعطيك آخر وقته                                     مستخفيا كي لا يهين الجودا

ويموت ظمآنًا ليروي ظامنا                                     وينال من حوض النعيم ورودا

إن المحبة يوم تغرس حبة                                          تدع الفضاء حدائقا وورودًا

وترى كنوز العالمين كليهما                                          لك في ازدياد إن أردت مزيدا

والله نسأل أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يقوي أواصرنا، وأن يوثق أخوتنا ويبارك دعوتنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل