; رحيل رجل .. أم نهاية عهد؟ | مجلة المجتمع

العنوان رحيل رجل .. أم نهاية عهد؟

الكاتب بو شيخ عبد الحاكم

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999

مشاهدات 80

نشر في العدد 1377

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 23-نوفمبر-1999

شغل إدريس البصري - وزير الداخلية المغربي المقال - الرأي العام، وطبع بشخصيته الأحداث السياسية في المغرب المعاصر مدة عشرين عامًا.

لم يكن البصري من الشخصيات السياسية الكثيرة التي مرت بالمغرب، بل كان طرازًا من نوع خاص، ورجلاً من العيار الثقيل، إلى أن تحول إلى أسطورة سياسية يفسرها كل شيء، ونسجت حوله النكات السياسية المرة والساخرة والمضحكة على السواء، وكان الكثيرون يعتبرونه - سرًا أو علنًا مفتاح كل حدث سياسي في البلاد.

كان البصري في مرحلة معينة من تاريخ المغرب المعاصر رجل المهمات الصعبة بالفعل، كما كان أيضًا رجل القضايا الخطيرة والمهام الدنيئة، وكان يثير جدلاً واسعًا في الساحة السياسية المغربية خصوصًا عندما ظهرت الرغبة الملكية في عهد الحسن الثاني عام ١٩٩٤م في إحداث تناوب حكومي تقوده أحزاب المعارضة التقليدية التي قضت أكثر من ثلاثين عامًا خارج العمل الحكومي، حيث رفضت قيادات هذه الأحزاب دخول الحكومة مع احتفاظ البصري بمسؤوليته كوزير للدولة في الداخلية، وفاجأ الحسن الجميع ببلاغ للقصر الملكي في يناير ۱۹۹٥م يعلن فيه للرأي العام تشبثه بالبصري، وفشل التناوب الحكومي، فكان هذا التمسك من طرف الملك بالبصري، تعبيرًا عن وزن الرجل ودوره في دواليب الحكم والسلطة، وأنه يتمتع بالحماية الخاصة بالملك، وأقرب الناس إليه، ولم يمنع وجوده في مارس ۱۹۹۸م المعارضة من المشاركة في حكومة سميت بحكومة التناوب، حيث قبلت الدخول مع البصري في شراكة اعتبرها الكثيرون شراكة على مضض.

بقي البصري حاضرًا بظله حتى داخل الحكومة من أربعين وزيرًا كلهم تقريبًا من أحزاب المعارضة، وأطلقت على الحكومة أسماء متعددة بسبب هذا الحضور الشخصي للبصري، من مثل «حكومة برأسين» و«حكومة ناقصة»، وبدأت قيادات الأحزاب المشاركة - بما في ذلك الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي - يتحدثون عن جيوب مقاومة التغيير داخل الحكومة، وعراقيل موضوعة أمام حركتها، ولم يفت الملاحظين أن يفهموا أن المقصود بذلك هو البصري نفسه، ورغم أن اليوسفي ووزراء آخرين كانوا يجيبون عن الأسئلة الصحافية الموجهة إليهم حول البصري بألا وجود لحكومة برأسين، وأن العلاقة مع البصري هي كالعلاقة مع باقي الوزراء، إلا أن الكثيرين ظلوا يؤكدون أن البصري حاضر بنفوذه داخل التحالف الحكومي، ومما عزز ذلك أن الحكومة عجزت عن حل كثير من الأزمات التي كانت تبرز هنا وهناك مثل اعتصامات الطلبة وإضراب الطيارين وغير ذلك، فكان البصري يتدخل في الأخير لحلها، الأمر الذي دفع الكثيرون إلى القول إن الوزير الأول هو البصري نفسه من وراء الستار.

وإضافة إلى ذلك عُرف البصري بأنه صاحب ملف الصحراء الذي بقي مفتوحًا منذ السبعينيات، ولم يتم إلى الآن الحسم في تحديد موعد نهاية لإجراء استفتاء فيها ترعاه الأمم المتحدة لطي هذه الصفحة التي تسمم علاقات المغرب مع جارته الجزائر.

قاد البصري مفاوضات عسيرة مع الجزائريين وجبهة البوليساريو الصحراوية والأسبانيين والموريتانيين، واكتسب خبرة كبيرة في إدارة المشكلات الصعبة للمغرب، وكان كثير الحركة حتى إن بعض الصحف الأجنبية أطلقت عليه لقب «الشعلة الملتهبة»، وفي تصريح له لصحيفة أسبانية نشر قبل أسبوع واحد من وفاة الحسن الثاني قال: إنه لا ينام سوى ست ساعات فقط، ويعمل بلا كلل أو ملل، وكان يقال: إنه ينام بعد أن ينام الملك ويستيقظ قبله.

غير أن صورة البصري كرجل قوي ومتمكن في الملفات الحساسة للمغرب تقابلها صورة مختلفة عنه لدى الأحزاب السياسية والنقابات والمثقفين واليسار والمعارضة في الثمانينيات، فهو قاد حملة قمع واسعة ضد المعارضة، وكانت له اليد الطولي في خلق أحزاب تابعة للدولة، أطلقت عليها تسمية «أحزاب الإدارة» تهكمًا، ورأى فيه آخرون مسؤولاً عن الانشقاقات والانقسامات التي تحدث داخل الأحزاب والنقابات، وتحول اسم البصري إلى رمز للقمع والاعتقال التعسفي والكبت السياسي، لكن مهامه لم تكن تقف عند حدود شؤون وزارة الداخلية والأمن الترابي، بل كان يمسك بين يديه المخابرات والسكنى وإدارة التراب الوطني، وكانت له سلطة نافذة في الانتخابات بالتزوير والتقطيع الانتخابي للدوائر، وسيطر على الإعلام عندما ألغيت وزارة الإعلام، وعهد بمسؤولية الإعلام «السمعي البصري» إلى وزارة الداخلية عام ١٩٨٦م، حيث وضع على رأس الإذاعة والتلفزة إطارًا من وزارته لا علاقة لهم بالإعلام حتى ارتبط الإعلام باسمه، وصار «الإعلام السمعي البصري» نسبة إلى شخص الوزير، وأثناء أحد اجتماعات البرلمان المغربي عام ۱۹۹۷م عندما كان البصري يتحدث نطق عبارة الوسائل السمعية البصرية بتسكين الصاد، فضجت القاعة وبدا أن الوزير لم يخطئ بقدر ما عبر عن ظاهرة حقيقية.

إشارة كبيرة للتغيير

ومنذ وفاة الملك الحسن الثاني في شهر يوليو الماضي أخذ الحديث يدور حول مستقبل البصري باهتمام، ولفت انتباه الكثيرين طريقة تحركاته في الجنازة، ولاحظ الرأي العام أنه يقف دائمًا بعيدًا عن محمد السادس بخلاف ما كان يفعل مع الحسن الثاني، ثم بدأ وجهه يختفي قليلاً من التلفاز المغربي بعد أن كانت نشرات الأخبار تبدأ بالأنشطة الملكية ثم تلحقها بأنشطته واجتماعاته، ويشار إلى أن محمد السادس حين كان وليًّا للعهد كان على خلاف معه.

ویرى الكثيرون أن إعفاء وزير الداخلية الأكثر إثارة للجدل مؤشر عن سياسة التغيير الكبرى التي ينتهجها الملك الجديد بهدوء وعبر خطوات عملية ملموسة، وهذا بدوره سيعتبر اختبارًا قويًّا للحكومة والإدارة، إذ لاشك أن رحيل البصري لا يعني رحيل شخص بل شبكة من العلاقات والمصالح والنفوذ ارتبطت في خيوطها به طوال أكثر من عشرين عامًا، بل ربما كانت بالفعل «نهاية عهد» هو «عهد إدريس البصري».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل