العنوان ربيع الخير والضياء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1972
مشاهدات 135
نشر في العدد 97
نشر في الصفحة 3
الثلاثاء 25-أبريل-1972
أربعة عشر قرنًا من عمر البشرية الفاني قد انطوت منذ أن غابت تلك الومضة الناصعة من تاريخها في فجر الوجود الإسلامي الباكر ثم أخذت البشرية بعدها تتلمس دروبها ومخارجها في التيه من ضياعٍ إلى ضياع حتى أفضى بها المسار إلى ما هي عليه اليوم.
وفي ذكرى الميلاد الشريف نتأمل هذا المصير وننظر إلى الحصاد البشري، حصاد القرون الطويلة من التطور والتقدم: فإذا بالظلم يسيطر على الحياة وإذا بالقلق المزعج يعيش في كل قلب وإذا بالغدر هو القانون والعادة وإذا بالشعور بالضياع والخوف من المصير والمجهول والاضطراب النفسي والفكري وإذا بالجوع الروحي يعض بقسوة على القلوب الظامئة لقطرة من حنان وأمان وأمل.
وتتعاظم أزمة الإنسان المعاصر فيسحقه الإحساس بالوحدة وهو يواجه المصير المجهول ولا يجد الأمان في السلاح الفاتك الذي يحمله أو المال الوفير الذي يملأ جيوبه أو الحشيش الخبيث الذي يخادع به نفسه المريضة، ويظل الخوف والجهل والضجر يحكم الخناق عليه في غير رحمة ولا شفقة.
ما أحوج البشرية اليوم إلى شعاع سارب من تلك الومضة المجيدة، يتدفق إلى قلوب الناس التي طال عهدها بالنور والإيمان فيبلل أرواحها ويهزها ويحييها ويسمو بها.
ما أحوجها إلى ذلك الفيض الإلهي الذي جاء به –محمد صلى الله عليه وسلم– حتى يروي وجدانها اليابس وينسرب في أعصابها المرهقة المضطربة فينعم عليها بالسكينة والطمأنينة والسلام.
وتتفق ذكرى الميلاد الشريف هذا العام مع هبوط بعض أبناء البشرية على سطح القمر، حقًا لقد أنجز الإنسان عملًا عظيمًا، وهو نجاح في حدود طاقته وقدراته، لكن لماذا فشل الإنسان في أن يصل إلى الحق والهدى على سطح الأرض، لماذا فشل الإنسان أن يصبح إنسانًا على سطح الأرض، لماذا عجز الإنسان أن ينجز الخير والرحمة والسلام والمحبة؟ لأنها غايات لا تنتج في المصنع أو في المختبر أو في مؤامرات التخطيط الدبلوماسي، فهي فيض من نور الله.
لذلك فقد جاءنا الرسول الكريم –عليه الصلاة والسلام– بالدين الحق يحمل إلينا الهدى والخير والرحمة، ويقدم للإنسانية الترياق الشافي من الحقد والشر والبغضاء..
«إنما أنا رحمة مهداة»
«بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
لقد جاء الرسول–صلى الله عليه وسلم– بدين الرحمن والخير فوحد الإنسانية الممزقة التي أجهدتها البغضاء وتقسمتها الكوارث وهدها القلق واستعبدتها الجاهلية، فمسح عنها العناء وأغدق عليها النور والخير وحملها إلى بر السلام وهداها الصراط المستقيم.
وفي ذكرى ميلاده اليوم تبقى البشرية بعد الوصول إلى القمر أشد ما تكون حاجة إليه وإلى رسالته الخالدة.
كم يحتاج إليه الجندي المجنون الذي يدمر الحياة في فيتنام ويهلك الحرث والنسل ويقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق؟
كم يحتاج إلى حضارته أولئك المتوحشون في بنغلادش الذين يمثلون بجثث الأطفال ويغتصبون النساء؟
كم يحتاج إليه الضائعون، الذين يلوذون بالخمر والمارجوانا والهيروين، والانتحار ليهربوا من الحياة؟
كم يحتاج إليه جيل القلق الذي مسخت بشريته والتوت فطرته وأصبح نوعًا من الهوام يسمونه «الهيبيون»؟
كم يحتاجه رواد العيادات النفسية الزاخرة الذين يبحثون عن الأمن خوفًا من أنفسهم؟
كم يحتاج إليه المجتمع المدمر، «عجائز الجيل المرفوض» الذين يعيشون على حسنات الدولة تؤنسهم كلابهم التي أثبتت أنها أكثر وفاءً وبرًا من أبنائهم الهاربين إلى اللذة والانحراف، تلك العائلات التي ما عاد يربطها رباط مقدس، بل عاثت في كيانها أمراض العقوق والخيانات الزوجية والمنافسة على الميراث.
لنقف قليلًا مع تاريخ محمد –عليه الصلاة والسلام– الذي جاءنا بالنور من السماء وقدمه للناس رحمة وهدى فإذا بالناس يضربونه ويشتمونه ويطردونه، ثم تلوح الفرصة للبطش العادل بأعداء الحق والخير، فينتصر على غريزة حب الانتقام ليؤكد أنه إنما جاء لخير الناس، ورحمتهم.
- «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»
- «ما تظنون أني فاعل بكم؟ اذهبوا فأنتم الطلقاء»
لقد علمنا محمد –عليه الصلاة والسلام –:
* أن نحب بعضنا بعضًا حتى نصبح مؤمنين.
* وألا نتحاسد ولا نتباغض ولا يغتب بعضنا البعض.
* وعلمنا ألا نكذب.
* وعلمنا ألا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
* ولا نسرق ولا نزني.
* علمنا أن نكون أحرارًا.
* لا نذل، مترفعين، لا نسف.
* وعلمنا جمال البر بالوالدين والرفق بالنساء.
* وعلمنا أن نحب الخير وأن نكره الشر بكل صوره وأشكاله.
وجعل ذلك خلقًا مقدسًا ودينًا متبعًا.
ويوم جاءنا وتبعناه أصبحنا بشرًا فريدًا.
فما أحوج الإنسانية اليوم إلى محمد –صلى الله عليه وسلم– رسول الخير وحامل النور والهداية.