; رسالة المؤسسة التربوية في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان رسالة المؤسسة التربوية في الإسلام

الكاتب الدكتور علي رسلان

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1982

مشاهدات 79

نشر في العدد 571

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 18-مايو-1982

العناية برسالة المسجد أمر ضروري وهام ولازم في المرحلة الحاضرة من حياتنا، وتزويد المساجد بعلماء أكفاء قادرين، يدرسون العلوم الدينية والشرعية ويحسنون عرض الإسلام وعلاج قضاياه في خطب الجمعة والدروس الوعظية، بما يمكنهم من أداء رسالتهم على الوجه الأكمل.. كل هذا جزء من رسالة متكاملة شاملة تعمل على تعميق الوعي الإسلامي ونشر السلوك والخلق الإسلامي، ليكون نبراسًا للناس جميعًا وهاديًا لهم في طريق حياتهم.. وقد يكون من الواجب إنشاء مراكز في الدول العربية لتطوير مناهج وطرق تدريس، ووسائل التربية الإسلامية واللغة العربية بما يعزز مكانتها ويغرس عادة الكتابة والحديث بها، وتزويد كافة المعاهد العلمية والمدارس في مختلف مراحل التعليم، بالوسائل التعليمية المناسبة التي تعين على فهم مادة التربية الإسلامية، وأن يرتبط القول بالفعل وأن يتصل الكلام بالعمل بمراعاة الشعائر الدينية في الحياة المدرسية والجامعية، وتيسير أداء فرائض الصلاة والسنن الإسلامية في أوقاتها، حتى يتعود أطفالنا وشبابنا على ممارسة الصلاة في مواعيدها، وتكون المدرسة بذلك مركز إشعاع للبيئة المحيطة، وتكون مركزًا للنور، وحتى يكون هناك تكافؤ الفرص بين الأنشطة الثقافية داخل المدرسة، بما تشمل عليه من التربية الإسلامية للأطفال والشباب، وبذلك لا تقتصر التربية الإسلامية على المادة التخصصية للتربية الدينية، بل ينبغي أن يشارك جميع المدرسين والمعلمين في استغلال موادهم وعلومهم لتحقيق أهدافها وبلوغ أغراضها.. وقد يستلزم هذا الأمر رفع المستوى العلمي لمعلمي اللغة العربية والتربية الدينية، وتعهدهم بدورات تنشيطية وتدريبية وتأهيلية في أثناء العمل والخدمة، وكذلك رفع الحوافز والتشجيع المادي والأدبي لخريجي دور ومعاهد المعلمين والمعلمات وكليات التربية، لتشجيع أصحاب المواهب للعمل في هذا الميدان.. وبالإضافة إلى كل هذا من الواجب علينا تشجيع إنشاء المدارس والدور لتحفيظ القرآن الكريم، والعناية بها من قبل الدولة والأهالي، تنشيطًا لأعمال الخير والبر ونشرًا للحافظين لكتاب الله -عز وجل-.

 ولو تضافرت الجهود داخل المدارس وخارجها: داخل المدارس بين المعلمين والطلاب، وخارجها في مراكز تحفيظ القرآن وفي المساجد.. لو تضافرت هذه الجهود في سبيل نشر الوعي ونشر الخلق الإسلامي القويم، لتغيرت حياتنا وتحسنت تربية النشء المسلم على هدى من شريعة الله هي وظيفة الآباء والمعلمين على السواء، وتعريف الأبناء والشباب بدقة ووضوح بكتاب الله وسنة رسوله وتراث السابقين الصالحين، كل هذه الأمور لا غنى عنها ونحن في بحر متلاطم من الصراعات الفكرية والنظريات الغريبة عن واقعنا.. لأن الدين الإسلامي رسم لنا طريق الحياة الصحيح، وحدد معالم صلة الإنسان بربه، وصلة الإنسان بعباد ربه، وصلة الإنسان بآيات ربه ومخلوقاته، ومصدر كل هذا السلوك هو شرع الله، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥).

 وكذلك المهارات والخبرات نأخذها من شرع الله لحاجتنا الواضحة الدائمة إلى كتاب الله في كل زمان ومكان، لأن حاجتنا ومطالبنا تتفق دائمًا مع الشريعة ولا تختلف عنها إذا كنا صادقين، ونضرب مثالًا على ذلك مهارة طالب العلم في استعمال وسائل تحصيله الأساسية كالقراءة والكتابة والاستماع والحساب، بحيث يتمكن من فهم وتدبر ما يقرأ ويسمع، وإفهام غيره ما يكتب ويقول، وتدريبه على طرق البحث والاستدلال واستقراء التاريخ، واستخدام النتائج واستعمال الأرقام في سبيل الوصول إلى النتائج التالية المترتبة على ذلك، وهذه المهارة نأخذها من قول الله الرحمن الرحيم في كتابه الكريم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ) (محمد: 24 - 25).

 نضرب مثالًا آخر عن مهارة البحث العلمي والتجريب التطبيقي، في العلوم الطبيعية والرياضيات في سبيل الوصول إلى أهداف محددة، فتزيد المعرفة بالله واليقين بأمره، والاستفادة من القوى الطبيعية التي سخرها الله لعباده.. وقد جاء ذلك كله في كتاب الله منذ خمسة عشر قرنًا مضت، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: ۱۳)، وكذلك مهارة التعلم الذاتي الشخصي المستمر بحيث لا تتوقف عملية التعليم على طرف إيجابي هو المعلم، وطرف سلبي ساكن هو التلميذ المتعلم، وعلى مكان وزمان وسن محدد، وبحيث ينطلق التعلم من قيود التنظيم البشري المعاصر، وبحيث لا ينحصر داخل جدران المدرسة ولا ينحصر في سن معينة مثل سن الطفولة والشباب، فالتعليم مستمر متصل دائم في أي وقت وفي أي زمن، لا يحده إلا قيد التقوى، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ۲۸۲)، وقوله تعالى أيضًا: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ٢٨٤).

 وقد أكد الإسلام على المهارة المهنية للتعرف على أساسيات المهنة، فلكل منا مهنة ولكل منا حرفة لها أصول وأساسيات وقواعد، يجب أن يحذقها الشخص الذي ينتمي إلى هذه المهنة، والتدريب ضروري على المهنة أو المهن بالقدر الذي يهيء للشخص الشعور بكرامة العمل والعامل، وأنه لا فرق بين عمل وعمل إلا بزيادة درجة التقوى في الوسيلة وفي الغاية.. كل منا له دوره العظيم الهام في هذه الحياة، لقد كان سيدنا بلال عبدًا حبشيًا له مكانته العظيمة، وكان صهيب الرومي له مكانته السامية- وسليمان الفارسي وعمار بن ياسر.. كل إنسان في الإسلام له مكانته السامية طالما يعمل ويكدح ويكسب قوته بشرف وأمانة ونزاهة، فكل عمل شريف وليس هناك عمل سامي وآخر عمل حقير أو وضيع، فالمجتمع في حاجة لكل الأعمال، في حاجة إلى المعرض والطبيب، في حاجة إلى العامل والمهندس والحارس والمدرس والكناس، كل له احترامه وتقديره، والمعيار الإسلامي هو التقوى والخلق الكريم والسلوك القويم، الذي يجب أن نعود عليه أبناءنا منذ نعومة أظافرهم.

كلمات مظلومة

 في هذا العصر نجد الغرائب- وما أكثرها في حياة المسلمين، إذ أصبح الظلم عامًا شاملًا للأفراد والمجتمعات والقيم والمعنويات. حتى الكلمات المنطوقة ظلمت ظلمًا فاحشًا فمجتها العقول ونفرت منها النفوس، رغم قداستها في تاريخ الحياة الإنسانية.

 فالحب والدين والحرية والعدالة والمساواة وحقوق المواطن والاستقلال والإنسانية... إلخ، هذه القيم الجميلة الرائعة كلها كلمات مظلومة محرومة من صورتها المشرفة، ضائعة بين الأهواء والرغبات الجامحة. نلو معانيها ليًا مشوهًا خبيثًا، حتى وضعت في أقبية مظلمة فلا يرى الناس جمالها، ليعيشوا حائرين في حياتهم القاسية الأليمة.

 فالحب من أسمى العواطف الإنسانية النبيلة، وبه يتخلص الإنسان من أنانيته، وبه يعطي بكل سرور ويضحي بلا ثمن، ويبذل كل جهد وطاقة، فالذين يحبون الله -تعالى- يجاهدون بكل صدق وإخلاص بلا عوض دنيوي بجانب رضوان الله عليهم. فالحب عنوان الحياة الطيبة الكريمة بعاطفة صادقة نبيلة وشعور وجداني مقدس، وسلوك إسلامي مرهف، وهو إثراء للروح والوجدان بأعظم الأحاسيس وأروعها بهاءً، وهو بذلك سر الحياة الإسلامية الحقة وروحها الفواح على القلوب، والحب في الله هو النسمة العليلة المنعشة في صحراء المتاعب والآلام والصراع المر الأليم.

 ولولا الحب لاقفرت الفضيلة من أهلها وجفت ينابيع الرحمة والمحبة، وأصبحت الدنيا محفوفة بالمخاطر، مليئة بالأشواك، مرهقة للأعصاب، وجحيمًا لا يطاق، ومللًا يهدم الإنسان، ولأصبح باطن الأرض خير من ظهرها.

 وإذا بحثت عن سر التعاسة التي تشمل الأفراد والمجتمعات والشقاء الروحي في النفس فيهم، لوجدت أن غياب الحب وانحسار أثره هو السبب الكامن وراء تلك التعاسة، فالأفراد الذين غرسوا الحسد والحقد والكراهية للآخرين أسلوبًا في حياتهم، هؤلاء فقدوا فعلًا معنى الحياة الكريمة رغم ما تدعيه من عقلانية وعلم ورخاء اقتصادي رفيع، لأن فقدهم للحب أعمى قلوبهم وسمم أفكارهم فساءوا إلى الناس وإلى أنفسهم.

 وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز معنى الحب الإيجابي المقدس في بناء الحياة المثلى، فقال تعالى: ﴿قلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31)، فحرارة الحب تدفع المؤمن للعمل والتنفيذ بكل أمر أمره.

 والمسلمون اليوم يعرفون الله ولكن حبهم للدنيا حجب عنهم محبة الله، فانقادوا إلى سفاسف من الأمور ومفاسد الحياة وضياع المروءة. ولو أحبوا الله واتبعوا شرعه لكان خيرًا لهم، ولكنهم باءوا بغضب من الله وآلوا إلى الذلة والمسكنة في حياتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية، فقدوا الحب الذي هو جمال الروح ونور الوجدان وشرف الإنسانية، فقدوا معه كل مقومات الإنسانية وقيمها الرفيعة ومكارم الأخلاق السامية، وطمست قلوبهم عن معاني الحياة، وكم يشعرون باللذة وهم عبيد المال والجاه والسلطان، وما إن تولوا أمرًا من أمر المسلمين، فلن تجد إلا الحقد والكبرياء والانتقام، فأين الحب لأبناء وطنهم؟ وأين العطف والحنان لأبناء جلدتهم؟ وأين الحب للمثل العليا لأمتهم؟ ففقدوا الحب والاستقرار والأمن فعاشت أمتنا معذبة مضطهدة مشردة.

 فمن الحب تنبع الرحمة بالإنسانية، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال رسول الله: «سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله.. رجلان تحابا في الله اجتماعا على ذلك وتفرقًا عليه» وصاحب المؤمن لإنسان إلا لقيمه السامية وشخصه المستقيم.

 وعندما أراد الاستعمار الثقافي هدم البيوت وتدمير الأسر وضياع الأجيال، أفسد معنى الحب في نفوس الشباب بين الجنسين، وأظهره شهوة عارمة وأجسادًا عارية من خلق وفضيلة، وبكل وسائل الإعلام المختلفة، جعل الحب للمظهر الخادع والشكل المائع، والخنوثة الساقطة والترف الفاجر، والمتع المرذولة بين الحدائق والشواطئ، ويخدع الشباب المسكين بهذا اللون الكاذب من الحب، ولو أنصفنا الحقيقة لقلنا هذا اللون من السقوط والانحدار في كيان الإنسان.

 والحب بين الزوجين يقوم على الثقة المتبادلة والوفاء بالتقدير والاحترام بينهما، وبذل كل ما تتطلب سعادتها من جهد وتضحية وعطاء.

محمد عبد الغني أبو شرخ 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 457

85

الثلاثاء 06-نوفمبر-1979

ولله على الناس حج البيت

نشر في العدد 702

79

الثلاثاء 29-يناير-1985

الجهد بالمال.. حكمته وسبله

نشر في العدد 1291

108

الثلاثاء 03-مارس-1998

المجتمع التربوي (1291)