العنوان أفريقيا..تحذير من استمرار مسلسل التفتيت
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012
مشاهدات 71
نشر في العدد 1999
نشر في الصفحة 32
السبت 21-أبريل-2012
انفصال إقليم «أزواد»... ما خفي كان أعظم !
الجزائر التي دعمت بكل قواها جبهة البوليساريو في مسعاها للانفصال بالصحراء عن المغرب ترفض انفصال «أزواد» عن مالي.. لأن ذلك سيدعم «تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي»
«غي سيتبون»: وفق إستراتيجية محددة.. دولة مالي في طريقها إلى الانقراض
تسريب معلومات حول مخططات رسمتها مراكز أبحاث «إسرائيلية - إيباكية» تهدف إلى تفتيت كل الدول العربية إلى دويلات صغيرة غير قابلة للعيش
سارع المغرب منذ اليوم الأول إلى إدانة الانقلاب في مالي، واصفًا إياه بالاستيلاء على السلطة، وهو نفس الموقف الذي اتخذته الجزائر، ووحدها جبهة البوليساريو سارعت إلى إيفاد المستشار الخاص لرئيسها إلى باماكو للتعبير عن مساندتها لانقلاب العسكر على الرئيس «آمادو توماني توري»، الذي كان يعتبر أحد حكماء أفريقيا، وذلك رغبة منها في سحب البساط من تحت المغرب الذي كانت له علاقات جيدة مع الرئيس المالي المطاح به.
ذريعة الانقلابيين في قيامهم بحركتهم كانت هي عدم توفير ما يكفي من السلاح والدعم للجيش في مواجهة انفصاليي الشمال ومسلحي «القاعدة»، ولكن تداعيات الأحداث أبانت أن الأوضاع لم تزدد إلا سوءًا وتعقيدًا، ليس فقط للدولة المركزية في مالي، ولكن لدول شمال أفريقيا جميعها.
انقلاب بطعم الفرقة
لم تمض إلا أيام قليلة حتى أعلنت حركة تحرير إقليم «أزواد» عن نجاحها المفاجئ والسريع جدًا في تحرير كامل التراب الأزوادي، بما فيه مدينة «تومبوكتو»، أي أكثر من نصف التراب المالي، ثم لم تكد الحركة تستقر في هذه المدينة التي كانت منذ عهد الموحدين بالمغرب «أي منذ أواسط القرن الثاني عشر الميلادي» إلى دخول الاستعمار منطقة شمال أفريقيا، عاصمة للدعوة الإسلامية في أفريقيا، ومركزًا لتعليم القرآن والسنة النبوية ومختلف العلوم الشرعية، إلى جانب أنها كانت معبرًا تجاريًا مهمًا بين شمال الصحراء الكبرى وجنوبها، ولم تكد تهنأ حركة تحرير «أزواد» بــ «تومبوکتو» حتى طردتها منها حركة أنصار الإسلام التابعة لـــ «تنظيم القاعدة»، لتتحول كل المنطقة إلى ساحة معارك بين التنظيمين المنتميين معًا إلى قبائل «الطوارق»، فــــ «أنصار الإسلام» لا تريد الاكتفاء بتحرير إقليم «أزواد» وإقامة دولة مستقلة فيه، بل تسعى إلى تطبيق الشريعة بالقوة في كل مالي، بل وفي كل المنطقة إذا تمكنت من ذلك.
استنساخ ملف الصحراء
هل تصرف الانقلابيون في مالي من ذات أنفسهم، أم أن الانقلاب كان بمثابة الضوء الأخضر الذي أعطي بشكل غير مباشر للجماعات المسلحة سواء منها التابعة لــ «القاعدة» أو لجبهة تحرير «أزواد» لتنقض على هذا البلد وتسيطر عليه، لمصلحة آخرين، ربما بدون علمهما في انتظار أن تنهك كل منهما الأخرى، قبل أن تتدخل واشنطن وباريس؟
على الرغم من كون حركة تحرير إقليم «أزواد» قد أكدت منذ أول يوم استيلائها على شمال مالي، وفي أول بيان لها اعترفت بحدود دول الجوار واحترامها والانخراط الكامل في ميثاق الأمم المتحدة، كما تعهدت بــ «العمل على توفير الأمن والشروع في بناء مؤسسات تتوج بدستور ديمقراطي لدولة «أزواد» المستقلة»، فإن انفصال الإقليم عن مالي وإعلان دولة مستقلة في شماله، قد أربك كل الأطراف المعنية بقضية الصحراء الغربية ودفعها لاختيار صعب بين مواقف مبدئية تعلنها وموقفها من ملف «أزواد» هذا الحامل في طياته استنساخًا لملف النزاع الصحراوي المتفجر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي.
تعددت الأسباب
ولكن لكل من المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو -التي هي الأطراف المعنية بالنزاع الصحراوي- لكل مقاربته المختلفة عن مقاربة جاره للنزاع الصحراوي.
فالجزائر التي دعمت بكل قواها جبهة البوليساريو في مسعاها للانفصال بالصحراء عن المغرب تجد نفسها اليوم في مفارقة محرجة جدًا، فرفضها لانفصال «أزواد» هو بمثابة الكيل بمكيالين، فهي من جهة تدعم انفصال الصحراء، رغم أن هذا الملف قد حکمت فيه محكمة العدل الدولية في سنة ١٩٧٥م بأن هناك علاقات تاريخية ربطت بعهود البيعة بين سكان الصحراء وملوك المغرب، وبالتالي فالصحراء قبل الاستعمار كانت دائمًا مغربية، ومن جهة أخرى ترفض انفصال «أزواد» عن مالي، بسبب أن من شأن ذلك أنه قد يجعل لها جارًا جديدًا ينتمي لتنظيم «القاعدة بالمغرب الإسلامي»، الذي قوامه الأساسي وقادته الفعليون جزائريون كانوا يعملون في الجزائر إبان الحرب الأهلية في تسعينيات القرن المنصرم، كما أن رفضها لانفصال «أزواد» وإقامة دولة مستقلة في شمال مالي إذا كان ينسجم مع الطرح الذي دافعت عليه بقوة إبان تحرير ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، الذي ينص على الاحتفاظ بحدود الدول الأفريقية كما تركها الاستعمار، عکس طرح المغرب آنذاك والذي كان يريد إعادة رسم الحدود كما كانت قبل الاستعمار، فإن هذا الموقف الرافض لانفصال «أزواد» يتناقض كليًا سواء مع كونها الداعم الأساسي لجبهة البوليساريو، التي تسعى لانفصال الصحراء الغربية عن المغرب وإقامة دولة مستقلة، الشيء الذي يتناقض كذلك مع تمسك الجزائر المستميت بميثاق منظمة الوحدة الأفريقية الذي تبناه «الاتحاد الأفريقي» الحالي، بخصوص حدود الاستعمار.
تفتيت المنطقة
وكيفما كان الحال، فإن ما يجري في مالي ينذر بإرهاصات قد تثبت صحة ما تم نشره مؤخرًا على أنها تقارير وصفت بالسرية، سربت من داخل مراكز بحوث «إسرائيلية» يعمل بها عرب فلسطينيون يحملون الجنسية «الإسرائيلية»، قيل: إنهم هم من سربوها، وهي تقارير تتحدث عن وجود مخططات ذات أبعاد إستراتيجية خطيرة رسمتها مراكز أبحاث «إسرائيلية – إيباكية» بدعم من اللوبيات الصهيونية في أوروبا والمتعاطفين معها في العالم العربي مدعومة من دول الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، تهدف إلى تفتيت كل الدول العربية إلى دويلات صغيرة، غير قابلة للعيش، وربما تكون الأحداث الأخير في مالي هي بداية تطويق ومحاصرة كل من المغرب والجزائر، بعد إسقاط «القذافي» والتغاضي عن انتشار أسلحته الثقيلة والمتطورة بين أيدي مسلحي المنطقة، فهل عرف هؤلاء كيف يستفيدون من المتغيرات التي جاء بها «الربيع العربي» أفضل مما استفاد منها أصحاب الربيع أنفسهم؟
القادم أسوأ
يقول الكاتب اليهودي الفرنسي من أصل تونسي «غي سيتبون» في مقال صدر له يوم الأحد 8 أبريل الجاري بمجلة «ماريان» الباريسية يحمل عنوان «الربيع العربي.. وراء العمل الإنساني هل يتخفى العمل البترولي؟»، قال فيه: «الروائح النتنة للربيع العربي هي الآن بصدد العمل على إفلاس الدول التي كانت من قبل قد تعرضت بقوة للإضعاف، من سورية إلى ليبيا مرورًا بمالي، فماذا لو أن هذه المصادفات كانت تستجيب بالضبط الرغبات الغربيين الذين يفضلون أن يروا أميرًا مسايرًا ومطيعًا وراء بئر نفطية وطنيًا متطوعًا ذا عزيمة وإرادة؟
الدولة العراقية لم يعد لها وجود، والدولة السورية لم يعد لها وجود كذلك، فجيشها قد تحول إلى كتائب قتل علوية، الدولة الليبية لم يعد لها وجود، فقد تم تعويضها بعدة مئات من المجموعات المسلحة وحوالي عشرين من أمراء الحرب الجهويين، الدولة اليمنية لم يعد لها وجود هي الأخرى، وأصبح لدينا من الآن فصاعدًا سودانان في انتظار مزيد من التقسيمات لهذه الدولة، دولة مالي في طريقها إلى الانقراض.
في السابق، كانت الدول غير المستقرة تنضبط بالانقلابات، أزمة، فانقلاب، فحكومة جديدة، «الجنرالات - الرؤساء» يمرون الواحد تلو الآخر، بانقلاب تلو الآخر، ولكن بنية السلطة تبقى في مكانها، أما في أيامنا هذه، فإن النموذج وجد لنفسه نموذجًا جديدًا، فلم تعد الحكومة فقط بل إن الدولة بأكملها تنقرض بجسمها وثرواتها، والاعتراف بقوة محلية من طرف هذه القوى الدولية أو تلك لا يغير من المعطى شيئًا، فالاعتراف بــ «المجلس الوطني الانتقالي» الليبي لا يضيف أي شيء إلى منطقة نفوذه، ولا حتى في قلب مدينة طرابلس.
ولربما نحن مازلنا فقط في البدايات الأولى من مسلسل التفسخ والتفكك هذا، فالعشرات من الدول، وعلى الخصوص في أفريقيا لا تتمسك إلا بخيط رفيع لاستمرار وجودها، وتكفيها صدمة صغيرة لتجد نفسها قد غرقت تمامًا، ، فمثلًا أنجولا ومعها نيجيريا «التي هي عبارة عن خزان من البترول» هما من بين الدول التي من صالحها المبادرة إلى إحصاء قطاعاتها وأقاليمها .