العنوان بركان العنصرية يجتاح أمريكا
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992
مشاهدات 82
نشر في العدد 1000
نشر في الصفحة 28
الأحد 10-مايو-1992
· هناك قنابل موقوتة أخرى غير السود في المجتمع الأمريكي لعرقيات
مختلفة تشعر بالظلم والاضطهاد.
انشغل العالم فجأة بالانفجار العنصري المدمر الذي بدأ
في لوس أنجلوس إثر صدور حكم ببراءة ضباط الشرطة البيض الأربعة الذين انهالوا
بالضرب على السائق الأسود «رودني كينج» في مشهد مروع صوره -لسوء حظهم- أحد المارة،
وعرضته محطات التلفاز مرارًا، وهذه الواقعة في حد ذاتها -سواء تصورناها واقعة
اعتداء ظالم على أحد المواطنين أو واقعة انحراف قضائي- لم تكن لتؤدي إلى هذا
الانفجار، وينتشر شررها وخطرها على هذا النحو الذي أسفر عن خسائر فادحة بشرية
ومادية: 51 قتيلًا، نحو 2000 جريح، وأكثر من 6000 معتقل، وخسائر مادية تمثلت في
تدمير 3700 مبنى في لوس أنجلوس وحدها، ونحو 500 مليون دولار حتى الآن، ووصل الحال
من التردي إلى نشر 20000 من رجال الشرطة والجيش والحرس الوطني.
جذور القضية
إن للقضية جذورًا عميقة وقديمة في بنيان المجتمع
الأمريكي العجيب التركيب من فسيفساء عرقية تعاني مجموعة كبيرة من العقد والحساسيات
وعوامل الضعف رغم الغطاء البراق والمبالغ فيه من الاستقرار السياسي والاجتماعي
وقوانين الحرية والمساواة. وقد تدفقت وجهات النظر المتباينة تنبش عن الأسباب
الكامنة وراء هذا الانفجار العنصري للسود الذي دل على هشاشة الكيان الاجتماعي
الأمريكي على الأقل بالقياس إلى ما كان شائعًا أو مسلمًا به عند الكثيرين. وبدأ
التشكيك القوي في صلاحية دولة بنيانها على هذا النحو القابل للانهيار -ولو على
المدى البعيد عند المتفائلين- أن تمسك بقيادة العالم وتحقق لشعوبه -كما تدعي-
أمنًا وسلامًا وشرعية وهي -على ما بدا- عاجزة عن أن تحقق لشعبها الأمن الداخلي
والسلام الاجتماعي ومصداقية مقولاتها الوردية عن بسط رداء الشرعية والعدالة للعالم
كله. بعض التحليلات تشير إلى الخلل في النظام القضائي الذي حرص على ألا تضم هيئة
المحلفين في قضية رودني كينج أي عضو أسود بحجة واهية أن السود قد يتأثرون في حكمهم
بتعاطفهم عرقيًا مع الضحية وضد الضباط البيض.
كما حرص على نقل المحاكمة إلى ضاحية كل سكانها
تقريبًا من البيض -98.5%، أشارت تحليلات أخرى إلى العامل الاقتصادي الذي ينظر إلى
الظروف الصعبة التي تلف السود من شيوع البطالة والمخدرات والتفكك الأسري واقتناء
الأسلحة والجريمة، وغيرها، وكلها قنابل موقوتة وتوترات تتراكم مع الزمن وتتزايد
حرارتها حين يتعاقب الرؤساء ويسعون إلى كسب أصوات السود في الانتخابات برفع شعارات
أو حتى طرح برامج تداعب آمال المظلومين، لكنها لا تتمخض عن حل جذري لمشكلتهم
المزمنة، فلا يملكون إلا أن يتجرعوا آمالهم المحطمة حتى تأتي القشة التي تقصم ظهر
البعير فينفجرون كما حدث مؤخرًا، بعد أن أجلت المسكنات الاقتصادية ذلك الانفجار
عدة عقود.
التمييز العنصري
وهناك من يذهب -بحق- إلى أن أس البلاء يكمن في
الخلفية الأليمة لوجود السود في أمريكا والتي بدأت بجلب أسلافهم عبيدًا اختطفهم
المغامرون من الأوروبيين أبناء الحضارة الغربية ملوكًا ودهماء -يموت منهم من يموت
في الطريق فيستريح، ويصل الباقون ليساموا ما هو أشد إيلامًا من الموت، واستمرت تلك
الحال عبر القرون 17 و18 وإلى أن صدرت وثيقة إعلان تحرير العبيد عام 1865، ولكن
مرحلة ما بعد إعلان الحرية كانت أشد وأقسى، فالسود صاروا أحرارًا بحكم القانون،
«أما في الواقع العملي فقد طوقهم المجتمع الأمريكي بقوانين وأعراف كان كل منها
أكثر اضطهادًا لهم من الآخر، فاستبدل بالرق التمييز العنصري. وهكذا عاش الزنوج بعد
تحررهم حياة مليئة بالبؤس والمحن والاضطهاد. ولم يتح لهم البيض فرصة التحرر الكامل
من الرق على الرغم مما أراقوا من دمائهم في ساحات الحروب ونالوا من أمجاد في ساحات
الرياضة. ظلوا مطوقين باسم التمييز العنصري بكثير من ظواهره المهينة التي يخجل
منها الضمير الإنساني» «د. عبد السلام الترمانيني، الرق ماضيه وحاضره عالم المعرفة
الكويت 1979، ص 211-219» ورغم القوانين التي صدرت بعد ذلك في فترات متتابعة
للتخفيف من التمييز العنصري أو للقضاء عليه، فما زالت الفجوة قائمة بين ما في
الأوراق وما في الواقع. وإن خفت التفرقة في بعض المواقع أو في بعض الأحوال، فإنها قائمة
في مجالات وأحوال أخرى خاصة في المجالين الاقتصادي والسياسي. ويبدو أن هناك جذورًا
في تكوين الشخصية الأوروبية تحول دون قبول الكثيرين من أبنائها لفكرة المساواة
الحقيقية بين الناس من مختلف الألوان والأجناس، فشعوب العالم طبقات والأنغلوساكسون
هم الطبقة العليا والأفارقة هم الطبقة السفلى. وفي الداخل أيضًا. طبقات عرقية
الساكسون هم الطبقة العليا والأفارقة «الأقلية السوداء» هم الطبقة الدنيا. وبرز
التمييز أكثر ما يكون في الولايات المتحدة. «وليد نويهض الحياة 4/5/1992» وقد
اعترف بهذه الظاهرة كثيرون من مفكري الغرب أنفسهم، وبعضهم من البيض يقول أرنولد
توينبي المؤرخ الشهير: «إن أبرز الكفاءات التي تسهل لك السبل في المجتمع
البروتستانتي «الأمريكي» هي لون البشرة.
فإذا قدر لك أن تكون ملونًا فستكون شخصًا غير مرغوب
فيه مهما توفر لديك من ملكات عقلية أو مذهبية. «د.ج. إريك لنكولن المسلمون الزنوج
في أمريكا ترجمة عمر الديراوي، ص 12». وتقول الدكتورة حنة هيوجمان المساعدة
الإدارية لرئيس بلدية نيويورك «واجذر». «لا سبيل أمامك للنجاح إلا إذا كنت أبيض
البشرة، أزرق العينين، أشقر الشعر، ولست أدري لماذا أجد البيض منغلقين على أنفسهم
بخصوص هذه المسألة؟». «المصدر السابق، ص 14». وكم سمع السود، وغيرهم من الملونين،
وعودًا وآمالًا بعد أمثال هذه الاضطرابات في السابق خاصة إذا تزامنت مع موسم
انتخابات قريب كما هي هذه المرة، لكن مصيرها غالبًا هو النسيان الذي يضاعف مشاعر
الإحباط، فالرئيس جونسون ترك برنامجًا طموحًا استمده من دروس الاضطرابات العنصرية
في عهده.
ولم يكن هذا البرنامج قد حقق أهدافه عندما جاء رونالد
ريغان. فضغط الفرامل ناسفًا معظم ما كسبته الفئات البائسة في الولايات المتحدة
وأوقف الكثير من المساعدات التي تقدمها الدولة لهذه الفئات خصوصًا في مجال التربية
والصحة وفرص العمل «عبد الوهاب بدرخان الحياة 4/5/1992، ص 13» فكانت النتيجة: «أن
الهوة بين الأغنياء والفقراء، والتي كانت تزداد عمقًا خلال عقد من الحكم الجمهوري
في البيت الأبيض، وكذلك خسارة أمريكا لقاعدة التصنيع قد نشرتا فقرًا لا يرحم».
بنجامين هوكس المدير التنفيذي للجمعية الوطنية لتقدم الملونين الخليج 3/5/92، ص،
نقلًا عن رويتر.
وإذا كانت
مشكلة العنصرية تبدو الآن حادة في الولايات المتحدة، ومن الممكن أن تحتويها
الإدارة الحالية فتهدأ الأمور إلى حين، فإن جوهرها يبقى قائمًا لأن العلاج الجذري
غير ممكن في ظل التركيبة الفكرية والنفسية والاجتماعية والموروثات التاريخية للبيض
الحاكمين في أمريكا. ومن السهل أن تتفجر مرات أخرى، وربما بشكل أعنف مستقبلًا، فجو
الحرية والديمقراطية الذي يفترض أنه -حسب القوانين- ملك للجميع بغض النظر عن الجنس
والعرف والدين، لا يسمح للفئات المظلومة في الواقع أن ترضى طويلًا بالظلم أو تسكت
عليه.
أقليات عرقية أخرى
وإذا كانت الفورة الحالية جاءت من السود الحادثة
إصابتهم، فهناك أقليات عرقية ودينية عديدة يصيبها جزء من الظلم وإن يكن أقل مما
يقع على السود، فهؤلاء أيضًا قنابل موقوتة وإن تكن لمدد أطول. وإذا كانت أمريكا
الآن هي مسرح الأحداث الساخنة، فإن غيرها من دول الغرب على جانبي الأطلسي باتت
تخشى أن يصيبها ما أصاب الولايات المتحدة. ففي فرنسا حذر وزير سابق «جان بوبيرين»
من «أعمال عنف مماثلة في فرنسا ما لم تعالج اللامساواة المتزايدة بين الأغنياء
والفقراء في البلاد، وقال: إننا نهبط على نفس المنحدر». «الوطن 5/5/1992»، وقبل
يومين حذر «بريان مالروني»، رئيس وزراء كندا من احتمال اندلاع موجات من الاشتباكات
العنصرية في كندا «الخليج 3/5/92، وقد وقع ذلك بالفعل يوم 5/5/92» في تورنتو أكبر
المدن الكندية.
شكوك في النموذج الأمريكي
والأمر اللافت للنظر أن أحداث العنف العنصري في
أمريكا قد أطلقت الكثير من الأقلام والألسن لتكشف عن شكوكها القوية في مثالية
النموذج الأمريكي الحضاري وصلاحيته للاحتذاء، وفي القيادة التي كيل لها المديح بلا
حساب أثناء عملية تحرير الكويت وبعدها. ويبدو أن تلك الأمديحات كانت في الحقيقة
تنفيسًا عن مرارات الظلم الذي أصاب الكويت نتيجة الغزو البربري العفلقي الأثيم،
فلما هدأت النفوس وخف أثر ذلك الظلم، وانكشفت عورات المجتمع الأمريكي وإدارته غلبت
الحقائق المجاملات، وحق للعقلاء أن يقولوا: «من مصلحة جميع المعنيين بمصائرهم
ومصائر أوطانهم وكياناتهم في هذا العالم الذي تحرسه أمريكا، أن يفتحوا أعينهم
جيدًا ويحدقوا بإمعان في الصور والمشاهد القادمة من لوس أنجلوس وغيرها من المدن الأميركية،
وليسألوا أنفسهم بلا مواربة: هل هذه «القوة» التي تنطوي على هذا القدر من التوتر
الداخلي والتمزق الذاتي والتمييز العنصري والانحياز القضائي قادرة على حمايتهم
وحماية عالمهم؟ وإلى متى؟ «الأستاذ محمد جابر الأنصاري، الحياة 5/5/92 ص 13»
ونقول، في يقين لا ريب فيه، إن ما حدث في الولايات المتحدة أو في غيرها من بلاد
العالم. وما يمكن أن يحدث مستقبلًا. إنما هو نتيجة حتمية للإعراض عن منهج الحق
الأصيل القائل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي
عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41) ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا
يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنْكًا﴾ (طه: 123-124). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13).