العنوان رجاحة العقل وقوة الحجة
الكاتب علي بن عمر بادحدح
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 2
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
للإيمان
إشراقاته وآثاره، وللعلم فعاليته ونوره،
ويبقى للذكاء والفطنة أهميتهما التي لا
تُنكر، وإيجابيتهما التي لا تُخفى، وتوفر
الذهن الوقاد والعقل السديد ميزة عظمى
يتحلى بها الداعية، فلا سذاجة تضيع بها
معاني الريادة، ولا طيش ولا خفة تطمس
معالم الهيبة، بل عقل فطن يرجح إذا اختلفت
الآراء.
وهناك
أصناف من المدعوين يحتاج الداعية معهم
إلى إقامة الحجة العقلية لإثبات القضية
ولعدم اكتفائهم بالأدلة الشرعية، ومن
هؤلاء:
الكافرون
الذين لا يؤمنون بالكتاب والسنة.
المعتنون
بعقولهم المقدمون لها على النص
العقلي.
المخدوعون
بالشبهات.
المعاندون.
وهناك
أساليب كثيرة مستنبطة من الكتاب والسنة
في إقامة الحجة العقلية واستخدام الأقيسة
المنطقية، واستحضار التفكر والتأمل،
وهذه جوانب من هذه الأساليب مع بعض الأمثلة
عليها:
1.
أسلوب
المقارنة
وذلك
بعرض أمرين أحدهما هو الخير المطلوب
الترغيب فيه، والآخر هو الشر المطلوب
الترهيب منه، وذلك باستثارة العقل للتفكر
في كلا الأمرين وعاقبتهما للوصول - بعد
المقارنة - إلى تفضيل الخير واتباعه، ومن
الأمثلة على ذلك: قال تعالى: ﴿أَوَمَن
كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا
لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ
بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَٰلِكَ زُيِّنَ
لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال ابن كثير في تفسيره: هذا مثل ضربه الله
تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً في الضلالة
هالكاً حائراً، فأحياه الله أي أحيا قلبه
بالإيمان وهداه له ووفقه لاتّباع رسله.
2.
أسلوب
التقرير
وهو
أسلوب يؤول بالمرء بعد المحاكمة العقلية
إلى الإقرار بالمطلوب الذي هو مضمون
الدعوة، ومن الأمثلة القرآنية على ذلك،
قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ
شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ
خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ
بَل لَّا يُوقِنُونَ . أَمْ عِندَهُمْ
خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ
. أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ
فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم
بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . أَمْ لَهُ
الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ . أَمْ
تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ
مُّثْقَلُونَ . أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ
فَهُمْ يَكْتُبُونَ . أَمْ يُرِيدُونَ
كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ
الْمَكِيدُونَ . أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ
غَيْرُ اللَّهِ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الطور: 35 - 43). قال
ابن كثير في تفسيره: هذا المقام في إثبات
الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ
هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أي أُوجدوا من غير
مُوجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي لا هذا
ولا هذا بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم
بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً.وهذه
الآية في غاية القوة من حيث الحجة العقلية
لأن وجودهم هكذا من غير شيء أمر ينكره
العقل، أما أن يكونوا هم الخالقين لأنفسهم
فأمر لم يدعه مخلوق، وإذا كان هذان الفرضان
لا يقومان بحكم منطق الفطرة فإنه لا يبقى
سوى الحقيقة التي يقولها القرآن وهي أنهم
من خلق الله جميعاً، والتعبير بالفطرة
مقصوده الأمر المقرر بداهة في العقل.
3.
أسلوب
الإصرار والإبطال
وهو
أسلوب قوي في إفحام المعاندين وأصحاب
الغرور الصلف وإمرار أقوالهم وعدم الاعتراض
على بعض حججهم الباطلة منعاً للجدل
والنزاع، خلوصاً إلى حجة قاطعة تدمغهم
وتبطل بها حجتهم تلك فنبطل الأولى بالدمج،
ومن الأمثلة القرآنية: قصة إبراهيم مع
النمرود، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ
أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي
يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي
وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ
اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ
الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد
أحسن صاحب الظلال في توضيح هذا الأسلوب
حيث قال: عرف إبراهيم ربه بالصفة التي لا
يمكن أن يشاركه فيها أحد، ولا يمكن أن
يزعمها أحد، وهذا الملك يسأله عمن يدين
له بالربوبية، ويراه مصدر الحكم والتشريع
وغيره، قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي
وَيُمِيتُ﴾، فهور من ثم الذي يحكم
ويشرع، ثم قال تعليقاً على قوله تعالى:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، لم يرد
إبراهيم عليه السلام أن يسترسل معه في
جدل حول معنى الإحياء والإماتة مع رجل
يماري ويناور في تلك الحقيقة الهائلة،
حقيقة منح الحياة وسلبها، هذا السر الذي
لم تدرك منه البشرية حتى اليوم شيئاً،
وعندئذ عدل عن هذه السنة الكونية الحقيقية
إلى سنة أخرى ظاهرة مرئية، وعدل عن طريقة
﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾،
إلى طريقة التحدي، وطلب تغيير سنة الله
لن ينكر ويقتنع ويجادل في الله، ولاشك أن
الداعية مطالب بتفهم هذه الأساليب والإفادة
منها ليَكتسب فطنة تساعده على تقرير
المسائل وإقامة الحجة وسرعة البديهة.
أمثلة
من التاريخ
وهذه
أمثلة لأئمة ودعاة كانت لهم أقوال ومواقف
تبين رجاحة عقولهم وقوة حجتهم:
المثال
الأول: يُذكر عن أبي حنيفة أنه حاجَّ قوماً
من الملاحدة الدهريين، فقال لهم: ما تقولون
في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة
بالأحمال، مملوءة من الأثقال قد احتوشتها
في البحر أمواج متلاطمة، أرياح مختلفة،
وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح
يجرها ولا متعهد يدفعها، هل يجوز ذلك في
العقل؟ قالوا: لا، هذا شيء لا يقبله العقل،
فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله، إذا لم
يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية
من غير متعهد ولا مجري فكيف يجوز قيام هذه
الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها،
وسعة أطرافها وتباين أكنافها، من غير
صانع وحافظ؟ فبهت القوم وأفحموا.
المثال
الثاني: طلب الحجاج الحسن البصري، فلما
دخل عليه قال له الحسن: يا حجاج كم بينك
وبين أدم من أب؟ قال: كثير، قال: فأين هم؟
قال: ماتوا، فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن،
وهذا المثل على وجازته فيه استخدام العقل
بالتفكير والتأمل والوصول إلى النتيجة
التي فيها العظة والعبرة.
المثال
الثالث: سأل بعض النصارى القاضي أبا بكر
الباقلاني بحضرة ملكهم، فقال: ما فعلت
زوجة نبيكم؟ وما كان من أمرها بما رُميت
من الإفك؟ فقال الباقلاني على البديهة:
هما امرأتان ذُكرتا بسوء، مريم وعائشة
فبرأهما الله عز وجل، وكان لعائشة ذات
زوج ولم تلد ولد، وأتت مريم بولد ولم يكن
لها زوج، فكان هذا الجواب في غاية الروعة
والإفحام، لأن ذلك الخبيث أراد التعريض
والإحراج بقصة حادثة الإفك التي اتهمت
فيها عائشة رضي الله عنها، فأجاب الباقلاني
بأن هذه برية برأها الله منها، ولكنه قرن
ذلك بذكر مريم، ليُشير إلى أن براءة عائشة
معلّاة أولى، لأنه لو تطرق إلى العقل
احتمال الريبة فهو في حق مريم أعظم، فإن
قبلتم أيها النصارى براءتها فليزمكم قبول
براءة عائشة من باب أولى.■
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل