; ولله على الناس حج البيت | مجلة المجتمع

العنوان ولله على الناس حج البيت

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1979

مشاهدات 85

نشر في العدد 457

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 06-نوفمبر-1979

قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ .(الحج ٢٦ – ٢٩)

منذ أكثر من شهرين ومئات الألوف من المسلمين، من مشارق الأرض ومغاربها، ومن بلاد سمعنا عنها، وبلاد لم نسمع عن أسمها أبدًا، فيهم الأسود والأصفر والأبيض، قد تركوا جميعًا الأهل والمولد والمال والبلاد ملبين أمر ربهم متجهين إلى وادٍ غير ذي زرع، إلى مكة المكرمة حيث يلتقون حول البيت طائفين وعلى عرفات واقفين، أعينهم ملأى بالدمع الذي يغسل خطاياهم وأكفهم ممدودة نحو السماء ضارعة تطلب الرحمة والمغفرة.

 تراهم شعثًا غبرًا، حفاةً عراةً، لا فرق بين أمير وحقير وغني وفقير ومكي وغير مكي وعربي وأعجمي، إنما هم مسلمون فقط، وحد الإسلام بينهم وساواهم مساواة حقيقية، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. ينطلق من أفواههم وأفئدتهم دعاء واحد، قوي جهوري يتلألأ في جوانب السماء، فتردده الكائنات «لبيك اللهم لبيك، لبيك اللهم لبيك...» فما أعظمه وأصدقه وأقواه وأجمله..

الإسلام دين التوحيد:

إنه الإسلام دين التوحيد الخالص الذي لا يؤمن بالوساطة بين العبد وربه، ولا يقر أي محسوس مشهود يركز الإنسان عليه فكره ويعظمه لذاته المجردة. وذلك لأنه لا وسائط ولا مظاهر ولا صور ولا أصنام ولا كهان في الإسلام.

 يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ (البقرة:186)

ومع ذلك فان الفطرة البشرية هي  الفطرة البشرية، فالإنسان ما زال- ولا يزال - باحثا عن شيء يراه بينه فيوجه إليه أشواقه ويقضي به حنينه ويشبع به رغبته الملحة في التعظيم والدنو.

لذلك اختار الله تعالى -والله أعلم- أمورًا ظاهرة محسوسة ولكنها اختصت به ونسبت إليه وتجلت عليها رحمته وخصها عنايته، بحيث إذا رؤيت ذكر الله تعالى وارتبط بها وقائع وحوادث وأفعال وأحوال تذكر بأيام الله تعالى وآلائه ودينه وتوحيده وحسن بلاء أنبيائه، وسماها الله تعالى «شعائر الله» وجعل تعظيمها تعظيمًا له، والتفريط في جنبها تفريطًا في جنبه، وأذن للناس أن يقضوا بها حنينهم الكامن في نفوسهم، ورغبتهم الفطرية في الدنو والمشاهدة، بل حث تعالى على ذلك فقال جل وعلا: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ (الحج:30 )

الحج تعبير عن حب الله تعالى:

وقد فطن حجة الإسلام الغزالي -رحمه الله تعالى- لذلك بفقهه الدقيق لأسرار التشريع، وعرف أن الشوق غريزة في الإنسان السليم وحاجة من حاجاته، وأن البيت العتيق وما حوله من شعائر الله تعالى، والحج وما فيه من مناسك خير ما يحقق رغبته ويسلي حنانه وعاطفته، فقال رحمه الله تعالى: «فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة، هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة، والبيت مضاف إلى الله عز وجل، فبالحري أن يشتاق لمجرد هذه الإضافة، فضلًا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل».

حقيقة الحج إيمان بالله وأمتثال له:

إن حقيقة الحج وروحه هي الإيمان المطلق بالله تعالى، والامتثال التام لأوامره ونواهيه امتثالًا  لا يعرف التردد وإنما امتثال المطمئن الموقف المؤمن المستسلم الذي لا يهمه إلا أن ينفذ ما أمر به، وأن ينال رضا الله تعالى على ذلك، سواء عرف مقصده أو سببه أم لم يعرف، دون أن يكون للنفس في ذلك حظ أو للعقل قدرة على الاهتداء إلى معاني ذلك، فليس في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد والامتثال الخالص.

وبهذا يكون الإيمان الحق بالله تعالى والطاعة الخالصة له، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم: لبيك بحجة حقًا، تعبدًا ورقًا. 

من منافع الحج :

يقول الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (الحج: 27- 28)إن منافع الحج كثيرة نعرف بعضها ونجهل أكثرها. ولن نستطيع هنا أن نلم إلا ببعض مما نعلم من هذه المنافع العظيمة.

فالإنسان عندما يرى الكعبة المشرفة والمشاعر الحرام تصفو روحه ويشعر بقربه من الله تعالى، ويكتسب قوة روحية عظيمة بما يستشعر من ذكريات وأطياف في كل مكان من هذه الأمكنة الخالدة. هذه القوة التي تعطيه شحنة إيمانية إيجابية تساعده في مقارعة الكفر والتصدي لأعداء الإسلام ودحرهم خاسرين.

والإنسان مهما اكتسب من علم ومعرفة وقوة وغير ذلك يبقى بحاجة ماسة إلى هذه القوة الروحية الخارقة التي يفيض بها الله تعالى على عباده المخلصين وبخاصة في الحج. وجميعنا يعلم سر القوة الروحية في صبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضوان الله عليهم- وفي انتصاراتهم الخالدة على أعدائهم الكثر الذين كانوا يتفوقون عليهم بالعدد والعدة وفي كل شيء، إلا في هذه الناحية التي كانت تحيل ضعف المسلمين إلى قوة وجبروت واستعلاء، بينما تميل قوة أعدائهم إلى خور وضعف وجبن. 

وفضلا عن ذلك فكم يشعر الإنسان بالسعادة العظمى عندما يزيح الله تعالى عن كاهله تلك الذنوب الكبيرة الكثيرة التي كان ينوء بحملها عبر رحلة العمر الطويلة، ويعيده نقيًا من ذنوبه كيوم ولدته أمه ولم يبق أمام هذا الحاج إلا أن يكمل نقاءه فيطلب السماح ممن أساء إليهم من البشر ويعيد إليهم حقوقهم التي تطاول عليها في سباق حياته.

 وبهذا تتم عملية الإنخلاع عن الذنوب بنوعيها المتصل بالله تعالى والمتصل بالعباد، فيحقق الإنسان ذاته ويشعر بسموه وبقدرته على حمل الأمانة فينطلق في ميادين الدعوة إلى الله تعالى بلا جواذب ولا ضواغط، ولا تلكؤ ولا تعثر، وإنما أقدام راسخة وخطوات ثابتة وقلب معلق بالسماء وروح متصلة بالإله ونفس تبغي جنان الخلد ورضوان الله تعالى.

وهكذا يستريح الإنسان من تبكيت الضمير الذي يخزه ويؤلمه طالما بقي مذنبًا وطالما بقي هذا الضمير حيًّا، والويل للإنسان في الحالتين حالة وخز ضميره الحي، وحالة موت ضميره، ففي الأولى يكون سجين عقدة الذنب والألم والضيق والبؤس وفي الثانية يستوي مع وحوش الغاب فما فائدة إنسان بلا وازع أو رادع.

وبالإضافة إلى ذلك فإن المسلمين يجدون في الحج قوتهم الحقيقية على عظمتها وحقيقتها قائمة على أساس متين من الدين والمثل بعد أن تجاوزوا حواجز اللون والجنس واللغة، وتغلبوا على الأطر القومية والوطنية الضيقة التي تقسمهم شيعًا وأحزابًا فأصبحوا أمة واحدة كبيرة اجتمعت على دين الله واعتصمت بحبله المتين وأنها إن سارت على هذا الصراط المستقيم نحو أي هدف مهما صعب فلا بد إلا وأنها سوف تصل إليه بإذن الله تعالى.

 وفي الحج أيضًا يمكن للمسلمين أن يتشاوروا فيما بينهم في مشكلاتهم المختلفة، وما أكثرها، وكم هناك من المسلمين يجتاحهم الظلم ويفتك بهم فتكًا ذريعًا في كثير من مناطق المعالم ويسلبهم ديارهم وممتلكاتهم، ويعتدي على أعراضهم ويزهق أرواحهم ويقذف بهم في غياهب السجون وأقبية التعذيب، حتى أن لجنة حقوق الإنسان الدولية اضطرت أن تخرج عن صمتها المعتاد عندما يكون المظلومون من المسلمين وأن تعلن استنكارها لذلك بينما لم تزل جميع الدول الإسلامية غارقة في صمت مطبق، بل وبعضها تمد يديها نحو جزاري المسلمين وقاتليهم.

 إن تشاور المسلمين حول مشكلاتهم وتشخيص أسبابها ووضع طرق العلاج الكافية للقضاء عليها من جذورها قضاءً مبرمًا بعد معرفة الأصدقاء الحقيقيين والأعداء الحقيقيين.. إن هذا واجب حصوله في موسم الحج وإلا فمتى يكون هذا؟ ومن يقوم به، وقد اتفق الجميع على القضاء على الإسلام والمسلمين. 

والحج بعد ذلك مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة يجدون فيه أصلهم العريق وجذورهم العميقة الضاربة في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام﴿ملَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ (الحج:78 )ويجدون محورهم الذي يتوجهون إليه في كل صلاة ويشدهم إليه جميعًا، ويجدون رايتهم التي يضيئون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس وغرها.

 هذا، وغيره كثير كثير يمكن أن يكون في الحج، بل يجب أن يكون ويتم بنظام وصدق وجدية حتى يكون المسلمون مسلمين حقيقيين، ويكون الحج حجًا حقيقيًا -كما أراده الله تعالى- يؤدي دوره كاملًا في حياة المسلمين وعلى أتم وجه. وإلا كان ما لا تحمد عقباه والعياذ بالله.

الرابط المختصر :