العنوان رجومًا للشياطين
الكاتب د. عيد عبد الحميد
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002
مشاهدات 81
نشر في العدد 1510
نشر في الصفحة 44
السبت 20-يوليو-2002
أما وقد عُلِم أن المعركة، إنما تدور رُحاها بين جنود مؤمنة.. الله اصطفاها، وبصفقة من لدنه حباها، وبين فلول كافرة وجموع مُحتَشِدة.. الشر أواها، ومَرَدَةُ الإنس والجن تحمل لِواها، فثم حقيقة ينبغي أن نُلِمَ بخيوطها من مُبتداها إلى منتهاها، مفادها: ثم عدواتان تتقطعان في مخاصمتهما لأهل الإيمان، ولا أدُل على ذلك أن هاتين العداوتين ممتدتان إلى آخر الزمان:
أولاهما: عداوة إبليس من الجن.
وثانيتهما: عداوة يهود من الإنس.
أما امتداد عداوة إبليس، فقد كشفها المولى في كتابه: ﴿قَالَ أَنظِرنِیۤ إِلَىٰ یَومِ یُبعَثُونَ, قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِینَ﴾ (الأعراف: 14-15)، كما بَيَّنَ المصطفى صلى الله عليه وسلم امتداد عداوة يهود بقوله: «ولا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود» (رواه مسلم)، ولا أدُل على امتداد عداوتهما من قوله صلى الله عليه وسلم: «الجهاد ماضٍ منذ بعثني الله تعالى إلى أن يقاتِل آخر أُمَتي الدجَّال» (مسند الإمام أحمد)، ومعلوم أن الدجال الذي سيخرج آخر الزمان, ويقاتله المسلمون سيتحالف معه اليهود، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا» (رواه مسلم)، وبذا تتوكد امتداد عداوة يهود ضد المسلمين إلى آخر الزمان.
في ضوء ذلك, ما كان من عدو الله إبليس إلا أن كشف النقاب عن مشروعه الذي سيُقدِّمه للبشرية: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ, ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: 16- 17)، وكذا يهود، كشف الباري عزَّ وجَّل مخططاتهم ومشاريعهم التي سيمارسونها على البشرية إلى آخر الزمان فقال: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (المائدة : ٦٤).
ولا عَجَب من تشابُه مشاريعهما القائمة على إفساد البشرية، فقد تشابَهَت من قَبل مقاماتُهما، فهذا إبليس قد بَيَّن ربُ العِزة مقامه بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (الكهف: 50)، وبذا يكون إبليس هو زعيم شياطين الجن، إذ الشياطين ذريته وسلالته.
أما يهود فَثَمَ آية في كتاب الله تعالى قد أزاحت الستار وأماطَت اللِثام عن مقامهم، إنها قوله تعالى- حكاية عن حال المنافقين- ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة:14).
قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ﴾ أي: «من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب, و خلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم» (تفسير ابن كثير183/1)، وبذا يكون يهود هم زعماء شياطين الإنس، كما أن إبليس زعيم شياطين الجن.
ولا غرابة في ذلك، فبين إبليس ويهود تشابه في الصفات وتماثُل في النفسيات وضحته آيات الكتاب البينات:
فمن صفات إبليس الحسد: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 62).
وكذا يهود.. دُبَّ فيهم داء الحسد: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النساء:54)، قال مجاهد: «هم اليهود» (تفسير الطبري 138/5)، وقال قتادة: «حسدوا هذا الحي من العرب على ما أتاهم الله من فضله، بعث الله منهم نبيًا فحسدوهم على ذلك» (تفسير الطبري 139/5).
ومن صفات إبليس الكِبر: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34)، وقال تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (ص: 75).
وكذا يهود استشرى فيهم داء الكبر: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87).
ومن صفات إبليس نقض الإيمان والعهود والمواثيق: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء: 120)، ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ﴾ (الأعراف: 21).
