; ردًا على محمد بغدادباي - هل مازالت أمتنا حاضرة فاعلة؟ | مجلة المجتمع

العنوان ردًا على محمد بغدادباي - هل مازالت أمتنا حاضرة فاعلة؟

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1306

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 30-يونيو-1998

هناك فارق بين أزمات الوجود والأمراض.. الأولى تنهي الكيان الاجتماعي، أما الثانية فيمكن معالجتها بالعودى إلى مرجعية الأمة.

الاقتصار على مضمون المقال من جهة، وعدم تقويل الكاتب أشياء لم يقلها من جهة ثانية، أمران مهمان في أي حوار، لكننا نجد السيد محمد بغدادباي في رده «المجتمع ۱۲۹۹ و۱۳۰۰» على مقال سابق لي في «المجتمع ١٢٦٢» يقولني أشياء لم أقلها، ولم يُناقش بشكل دقيق ما عرضته بالنسبة لمالك بن نبي وإنما طرح أشياء أخرى، ولنبدأ بالقضية الأولى.

لم أرفض أي تقسيم لتاريخنا، ولم أقل إن تاريخ أمتنا خط مستقيم، بل إنني من الداعين إلى الدراسة المعمقة لتاريخنا، وإلى فرزه وتقسيمه إلى مراحل في أكثر من موضوع من كتاباتي، ويدل على ذلك أنني أثنيت على كتاب الخلافة والملك، لأبي الأعلى المودودي -رحمه الله- الذي استشف مرحلتين متميزتين في تاريخنا، هما: مرحلة الخلافة ومرحلة الملك، وأعطى مواصفات دقيقة لكل مرحلة[1]، وقد نجح تحليله لأنه استهدى بحديث الرسول ﷺ الذي قال فيه: «إن أول دينكم نبوة ورحمة وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل وعلا، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل وعلا، ثم يكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله -جل وعلا-، ثم يكون ملكًا جبريًا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله -جل وعلا- ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض ويرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبته مدرارًا ولا تدع الأرض من نباتها وبركتها شيئًا إلا أخرجته»، رواه أحمد في مسنده، وتمنيت عليه لو أنه أفرز الكلام عن مراحل أخرى ذكرها الحديث الشريف وهي الملك العاض والملك الجبري، إذن أنا مع الدراسة المعمقة لتاريخنا ومع تقسيم التاريخ إلى مراحل ومع تحديد مواصفات كل مرحلة من أجل الاستفادة من هذه الدراسة والتقسيم والفرز لربط الماضي مع الحاضر من أجل بناء المستقبل، لكنني أرفض إسقاط مقولتي عصر الانحطاط وعصر النهضة، على تاريخنا لأنهما مقولتان خاصتان بالتاريخ الأوروبي، وإن إسقاطهما على تاريخنا سيحمل تضليلًا علميًا، وتزييفًا للحقائق[2].

فأمتنا لم تعرف أزمة بين الدين والعلم، ولم تعرف طبقة الكهنوت، ولم تعرف خرافات الكنيسة، ولم تعرف صكوك الغفران، إن أمتنا لم تعرف أزمات في وجودها وكيانها، لأن الإسلام دين الفطرة الذي يلبي كل حاجاتها، إنما عرفت أمراضًا أضعفتها كالبدع، والغفلة، ورواج العصبية في بعض الأماكن وانتشار الأهواء والشهوات في بعض الأزمان إلخ... وكان العلماء يتصدون لهذه الأمراض ويعالجونها، ويبقى الأمر في سجال مستمر، هناك فارق بين أزمات الوجود والأمراض، فأزمات الوجود تنهي الكيان الاجتماعي السابق، وتولد كيانًا اجتماعيًا جديدًا يختلف اختلافًا نوعيًا عن الكيان السابق في بنائه الفكري والثقافي والديني إلخ... أما الأمراض فيمكن معالجتها بالعودة إلى مرجعية الأمة القرآن والسنة في حالتنا نحن المسلمين، لتستمر الأمة في وجودها وعطائها الحضاري. 

إذن لماذا نقل بعض الدارسين مصطلح الانحطاط والنهضة إلى تاريخنا؟ فعلوا ذلك من أجل إيصالنا إلى النتائج التي انتهت إليها أوروبا وتطبيق الإصلاحات التي قامت بها وهي إقصاء الدين عن شؤون الحياة، والإيمان بالمادة والمحسوس، والكفر بكل ما هو روح وغيب وترسيخ الأخذ بقاعدة نسبية الحقيقة والابتعاد عن الأخذ بقاعدة أن هناك حقائق ثابتة مطلقة إلخ... معتبرين أن الأخذ بهذه الخطوات هو المدخل إلى الحضارة.

لقد قولني السيد محمد بغدادباي مقولة أخرى لم أقلها هي تحميلي المستعمر أسباب تعاستنا على الإطلاق، ولقد كان الحديث عن ظواهر محددة تعرض لها مالك بن نبي في زمن خاص هذه الظواهر المحددة هي: البطالة والجهل وانحطاط الأخلاق وشيوع الرذيلة، ومحارية الفضيلة وتفرق المجتمع وتشتته، وانتشار الذوق القبيح، تلك الظواهر، والزمن الخاص الذي صار الحديث فيه عن تلك هي الظواهر ليس قبل دخول المستعمر الفرنسي للجزائر حتى نقول إنها ظواهر ذاتية أفرزها مجتمعنا، ولكن الحديث عنها في سنة ١٩٤٧م، سنة تأليف كتاب «شروط النهضة»، أي بعد أكثر من مائة سنة من دخول المستعمر الفرنسي إلى الجزائر، وقد كان سؤالي عن دور الاستعمار الفرنسي في توليد تلك الظواهر لا من أجل تبرئة أنفسنا واتهام المستعمر، ولكن من أجل تكوين وعي سليم لما يحيط بنا ويجري حولنا، لأن الوعي الزائف يقود إلى حركة خاطئة، وإن الوعي الصحيح يقود إلى حركة صحيحة وسليمة في اتجاه معالجة الواقع، والآن لو عدنا إلى تلك الظواهر وأخذناها واحدة تلو الأخرى، وحللناها، فما نصيب الاستعمار في توليدها بالصورة التي انتهت إليه في منتصف القرن العشرين؟

ظاهرة البطالة

استعمرت فرنسا الجزائر عام ۱۸۳۰م، واعتبرتها «فرنسا ما وراء البحار»، فاقتلعت الجزائريين من أراضيهم وأحلت مكانهم الفرنسيين، ورسمت المخططات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية لتحويلها إلى أرض فرنسية، فعندما تكون هناك بطالة عند الجزائريين في منتصف القرن العشرين، أليس هناك دور للاستعمار الفرنسي في توليد ظاهرة البطالة؟! ما حجم هذا الدور؟

ظاهرة الجهل

عندما دخل المستعمر الفرنسي الجزائر كان الشعب الجزائري اكثر تعليمًا من الشعب الفرنسي، وكانت نسبة الأمية في الجزائر أقل منها في فرنسا وكان هذا الوضع ناتجًا من وجود أوقاف غنية تُغطي ثلث مدينة الجزائر ووجود كتاتيب ومدارس ذات مستويات مختلفة فماذا فعل الاستعمار الفرنسي؟ استولى على الأوقاف، وحارب المدارس والكتاتيب ودمرها بشكل نهائي، ولكنه اضطر بعد فترة من الزمن إلى السماح بجزء يسير منها من أجل إيجاد طبقة من المتعلمين تكون صلة بينه وبين الشعب الجزائري كي يستطيع حكمه، ثم ماذا كان وضع الجزائر عشية الاستقلال؟ لقد أصبحت الثقافة الفرنسية ولغتها هي السائدة في الجزائر، لذلك كانت أولى مهام حكومات الاستقلال تعريب الثقافة وإعادة الشعب الجزائري إلى لغته الأصلية، وهذا ما عاناه مالك بن نبي ذاته عندما كتب بالفرنسية، ثم تعلم العربية وكتب بها هذه الظاهرة في منتصف القرن العشرين: الجهل والتجهيل، واقتلاع الشعب الجزائري من جذوره الثقافية، وغرس الثقافة الفرنسية، أليس هناك دور للاستعمار الفرنسي في توليد هذه الظاهرة؟ ما حجم هذا الدور؟ 

وقل الشيء نفسه بالنسبة لبقية الظواهر انحطاط الأخلاق، وشيوع الرذيلة، ومحاربة الفضيلة، وتفرق المجتمع، أليس هناك دور للاستعمار الفرنسي في توليد هذه الظواهر؟ وما حجم هذا الدور؟ أليست هذه أسئلة مشروعة؟

إن البحث العلمي والموضوعي يقتضي أن يحدد مالك بن نبي دور كل طرف في وجود تلك الظواهر: دور الشعب الجزائري ودور الاستعمار الفرنسي، لكي نشيد وعيًا بأسباب تلك الظواهر، يؤدي إلى ممارسة سليمة من أجل استئصالها، وما أظن كلام السيد بغدادباي في صدد الحديث عن الموضوع السابق يقدم إجابة عن تساؤلي السابق عندما يشير إلى حديث مالك بن نبي عن العامل الاستعماري مقابل القابلية للاستعمار لأن مالك بن نبي انتقل من العموم إلى الخصوص، انتقل من الحديث عن المستعمرين والمستعمرين بشكل عام إلى ظواهر خاصة تتعلق بالمستعمرين وهذا الخصوص يقتضي كلامًا خاصًا في تحليله وتعيين أسبابه. 

أما بالنسبة لقضية القابلية للاستعمار فهي النقطة التي عرضها السيد بغدادباي حسب ما طرحه مالك بن نبي، ولقد كانت ملاحظتي على مالك بن نبي ربطه بينها وبين مصطلح الانحطاط الذي وضحت معناه في السطور السابقة، وكان مالك بن نبي عند حديثه عن القابلية للاستعمار ميز بين صورتين من الاحتلال بين بلد مغزو محتل وبين بلد مستعمر، واعتبر القابلية للاستعمار مرتبطة بالحالة الثانية، وكنت أريده أن يعتبر احتلال بلادنا من الصورة الأولى، لأن احتلال بلادنا كان نتيجة هزيمة عسكرية، وهذا ما حدث سابقًا عندما اكتسح المغول شرقي الخلافة واحتلوا بغداد، ثم أوقفهم المماليك، لماذا وقعت الهزائم؟ هل وقعت لأن المغول أرقى حضاريًا أم أنها وقعت لأنهم كانوا أقوي عسكريًا؟، وقعت الهزيمة لأن المغول كانوا أقوى عسكريًا، وليسوا أرقى حضاريًا بدليل أنهم تأثروا بالإسلام، ودخل بعضهم الإسلام واستفادوا من الحضارة الإسلامية، وكذلك الحروب الصليبية، فقد احتل الصليبيون قسمًا كبيرًا من ساحل الشام والجزيرة ومدنًا متعددة في لبنان وسورية وفلسطين والجزيرة ومصر، واستمروا محتلين لبلادنا ما يقرب من مائتي عام، كانت هذه هزائم عسكرية فقط بدليل أن تلك الحروب كانت أحد العوامل التي فجرت النهضة عندهم، وولدت المذهب البروتستانتي الذي تأثر بالمسلمين في صورة العبادة وفي المسؤولية الفردية، وفي عدم احتكار فهم النص من قبل شخص أو طبقة.

الخلاصة

يجب أن تكون نظرتنا علمية وموضوعية ومتوازنة إلى واقع أمتنا، فلا ننظر النظرة السوداء ولا نبالغ في جلد الذات من جهة، ولا نغالي في تسطيح الأمور وتبسيطها من جهة ثانية، فالوقائع تشير إلى أن أمتنا ككيان ديني واجتماعي وثقافي وفكري مازالت موجودة بكل المقاييس التي تعرف الأمة، وما زالت تملك جانبًا من الحيوية تتجلى بمظاهر متعددة، ولم تعرف امتنا انحطاطًا يوجب موتها ثم صياغتها صياغة جديدة، لأنها لم تعرف أزمات في وجودها بفضل الإسلام الذي يلبي حاجات الفطرة، إنما عرفت أمراضًا تقتضي معالجتها بالعودة إلى مرجعية الأمة القرآن والسنة.

الهوامش

[1] انظر كتابي «أبو الأعلى المودودي فكره ومنهجه في التغيير» الفصل الخامس: مسيرة الأمة في فكر أبي الأعلى المودودي فقرة «الخلافة والملك» ص 150.

[2] لقد عانينا كثيرًا من نقل المصطلحات الأوروبية إلى شؤوننا الفكرية والثقافية والسياسية والأدبية والاجتماعية.... إلخ. وسأعطي في المجال الأدبي مثالًا آخر على مدى التضليل الذي سيلحقه نقل المصطلحات بشخصيتنا وكياننا، فقد عرف تاريخ أوروبا الأدبي مدارس أدبية خاصة به وهي: المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الرومانسية، والمدرسة الرمزية والمدرسة الواقعية والمدرسة الواقعية الإشراكية... إلخ. فحاول المقلدون تصنيف تاريخنا الأدبي ضمن تلك المدارس ولما كانت مسيرته مختلفة تمامًا حاول استنبات مدارس تطابق تلك المصطلحات، وقد أدى ذلك إلى مسخ وتشويه كبيرين إلى أن قيض الله الدكتور شوقي ضيف الذي انطلق من تراثنا الأدبي وصنفه ضمن مدارس أخرى مناسبة له، وهي: مدرسة الصنعة، ومدرسة التصنع، ومدرسة التصنيع.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل