; رثاء ووفاء | مجلة المجتمع

العنوان رثاء ووفاء

الكاتب علي عبدالعزيز حسنين

تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989

مشاهدات 114

نشر في العدد 906

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 28-فبراير-1989

1» في يوم 12 /2/ 1989م الموافق 6 رجب 1409ه، سكت قلب طالما خفق خاشعًا لربه، ووقف لسان طالما نطق ذكرًا لربه، وتعطلت حركة طالما سعت عبودية لربها، وجمد عقلًا طالما سبح فكرًا لربه، بل طويت صحفة طالما بيضها صاحبها بما سطره فيها من أقوال وأفعال، وانتهى شريط حياة حفل بكثير من التصورات والتصرفات وكأن صاحبه كان يشعر أثناء دورات الشريط في تسجيله أنه سوف تعرض عليه أمام الله وأمام خلقه، فعل وجهد حتى لا يقول مع من يقول: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ...﴾ (الكهف: 49).

2» لله درك يا أخ صلاح في اليوم الذي استشهد فيه إمامك ترحل فيه؟ وفي الشهر الذي اغتيل فيه حبيبك تموت فيه؟ وكأنها كانت أمنية عندك ورجاء منك أن تلحق به وأنت على عهده فيتقبل الله منك فتكون الوفاة في يومه وفي شهره.

هكذا شأن الصدق مع المحبين، جعل عمر رضي الله عنه يتمنى أن يستشهد في سبيل الله وفي بلد رسول الله، وجعل أبا بكر رضي الله عنه يكون أول الرجال لحاقًا بخير خلق الله وجعل فاطمة رضي الله عنها تكون أول النساء لحاقًا بسيد ولد آدم على الإطلاق.

نعم لله درك يا أستاذنا الجليل فقد قالوا قديمًا: «أن ترسم الخطى يقضي لا محالة بتماثل النتائج، وإن شبيه الشيء منجذب إليه، ويحشر المرء مع من أحب ...».

3» إننا نكتب حين نكتب عن فقيد عزيز أو من أجل رحيل حبيب، ليس ذلك عن جزع من نزول خطب أو هلع من وقوع أمر وإنما هي اللوعة التي تقتلع حبات القلب حزنًا وهي البلوى التي تعتصر مقلة العين دمعًا، تلك طبيعة الأشياء ومن رام غيرها فإنما يريد أمرًا هو ضد طبائع الأشياء وإلا فما معنى تأثير الفراق على يعقوب عليه السلام حتى ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (يوسف: 84)؟ وما معنى بكاء الرسول صلى الله عليه وسلم طويلًا على قبر والدته حتى أبكى الحاضرين؟ وما معنى قوله يوم وفاة ابنه: «إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ...»؟

4» رحم الله فقيدنا العزيز، لقد كان مدرسة في رحلته الطويلة في الحياة وبين الأحياء، كما كان موسوعة في سجنه وراء القضبان بعد أن خفف عليه حكم الإعدام رغم نشأته الثرية ودراسته العسكرية، ومع ذلك كنا نرى فيه حزمًا في أناة وبذلًا في اتزان وعلمًا في حلم وسلوكًا في اعتدال كل ذلك وغيره من مكارم الأخلاق كانت شيمته ونتيجة خبرته، هذه الخصائص هي صفات الجندي في شجاعته، والشجاعة فضيلة بين رذيلتين هما الجبن والتهور، وهي صفات الجندي أيضًا في قصده، والقصد فضيلة بين رذيلتين هم البخل والتبذير، ذلك شأن النظام الذي طبع عليه المرحوم فقد كان الجندي يكتسب سمة النظام بالمران وليس على الإنسان في ذلك من سبيل ولكن كونه طبعًا في النفس فهذا هو مثار الانتباه.

5» إن الميت حين يغادر حياته الأولى يشيع بأمرين لا ثالث لهما، مآثره من سجايا وخلال، ثم آثاره من أقوال وأفعال، وهذه وتلك من أنفع الأمور التي ينتفع بمثلها الإنسان سواء كان ذلك في حياته الدنيا أو في حياته البرزخية أو في حياته الأخروية، ومن أجل ذلك كانت هذه أمنية الخليل عليه السلام في حياته بعد مماته كما جاء ذلك على لسانه في القرآن الكريم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ...﴾ (الشعراء: 83-84) وهي حسن الأحدوثة وحسن السيرة فيمن يلحق به من أجيال لأن ذلك ينفع المسلم في أولاده الضعاف في الدنيا بعد وفاته وينفعه أيضًا في قبره حين يعود عليه أجر هذه الآثار من خلال أعمال غيره ثم من خلال ما يحمله معه من عمل يصحبه معه في أخراه حينما يتخلى عنه في هذه الآونة الدقيقة كل من المال والأولاد.

6» لقد كان في رحلته قبل المحنة، المثل الطيب في حركته المتسقة مع عقيدته ومنهجه، وكان أثناء محاكمته المثل الأطيب في صبره وتقبله لقضاء ربه، وكان في فترة سجنه المثل الأكثر طيبة في حدبه على أبنائه وحنوه على إخوانه، وكان فيما تبقى من حياته بعد خروجه الصورة المثلى في تقيده بسيرة خلفه حتى كنا نظن فيه من لسان حاله لا من لسان مقاله أنه يتمثل قول الله في أسلوبه وسلوكه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ...﴾ (الأحزاب: 23) وذلك من خلال مشاهدته وتصرفاته ذات الطابع الإيماني والبعد التعبدي والواقع العقدي في كافة نواحي الحياة.

7» لا شك أنه كان ذا صفات عديدة غير أن الصفة التي امتاز بها بين أحبابه هي الحياء بل وهي التي كانت الطابع الغالب عليه في حياته مع ربه وأهله وأبناء جلدته بل وبني جنسه من نوعه على اختلاف أنماطهم واتجاهاتهم، مع ملاحظة أن ذلك ما كان على حساب ما يعتقده من حق بل كان عنيدًا كل العناد إذا رأى صوابًا في الأمر، فلم تلن قناته ولم يسل لعابه وليس أدل على ذلك من موقفه مع الثورة رغم الصداقة الحميمة التي كانت تربطه بقائد مسيرتها ومنظم حركتها ومنظر فلسفتها وقد كان في إمكانه العيشة الهنية والحياة الثرية والمكانة العلية لو أنه عايش الوضع وساير الركب كما فعل غيره من أبناء جلدته وزملاء دربه ممن سبقوه في العهد وقطعوا قبله العهد.

8» إن أصحاب الدعوات من أنبياء وصلحاء لم ينسوا حين جاءوا لأقوامهم قول ورقة بن نوفل لرسولهم: «وما جاء رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ...» وهذه العبارة كحقيقة واقعية في دنيا الإيمان على امتداد الأحقاب والأجيال تعطي الإنسان مناعة ضد الضعف والوهن والاستكانة مهما أصابه في سبيل الحق من مصادرة في المستقبل وحرمان من الأهل وفقدان للولد وبعد عن اللذة وتعطيل للغرائز النوعية والدوافع الشخصية لأن الله طلب من المسلم التواصي بالصبر في سبيل الحق بل وقد تهدده إن هو قدم مقدرات الحياة الدنيا على قيم الحياة الآخرة ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ...﴾ (التوبة: 24) صدق الله العظيم.

رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته و﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ...﴾ (البقرة: 156).

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 97

135

الثلاثاء 25-أبريل-1972

ربيع الخير والضياء

نشر في العدد 98

163

الثلاثاء 02-مايو-1972

أكثر من موضوع (98)