العنوان رسالة المغرب- قضية الشبيبة الإسلامية المغربية إلى أين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1980
مشاهدات 94
نشر في العدد 481
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 20-مايو-1980
منذ خمس سنوات ومجموعة من الشباب المسلم ضمنهم الأستاذ إبراهيم كمال نائب رئيس حركة الشبيبة الإسلامية المغربية في السجن. بانتظار محاكمتهم التي لم يجرؤ أحد من مسؤولي الجهاز القضائي على الفصل فيها، بدعوى أن الجهات الأمنية والسياسية في البلاد لم تأذن بذلك... فما هي أسباب هذه القضية وخلفياتها؟
يعود تاريخ نشوء حركة الشبيبة الإسلامية المغربية إلى أواخر العقد السادس في هذا القرن.. وكان تأسيسها رد فعل طبيعيا للانحراف السائد في ميادين الاقتصاد والأخلاق والاجتماع والسياسة والعقائد والمتمثل في انتشار الشيوعية والوجودية والقومية والمؤسسات المشبوهة من ماسونية وصهيونية ونوادي الروتاري وغير ذلك.
وساعد على ظهور هذه الحركة الإسلامية الناشئة عدم وجود أي حركة إسلامية متكاملة في الساحة المغربية آنذاك باستثناء بعض التجمعات الأخلاقية كالطرق الصوفية وجماعة التبليغ....
وهكذا برزت الشبيبة الإسلامية المغربية متبنية فكر الحركة الإسلامية الأصيلة التي سبقتها إلى الساحة العالمية «الإخوان المسلمون» واتخذتها نموذجًا يحتذى، وسلفًا صالحًا به يقتدى...
لكن أعداء الإسلام لم يرضوا لها أن تمد جذورها، وشعروا أن البديل الطبيعي لهم قد ظهر وأن الشعب المغربي- كعادته طيلة التاريخ - مهيأ للالتفاف حول حركته الناشئة وعقيدته الأصيلة.. فشنت مؤسسات أعداء الدعوة حملات من المكر والدس والتآمر... وعرضت جهات يمينية ويسارية مشاريع تحالف وتآزر باءت كلها بالرفض.. والفشل... فانتقلوا بعد ذلك إلى مرحلة أخرى من العمل المضاد يتمثل في التآمر لتصفية الحركة الإسلامية وبترها.
وفي ٢٥ ديسمبر - كانون الأول - ۱٩٧٥ استغلت هذه الجهات فرصة مقتل زعيم الشيوعيين المغاربة فحاولت اتهام الحركة به بالرغم من أن المتهم بالقتل معتقل ومعترف في جميع مراحل التحقيق بأنه لا يعرف حركة الشبيبة الإسلامية وليس له أي علاقة بها أو بمسؤوليها ولم يتلقَّ أي أمر أو تحريض أو مساعدة منها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة... ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من اليساريين مندسون في الأجهزة الأمنية والسياسية، وأن صحف اليسار كالت للقائمين بالتحقيق في القضية مديحًا كثيرًا لجهودهم في الموضوع، مما يكشف التواطؤ السافر بين الفئتين.....
وانتظرنا أن تنعقد المحكمة فيتبين الحق لذي عينين.. لكن الجهاز القضائي جمد القضية إلى أن ينتهي الجهاز الأمني والسياسي من تحقيق هدفه الأساسي الذي هو ضرب الحركة الإسلامية الناشئة وتصفيتها... أو احتوائها وبتر قيادتها.
وطيلة خمس سنوات مضت تكتفي السلطة القضائية بتحريك القضية تحريكًا خفيفًا كلما لمست ضغوطًا من الإسلاميين أو اليساريين لكن الأجهزة الأمنية والسياسية عمدت للتخلص من هذه الضغوط إلى وسيلتين: أولاهما: المقايضة مع قيادة اليساريين التي استجابت للصفقة وطالبت بتأجيل القضية إلى أجل غير مسمى بأعذار ديماغوجية، وكان الوسيط في هذه الصفقة محاميا الطرف المدني المعروفان بعلاقاتهما الوطيدة مع كبار مسؤولي الأمن والسياسة في البلد.
كما عمدوا إلى شل حركة الشبيبة الإسلامية بمحاولة شراء بعض الذمم والأغرار وتكليفهم بشق صفها وشغلها بدفع حملات من الأراجيف والأكاذيب والدعايات المغرضة، وكان الغرض من الحملة تلهيتها عن قضيتها بما يتيح فرصة تجميد محاكمة المعتقلين أو تمريرها كما يشاء مدبروها... وكانت الحملات المغرضة تجري موازية ومتكاملة ومتزامنة مع حملات قمع وإرهاب تجعل الجماعة بين مطرقة وسندان، مطرقة الحملات المغرضة وسندان القمع والإرهاب.
ومنذ عشرين يومًا تقريبًا كان هناك ضغط آخر من أجل التعجيل بالمحاكمة قام به المعتقلون هو الإضراب عن الطعام الذي استمر خمسة عشر يوما نقلوا على إثرها إلى المستشفى لتغذيتهم عن طريق الأوردة، مما اضطر السلطة القضائية إلى أن تلتزم لهم بعرض القضية على المحكمة عاجلًا.. وبعد هذه الظروف لم يبق من يطالب بإجراء المحاكمة وكشف الحقيقة بعد تخلي الاشتراكيين عن قضية زعيمهم والمقايضة بها، إلا جهة واحدة هي حركة الشبيبة الإسلامية. بعد أن تغلبت على المناورات والدسائس التي خططت لها الأجهزة ونفذها أفراد باعوا أنفسهم للشيطان. فهل تيأس هذه الدوائر من أسلوب المناورة وشراء الذمم بعد أن أعلن هذا الأسلوب إفلاسه التام في المهرجان الاصطناعي التافه بالحي الجامعي بالدار البيضاء، والذي تحالف لإنجاحه الاتحاد العام للطلبة، وبعض المنحرفين والحاقدين والشيوعيين والمتياسرين، وحاولوا أن يضفوا عليه الصبغة الإسلامية ببيع العطر والدشاديش المشرقية وتقديم الإسلام على شكل ركوب ومطية ذلول لأفَّاقي العالم ولصوصه وإيهامهم بسهولة استخدامه والتحالف معه مما يعتبر أكبر خدمة تقدم للفكر الشيوعي الملحد....
وفي الشهرين الماضيين تميز الجو الإسلامي بتغلب الشبيبة الإسلامية على كل الحواجز والعراقيل والمؤامرات، وانطلقت إلى عملها الدؤوب في الدعوة والإرشاد والتربية والتوعية والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهكذا عرفت المدن المغربية نشاطًا مكثفا انطلقت شعلته من مدينة فاس- مهد الإسلام والعلم- حيث قام طلبة الشبيبة الإسلامية بمهرجانات خطابية في مسجد الحي الجامعي، ثم أعقب ذلك توزيع نداءات ومنشورات وبيانات وملصقات تدعو للعودة إلى الإسلام وتطبيقه والتمسك به، ثم توجوا ذلك بعدة تظاهرات إسلامية في الحرم الجامعي، مما أثار حفيظة الشيوعيين والمتياسرين والحاقدين على الشبيبة الإسلامية من مختلف النحل فهاجموا الشباب المسلم لكن ردوا على أعقابهم خاسئين.
وفي الرباط أقيمت كذلك مهرجانات خطابية في مسجد الحي الجامعي ووزعت بيانات وملصقات وامتلأت رحاب الحرم الجامعي بالهتافات والشعارات والأناشيد الإسلامية مما كان له تأثير جيد في الأوساط الطلابية.... أما في الدار البيضاء فقد كانت حملة خطابية في المساجد اعتقل على إثرها بعض الدعاة ولكن أطلق سراحهم بعد محاكمتهم ودفاع الأستاذ جمال الدين عبد السلام عنهم....
كما وزعت الحركة في جميع مدارس الدار البيضاء وجامعاتها بيانات ومنشورات عديدة.
وكانت مطالب طلبة الشبيبة الإسلامية في كل هذه المدن تدور حول ضرورة تطبيق الإسلام وتطهير مناهج التعليم من الفكر الشيوعي المنحرف، وإطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين وعودة المغتربين منهم. وفيما يلي نموذج من هذه البيانات:
بسم الله الرحمن الرحيم.. أيها الشعب المغربي المسلم:
يمر المغرب بمرحلة خطيرة من تاريخه.. عرف خلالها الفقر في أبشع صوره.. والغنى في أفحش حالاته والظلم في أسوا مظاهره.. والقمع والإرهاب على الأفكار والمعتقدات.. فاغترب المجاهدون وسجن المخلصون وانتشر الرعب، وساد الفساد وانتهكت حرمات الله.
... لقد عرفت الإدارة تدهورًا لا يشبه إلا تلك الوضعية التي فتحت الأبواب للاستعمار في بداية هذا القرن، فتحلل الجهاز الإداري، وتحكمت فيه المحسوبية والرشوة والتماطل واستغلال النفوذ.. وضاعت الأمانة، وساد النفاق الاجتماعي، فنتج عن هذا انحطاط في النفوس وتحطيم للصالح العام، وتضييع لفرص الإصلاح وضعف في الإنتاج...
...إن الأيادي الخفية التي تخطط لهذا البلد تريد منه أن يبقى دائمًا سوقًا طيعة في يد المحتكرين.. فانتشرت الأفلام المائعة، وتعددت أنواع القمار والإشهار له في الصحف الوطنية وفي الإذاعة والواجهات والحافلات.. والترخيص للخمور واستيرادها، وحمايتها وتفشي البغاء والمتاجرة فيها...
..إن الأيادي الخفية التي تخطط لهذا البلد تريد منه أن يكون مرتعًا للفساد وسوقًا لقضاء النزوات البهيمية وذلك ببناء القرى السياحية لاستقبال فجار الشرق والغرب، وإقامة المواسم والمهرجانات.. تظهر فيها صورة المغرب كبلد مائع أخلاقيًا منهار اقتصاديًا متحلل اجتماعيًا...
...إن الأيادي الخفية التي تخطط لهذا البلد تريد منه أن يبقى في تبعية فكرية عمياء فبعد مرور أكثر من عشرين سنة على الاستقلال الصوري لا تزال المدارس والثانويات والجامعات تتغذى بمناهج تربوية استعمارية والسكوت عن العملية التبشيرية الهدامة وسيطرة اللغة الأجنبية على المناهج التعليمية دليل قاطع على هذه التبعية.
...إن الأيادي الخفية التي تخطط لهذا البلد تريد منه أن يبقى بعيدًا عن الإسلام.. بعيدًا عن العقيدة التي تحرك فيه وجدانًا يرفض الظلم والطغيان ويرفض الإرهاب الممنهج ويرفض أن تنتهك حرمات الله فوق الأرض وأن يعتدى على حاكميته.
إننا نستنكر بشدة:
الحملة الشرسة على الدعاة الإسلاميين ونطالب برفع الظلم عن ذويهم وفسح المجال لهم لممارسة واجبهم الإسلامي ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ﴾(آل عمران:104).
الإلحاد المتفشي في الثانويات والجامعات ومطاردة المتحجبات، والانحراف عن التعاليم الإسلامية ونطالب بتنحية الكتب المسمومة من برامج التعليم «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه..»
الدعوات الباطلة إلى الانحلال بدعوى انتعاش الاقتصاد الوطني أو التعريف بمآثر البلد متجاهلين ما يجره هذا على بلادنا من انحلال في الأخلاق وتفسخ في الأعراض ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء:16).
الحملات التجويعية ضد الشعب المغربي المسلم التي تمارسها الطغمة الفاسقة المتسلطة على ثروات الشعب المغربي المسلم وأمواله وعرق جبينه ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ (الليل8:11)
إن الحركة الإسلامية تعرف كيف تؤدي واجبها بصدق وإخلاص وجدية فهي لا تعيش على الخطب الرنانة والمقالات المدبجة والتصريحات الكاذبة والشعارات الثورية ذات الخلفيات الرجعية، وإنما تعبر عن رغبات المسلمين وعن طموحاتهم وآمالهم وآلامهم.
إننا نطالب:
الشعب المغربي المسلم أن يعلن رفضه للظلم لأن الخضوع للظلم أقبح من الظلم نفسه....
الشعب المغربي المسلم أن يتمسك بعقيدته فهي الوسيلة الوحيدة لضمان عيش رغيد في الدنيا والجزاء الأوفى في الآخرة....
بتحقيق الاستقلال الاقتصادي الذي يعتبر دعامة أساسية للاستقلال السياسي والفكري والثقافي....
تحويل مكاتب الثروات المعدنية « الفوسفات» إلى إدارة ذاتية، وتطوير هذا القطاع والعزم على تصنيعه حتى يستجيب لمتطلبات الطبقات المحرومة...
إصلاح المصارف والبنوك وتحويلها إلى مؤسسات لا ربوية يستفيد منها المسلمون كافة وتطبيق نظام الزكاة... وصرفها في مصارفها الحقيقية.
التقليل من الاستيراد وتشجيع الصناعات والكفاءات المحلية وتنمية الصناعة والزراعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي ووضع حد للبطالة....
إيقاف الاعتقالات التعسفية والاستنطاقات الوحشية والمداهمات ووضع حد للاعتقال القمعي الذي ذهب ضحيته الأستاذ العالم إبراهيم كمال منذ /٢٥ ديسمبر ١٩٧٥ هذا الاعتقال الذي يتنافى مع أبسط قواعد القانون...
ورفع الحظر عن حركة الشبيبة الإسلامية وإنصاف رئيسها الأستاذ المجاهد عبد الكريم مطيع المغترب منذ ما يزيد عن خمس سنوات. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾(البروج:10) ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(يوسف:21).
الشبيبة الإسلامية ۱۲ جمادى الثاني ١٤٠٠ هـ.
قطار الخليج... متى يسير؟!
في زيارة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى العراق طرح مشروع خط السكك الحديدية بين العراق والكويت جنوبا حتى بقية دول الخليج على بساط البحث وأبدت الدولتان قبولهما للفكرة على أن تدرس مع بقية دول الخليج.
ونحن بهذه المناسبة نذكر بأهمية الإسراع بهذا المشروع لما يعنيه من دعم لاقتصاد المنطقة وقوة ترابط شعوبها وتحقيق نظرية الأواني المستطرقة بحيث يفيض الماء من مستواه الأعلى إلى الأقل ارتفاعا حتى يتساويا. ونعني بذلك أن تنتقل أفواج الطلبة من كل مكان في المنطقة إلى جامعة الخليج المقبلة في البحرين وأن يتجه أثرياء الكويت والإمارات نحو عمان لإعمار الأراضي الزراعية واستثمار أموالهم فيها ويعني ذلك أيضا انفتاح شعوب هذه المنطقة وتعارفها كما أراد الله عز وجل من تعدد الناس وأجناسهم.
كفانا حذرًا وترددًا فإن الحدود المغلقة والاتصالات البطيئة بين أبناء هذه المنطقة قد زادت في غربتهم عن بعضهم البعض حتى صار كل منهم يرى في نفسه -جهلا- مقومات أمة منفصلة فيهدر ثرواته ويضاعف جهودا ويكرر تجارب في مسلسل من الهدر الاقتصادي والثقافي والإداري... لقد آن الأوان كي نحق «اتصال التجربة» وانتفاع بعضنا بتجارب البعض وتدفق المعلومات بشتى أشكالها بيسر وسلاسة.