وتلك خِصلة مركوزة في طِباع يهود: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهدا نَّبَذَهُۥ فَرِيق مِّنهُم﴾ البقرة: ١٠٠)، ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (الأنفال: 56).
ومن صفات إبليس العنصرية, وقد بدَت من قوله لرب العِزة مُبررًا استنكافه عن السجود لآدم- عليه السلام- ﴿قَالَ أَنَا خَير مِّنهُ خَلَقتَنِي مِن نَّار وَخَلَقتَهُۥ مِن طِين﴾ (الأعراف: 12)، فكان إبليس أول من دعا إلى العنصرية- القائمة على تفاضل اللون والجنس- وتحاكم إليها، وكان يهود أول من تابعه في ذلك وروَّج لها وتحاكم إليها, لما خرجوا على العالم بأسره بمقولة «شعب الله المختار» وأن الأممين- غير اليهود- ما هم إلا كلاب وخنازير خُلِقوا لخدمة يهود, ولكن حتى لا يتقزز يهود وتشمئز نفوسهم وتنقبض صدورهم- وهؤلاء يقومون على خدمتهم- جُعِلوا كلابًا وخنازيرًا في جثمان إنس.
ولما تشابهت بين إبليس ويهود الصفات والنفسية فكان أن لفَّتهم السُنن الإلهية ونزلت بساحتهم النواميس الربانية، إذ يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: مُنَوِهًا بسُنة إلهية: «من تواضع لله رفعه» (أخرجه مسلم), فبمفهوم المخالفة أنَّ من تَكَبَّر على الله أو على خلق الله فسوف يضعه الله، بالتالي حق على إبليس أن يُوضَع- أي يصبح وضيعًا مهينًا- وحق على اليهود أن يوضعوا لتكبرهم وبغيهم.. فكان أن تشابَه مآلُهُما وتماثَل مصيرهما، وجُوزوا بنقيض مقصودهما، فهذا إبليس قد طُرِدَ من رحمة الله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (الحجر: 34)، وكذا يهود باؤوا بغضب من الله وطردٍ من رحمته: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٦١).
وكتب الله تعالى اللعنة على إبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الحجر:35)، وكذا يهود ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: 78).
وضُرِبَت على إبليس الذِلة والصغَار: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (الأعراف:13)، وكذا يهود: ﴾ ﴿ضُرِبَت عَلَيهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلمَسكَنَةُ﴾ (البقرة: 61).
كما رَدَهُم العزيز الجبار إلى مصيرٍ واحد شاخِص للأبصار، يلاحقهم ما تعاقَب الليل والنهار، إنه الرَجم الذي يُمطَرون به على حد سواء، إنَّ في فلسطين حيث تُرجَم شياطين الإنس على أيدي صِبية صغار، أو في بطحاء منى حيث تُرجَم شياطين الجن على أيدي حُجاج بيت الله الأبرار.
وهكذا لما تشابه يهود مع إبليس في امتداد عدواتهما للمؤمنين، وفي تشابه مخططاتهما، وتماثُل مشاريعهما، وتساوي مقاماتهما، وتناغُم نفسيتيهما، ووحدة مآلهما ومصيرهما.. فكان أن تشابهت وصية الله تعالى فيهما، إذ كانت وصية الله تعالى للمؤمنين بحق إبليس: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: 6)، وكانت وصيته لهم بشأن يهود: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ﴾ (المائدة: 82)
وترتب على ذلك النهي والتقريع عن موالاة إبليس وجنده: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (الكهف: 50).
والنهي الأكيد والوعيد الشديد على موالاة يهود: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 51).
وإذا كان ذلك كذلك فإن أية دعوة لمصافاة يهود ومسالمتهم وموادعتهم, إنما هي دعوة لمصالحة الشياطين, وانخراط في سلك ترويج مخططات القوم الظالمين وموالاة لأعداء الملة والدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل