العنوان راشد الغنوشي :بانتظار الترخيص لحزب النهضة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1989
مشاهدات 69
نشر في العدد 924
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 11-يوليو-1989
عندما سقط العدو المشترك أمام الأحزاب السياسية، فترت عوامل التعاون بينها.
· الاعتراف بحركة النهضة سيجعل نظام تونس رائدًا للأنظمة العربية في التوسط.
· أبرقت للرئيس ابن على شاكرًا لوفائه بالعهد الذي قطعه على نفسه.
· كثيرون من مثقفي هذا العصر ومن صحافييه هم سحرة فرعون.
· التسلط البورقيبي دفع كافة التيارات الإسلامية للتعاون في مواجهته.
السيد راشد الغنوشي كان مدار حديث الصحافة الغربية والعربية ووكالات الأنباء العالمية خلال الشهرين الأخيرين.
التقت به المجتمع بعد أن حاز حزب النهضة على حوالي ٢٥٪ من الأصوات في الانتخابات الأخيرة التي حصلت في بلاده... وكان معه هذا الحوار الممتع :· المعطيات الجديدة:
المجتمع: هل أثرت المعطيات السياسية بتونس في إستراتيجية التيار الإسلامي؟
الأستاذ الغنوشي: هناك تحول في إستراتيجية الحركة تبعًا لما حصل في البلاد من تحول في الأوضاع السياسية، نقلت البلد من وضع متأزم كاد أن يقود البلاد إلى حافة الحرب الأهلية، وإلى وضع تحول فيه البلد إلى محاكم وجلادين وصياح ورعب في عهد بورقيبة، إلى وضع تجددت فيه الآمال في مصالحة وطنية، وتوافق بين مختلف الفئات السياسية والفكرية المكونة للمجتمع التونسي... يؤهل تونس بإمكاناتها البشرية والحضارية أن تستدرك ما فاتها خلال المرحلة البورقيبية الكئيبة، وأن ترص الصفوف وتجند الإمكانات من أجل مواجهة قضايا التنمية، والتصدي لمخلفات البورقيبية في التبعية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وذلك تأصيلًا للهوية العربية الإسلامية في تونس، وتفجيرًا للطاقات المعطلة، وتوزيعًا للثروة على أكبر قدر ممكن من العدالة، وربطًا لتونس بمحيطها العربي المغربي الإسلامي، إثر جهود كبيرة بذلتها البورقيبية طيلة الحقبة الماضية في أحداث القضية الشاملة مع الامتداد الطبيعي والتاريخي «العربي والإسلامي» لتونس، وربطها ربطًا نهائيًا بما وراء البحار، أما العهد الجديد أقصد عهد الرئيس زين العابدين بن علي، فقد فتح آفاقًا وآمالًا أمام التونسيين للمصالحة رغم أن معظم الصعوبات والمعوقات والمخلفات البورقيبية لا تزال نافذة وعميقة، وهي تحتاج إلى مجاهدات كبيرة من أجل تخطيها، بهدف النجاة من الانتكاس ومن الردة إلى الوراء، وأعتقد أن إمکانيات ذلك لا تزال متوفرة، فالحركة الإسلامية التي هي مكون أساسي من مكونات المجتمع التونسي، فإنها أيضًا رصيد أساسي لهذا الأمل من التنمية والارتباط بالمحيط العربي والإسلامي والمغربي لتونس، وكما جاهدت من قبل ضد التغريب والدكتاتورية والتسلط واحتكار الثروة، فإنها ما تزال مستمرة في نضالها في إثراء الديمقراطية وتأصيل الهوية العربية لتونس مع اختلاف الوسائل، وفي كل الأحوال فالحركة ملتزمة في وسائلها بالنهج السياسي الديمقراطي.· صعوبات:
المجتمع: ما الصعوبات التي تواجهكم؟
الأستاذ الغنوشي: هذه الصعوبات كثيرة وجانب كبير منها إن لم يكن الأكبر هو من أنفسنا، وهي لا تخص الحركة الإسلامية في تونس، بل أحسب أنها تخص كل الحركات الإسلامية، بل تخص أيضًا كل الحركات في وطننا العربي، ونحن جميعًا في هذه الأمة بمحض التوجهات إسلامية كانت أو علمانية تحمل كمًا هائلًا من مواريث ثقيلة من عصر الانحطاط.. مواريث تشد الأسرة والفرد والعلاقات البشرية عامة إلى النزوع الاستبدادي إلى الرأي الأوحد والحزب الواحد.. مواريث فكرية تضبب الرؤية أمامنا، وتحول بيننا وبين التعامل العلمي مع واقعنا ومع العالم، ولا تزال الاندفاعات والانفعالات العاطفية تخالط كثيرًا من الفكر ومن السلوك، لذا فنحن نحتاج إلى ثورة فكرية متوالية من أجل أن نتحرر من مواريث الانحطاط بأبعادها الفكرية والأدبية والسياسية، حتى نتعامل في واقعنا ومع عصرنا ومع ديننا، تعاملًا موضوعيًا بعيدًا عن المذهبية الفكرية الجامدة، وبعيدًا عن التقليد وبعيدًا عن الحزبية، ولقد انهكت وطننا العربي والإسلامي المذهبيات الفكرية والاجتماعية، إما اتباعًا للأسلاف، أو اتباعًا للأغراب، كما انهكته الحزبيات الضيقة التي تدور حول مصلحة الحزب و مصلحة الزعيم أو الحكومة على حساب مصلحة الناس والبلاد والأمة.
هناك معوقات من خارجنا وكثيرًا ما تتغلب على نزعاتنا العاطفية، فنركز أنظارنا وأنظار الاخرين على العوامل الخارجية، لنظهر أنفسنا دائمًا في صورة الضحايا، على حين أن منهج القرآن الكريم يعطي الأولوية للعوامل الداخلية ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ﴾(سورة آل عمران:165) فأمام كل هزيمة وأمام كل صعوبة ينبغي أن نبحث عما في نفوسنا وفي صفوفنا من معوقات في الفكر والسياسة والسلوك.
وهناك دون شك معوقات خارجية وهي كثيرة، معوقات من داخل وطننا ومعوقات من خارجه.· عوائق داخلية:
المجتمع: ماذا عن المعوقات الداخلية؟
الأستاذ الغنوشي: لم تتحول الحرية بعد في وطننا إلى تقاليد مرعية، ولم يقنن الخلاف بعد تقنينا يجعل حله يستبعد العنف ويستبعد المهاترات، على حين أن الخلاف في البلاد الغربية يكون فيه تقاليد تيسر حلولًا للخلاف، تحفظ الوحدة الوطنية وتحفظ الوحدة القومية، وتنأى بالأوطان عن التمزق والتشرد، إن رصيدنا من التقاليد الديمقراطية والشورية... لا زال محدودًا على نحو أن الخلاف كثيرًا، ما يتحول إلى شقاق، وإلى مهاترات واتهامات، قد تصل إلى الخيانة وتلويث المناخ الوطني والتمهيد للمنازعات والمحاكمات.
المجتمع: وكيف يمكن تجاوز هذا المعضل؟
الأستاذ الغنوشي: إننا نحتاج إذن إلى عمل فكري وسياسي متواصل من أجل تكريس حق الاختلاف، ومن أجل إرساء تقاليد وقيم تهذب الخلاف وتجعله إثراء لحياتنا الوطنية لا تمزيقًا لها، والذي يتابع المجادلات السياسية القائمة اليوم في تونس يلاحظ بوضوح أن رصيدنا من قيم المجتمع المدني لا يزال رصيدًا محدودًا، وأن قدراتنا على ضبط خلافاتنا في حدود من المصلحة الوطنية وفي قيم من الوطنية إن هذا الرصيد ما يزال محدودًا.
فهناك إذًا خطر لا يزال يتربص بنا وبغيرنا، والحقيقة هو خطر يتربص برصيد الديمقراطية في حياتنا هذا الرصيد لا يزال محدودًا وتحاصره هذه المخاطر، لا يزال الرجوع عند البعض إلى المرحلة البورقيبية مرحلة تسلط التغريب والحزب الواحد واعتماد أساليب المهاترة والتشويه في الإعلام، لا يزال هذا الإرث قائمًا وله أنصاره وله مصالح ترعاه وتتبادل معه الخدمات، قطاع واسع من نخبتنا الذي نشأ في المرحلة البورقيبية على اعتبار أن الإسلام قد حُسمت المعركة معه وأقصي بشكل نهائي عن أية مساهمة في توجيه المجتمع، ونخبتنا في هذا تتميز عن معظم النخب العربية والإسلامية، فلقد نشأت نخبتنا في المرحلة البورقيبية حيث اعتبرت هذه النخبة نفسها خارج إطار العروبة والإسلام، وأنها مرتبطة إلى الأبد بالغرب، وقطعت علاقتها مع الإسلام ومع العروبة. وقد قامت حركتنا تجاهد من أجل إبراز الشخصية العربية في تونس، فهذا وضع لم يقبل نفسيًا من قطاع من النخبة التونسية التي نظرت إلى الحركة الإسلامية على أنها جسم غريب... جسم مزروع زرعًا... وقامت هذه النخبة تدعي الديمقراطية والعلمانية، ولكنها نسيت أن العلمانية في الغرب ارتبطت بالديمقراطية والعقلانية، على حين أن العلمانية عندنا ارتبطت في كثير من الأحيان بالتسلط والطرد والعمل على سلخ هذا البلد من محيطه العربي والإسلامي، وهكذا لا تزال تشكل عائقًا لا أمام الحركة الإسلامية بل أمام تطور البلد في اتجاه أو في إطار رؤيته العربية الإسلامية.. لا يزال يراودها الأمل في استمرار نهج البورقيبية أو في إحيائها وقطع هذا البلد عن عمقه العربي والإسلامي، فنحن نعمل لتأصيل معاني الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية الذي يؤصلنا في تراثنا وفي فكرنا الإسلامي.· معوقات خارجية:
المجتمع: ما هي الصعوبات والعوائق الخارجية؟
الأستاذ الغنوشي: هناك صعوبات وعوائق من خارج وطننا تتمثل فيما ينعكس علينا من صورة شُكلت حول الإسلام المعاصر، أو حول الحركة الإسلامية المعاصرة أنها قرين الرجعية وقرين الاستبداد، حليف النخب لا القطاعات الواسعة، وأي نخب... إنها النخب المتسلطة، هذه الصورة التي وضعت الحركة الإسلامية من أنها ضد الديمقراطية والعدل وحقوق الإنسان، وأنها خطر على التفتح وعلى العلم والحداثة والمعاصرة، إن هذه الصورة تنعكس علينا انعكاسًا سلبيًا، وجزء كبير من الإعلام للأسف، كرس جهده في ترسيخ هذه الصورة عن الحركة الإسلامية كلها، ورص الجميع في كيس واحد دون نظر ودون تمييز بين ما عساه يكون موضوعيًا من هذه الاتهامات، وما عساه يكون ألبس إلباسًا، والحقيقة أن الصراع السياسي في وطننا العربي حتى الآن لم يرتفع إلى مستوى يجعله عامل مصالحة وطنية وقومية، وعامل ترشيد للفكر، وإبراز عوامل التواصل وعوامل الاتفاق بين كل التوجهات الفكرية في وطننا العربي والإسلامي؛ من أجل مواجهة العدو المشترك ومواجهة التآمر الدولي ضدنا ،ومواجهة الزمن الإسرائيلي كما سماه بعض المفكرين المعاصرين، إذًا فالمعوقات أمام الحركة الإسلامية ليست بالقليلة.· الإصلاحات السياسية:
المجتمع: وما موقف الشعب من الإصلاحات الحكومية؟
الأستاذ الغنوشي: أحسب أن الشعب لا يزال ورغم ما حصل من انتكاسات، رغم ما حصل من عثرات لا يزال يعطي رئيس الدولة مهلة، ولا يزال يغلب حُسن الظن فيه، ولا يزال يميز بينه وبين الحزب الذي يمثله، حيث إن الشعب إلى حد كبير نفض الأمل من تجديد حزب بورقيبة، كما أن الشعب لا يزال يعلق أملًا على أن يحرر رئيس الدولة القرار التونسي من هيمنة حزب بورقيبة، وأن يكون هذا القرار معبرًا لا عن إرادة هذا الحزب الذي نفضت منه الأيدي، وإنما عن إرادة القوى الحية في البلاد، ولا شك في أن هذه الآمال سيحكم عليها بالتأكيد أو بالتنفيذ حسب السلوك السياسي الموعود، ونحن نأمل الخير دائمًا.
المجتمع: ما الإجراءات التي ستقومون بها بعد أن تم رفض الترخيص لحزب النهضة؟
الأستاذ الغنوشي: نحن حركة لا تستمد وجودها من ترخيص يعطى من حكومة، حيث إن وضع الأحزاب التي ولدت بترخيص سيكون حرجًا جدًا إذا سحبت منها هذه الورقة، أما حركتنا فشهادة میلادها جملة نضالها خلال عقدين من الزمن، من أجل استعادة الهوية العربية الإسلامية لتونس، ومن أجل تنمية البلد والتوزيع العادل لثروته، وربط البلد بمحيطه العربي والإسلامي، وهو نضال والحمد لله قد أثمر ثمارًا يانعة عند الشبيبة التونسية، فما من حركة اليوم.. بل ما من تيار فكري وسياسي يجد من الصدى من الشباب التونسي.. كما تجد الحركة الإسلامية، وهي الحركة الأوسع صدى على المستوى العمالي، وعلى مستوى النقابات، والقطاعات المحرومة، وقد أثبت خطاب الحركة ذلك في الانتخابات الماضية.· الترخيص :
المجتمع: لماذا حرصتم على طلب الترخيص الحكومي؟
الأستاذ الغنوشي: إن حرصنا على الترخيص على إدراج نشاطنا ضمن الإطار القانوني لا ينطلق من خوف على وجودنا، وإنما ينطلق أساسًا من الخوف على المشروع الديمقراطي في تونس، إن هذه التجربة مهددة تهديدًا حقيقيًا إن لم يعترف بالحركة ذات التوجه الشعبي مثل حركتنا، فحرصنا هو أن ينمو الوجود السياسي الثقافي للحركة الإسلامية، وأن يترشد في إطار معقول من الحريات العامة، حتى يكون عاملًا إيجابيًا مثمرًا في المجتمع التونسي، ومن ناحية أخرى فإن إنكار الوجود لشيء موجود هو لا شك أمر تعسفي يهدد هذا التيار الإسلامي الواسع القوي، بأن تنمو داخله تطلعات قد لا تكون منسجمة مع الديمقراطية، وقد تمثل عوائق للتنمية الحقيقية وتضع صعوبات حتى أمام قيادات الحركة نفسها، ماذا سنفعل إذًا؟ وهنا لا بد من التأكيد بأن مواقفنا ستتأثر شئنا أم أبينا بموقف الحكومة، ونحن لا نزال نغلب الظن في أن التوجهات العاقلة في السلطة وعلى رأسها رئيس الدولة ستتغلب على التوجهات الرجعية الارتدادية داخل الحزب وداخل النخبة، وإذا كان رفض الترخيص للحركة قد برر نفسه بشبهة قانونية تتمثل في أن المتقدمين بطلب الترخيص لحزب النهضة ليسوا بعد حائزين على حقوقهم المدنية، فتلك فضيحة للقانون، وفضيحة للقرار السياسي أن يثير هذه الفئات التي ناضلت ضد الديكتاتورية والتغريب، سواء ما كان منها ذو توجه إسلامي أو ليبرالي أو قومي عربي أو يساري، إن هذه الفئات المجرمة تنتظر القانون حتى يرفع عنها صفة الإجرام... مثل هذه الحقيقة فضيحة للثقافة والقانون، وعلى كل فإذا كانت هذه الشبهة التي استند عليها مبدأ الرفض قد زالت اليوم بصدور العفو الدستوري أو العفو التشريعي العام، فلم يبق هناك من مبرر لرفض الاعتراف بحركة النهضة.· الصحافة الإسلامية :
المجتمع: ما الموقف في تونس من الصحافة الإسلامية الوافدة؟
الأستاذ الغنوشي: في الحقيقة أن معظم هذه المجلات قد منعت في نهاية المرحلة البورقيبية، في مرحلة الجنون البورقيبي، في أرذل العمر البورقيبي، حيث أصبح الرجل يتصرف بجنون وطغيان فتصور أنه قادر على استئصال الحركة الإسلامية باستئصال جذورها وينابيعها وعنده -وهو محق- أن هذه الجذور والينابيع تتمثل في رصيد الثقافة الإسلامية العربية في تونس، فإذًا ليستأصل، ثم لـ: «يفرنس» البلد ويمنع التعريب، وإذ يتقي برامج التربية والتعليم من أثر الثقافة العربية والإسلامية، وإذ يصادر المجلات الإسلامية، وإذ يمنع توريد الكتاب العربي والإسلامي والمجلات، فهو بذلك سيقضي على الحركة الإسلامية، والحمد لله أن المكر السئ لم يحق إلا بأهله وذهب الطاغية إلى نفس مصير أمثاله من الطغاة، واستمر التوجه العربي والإسلامي لتونس قويًا، ومعظم هذه المجلات قد منعت في العهد الماضي واستمر منعها في العهد الجديد مثل مجلة الوعي الإسلامي الكويتية ومجلة المنار الإسلامي الإماراتية ومجلة الإصلاح الاجتماعي وجريدة المسلمون ومجلة الأزهر، وهي مجلات لا يطعن أحد في اعتدالها وفي إنها ليست لخدمة حزب سياسي معين، وإنما هي تخدم الحد الأدنى من الثقافة الإسلامية، لا شك أن استمرار منع هذه الإصدارات مقابل الانفتاح على ثقافات التغريب يمثل استمرار مظلمة قديمة في العصر الحديث، ونأمل أن ترفع هذه المظلمة بدل أن يزداد حجمها بمزيد من المنع والتضييق على التيار العربي الإسلامي، خاصة وقد صدر قانون في البلاد يمنع تكوين حزب على أساس من اللغة والدين أي اللغة العربية.· العلاقة مع التيارات الأخرى:
المجتمع: في فترة التضييق البورقيبي كسبت الحركة عطف التيارات السياسية التونسية بمختلف توجهاتها، فما طبيعة العلاقات الآن بين الحركة الإسلامية والتيارات السياسية والأيديولوجية الأخرى في تونس؟
الأستاذ الغنوشي: تميزت المرحلة البورقيبية في فترتها الثانية منذ السبعينيات إلى أن سقط بورقيبة بنمو علاقات تعارف وتعاون بين مختلف التيارات السياسية في تونس، على اختلاف مراجعها الفكرية سواء ما كان منها إسلاميًا أو علمانيًا أو شيوعيًا، وكان هذا التعاون على أساس مواجهة التسلط البورقيبي والنضال من أجل إقرار الحريات العامة، وكان هذا أهم هدف اجتمعت عليه الفئات المختلفة، فسقط بورقيبة، وإعلان العهد الجديد جملة من المبادئ والشعارات التي تستجيب لمحصلة نداءات الحركة السياسية في العهد الماضي أوجد نوعًا من التراخي أو الفتور في العلاقات بين مختلف هذه الأحزاب السياسية، ولم يعد هناك عامل خارجي يشكل ضغطًا عليها لتلتقي لمواجهة عدو مشترك، فلقد سقط العدو المشترك، فزال الدافع إلى التواصل وإلى اللقاء بين المختلفين، ورغم أن هذه العلاقة بيننا وبين زملائنا من الأحزاب الأخرى قد أصابها نوع من التشنج أو سوء التفاهم وكان ذلك في الغالب ليس من جانبنا، فإننا نستطيع القول بإن هذه العلاقات في عمومها ظلت في إمكانية التجدد وإمكانية اللقاء، رغم أن مبررات اللقاء في العهد الجديد كما قلت قد قلّت، ولكن لو حدثت ظروف جديدة مثل الظروف السابقة لأمكن اللقاء مجددًا مع معظم هذه الأطراف على الأقل، فعلاقاتنا إذًا عادية مع معظم التوجهات السياسية في البلد.· برقية شكر للرئيس بن علي:
المجتمع: حين وصولكم إلى الكويت في زيارتكم هذه، أبرقتم إلى الرئيس بن علي، ما محتوى البرقية؟
الأستاذ الغنوشي: فعلًا أبرقت للرئيس ابن علي شاكرًا ومهنئًا له على وفائه بالعهد الذي قطعه على نفسه بإصدار العفو الدستوري أو العفو التشريعي العام، وهو مطلب قد التقت عليه الحركة السياسية في تونس منذ عقد ونصف وأكثر وهو مطلب عزيز على أحرار تونس لا لأنه يعيد الاعتبار إلى أجيال من مناضلين كافحت ضد الاستبداد، فالشعب لم ينظر يومًا إلى هذه الفئات على أنها مجرمة حتى يأتي القانون والعفو التشريعي ليعيد إليها أو ليزيل عن توجهها المتلوث، هذه الوجوه ناصعة ولكن لأن القانون في بلادنا قد تطور وأصبح معبرًا عن الواقع، فالواقع يشهد بأن هذه الفئات السياسية التي نظر إليها القانون طويلًا، حاكمها القانون وجرمها، والشعب ينظر إلى أنهم مناضلون، ونحن مبتهجون أن القانون قد تطور حتى اعترف بالواقع، تطور إلى أن مستوى الواقع، ولذلك شكرنا رئيس الدولة على هذه الخطوة الجريئة التي خطاها بتقديم مشروعه للعفو التشريعي العام إلى المجلس النيابي، وقد صدر القانون منذ أيام قليلة رغم مؤاخذتنا على أن العفو كان دون طموحات الحركة السياسية المناضلة في تونس، إذ لم يقر بحق هؤلاء المناضلين في العودة إلى الشغل وفي التعويض على ما نالهم من غرم مالي ومعنوي ، ولكن على كل حال هو خطوة هامة على صعيد الوفاق الوطني في تونس.· القيادة التاريخية للحركة ..
هل هي مشكلة؟
المجتمع: هناك مراقبون عرب في العاصمة التونسية، عللوا بأن سبب عدم منح -حزب النهضة- الترخيص يعود إلى وجود القيادات التاريخية على رأسه والحكومة لا تريد هذه الزعامات التاريخية.. وبغيابك عن تونس هذه الأيام قال بعض المراقبين: لعلك تنفذ رغبة الحكومة في اختفاء القيادات التاريخية من واجهة الحزب ليتم التصريح له، فما تعليقك؟
الأستاذ الغنوشي: يعني أنا متآمر مع السلطة «ضاحكًا»! قرأت هذا الخبر في الصحف وأحسب أنه قراءة خاطئة لقرار الحكومة، وأحسب أنه قراءة خاطئة للعلاقة بينا وبين الحكومة... قراءة خاطئة لأن قيادة الاتجاه الإسلامي قد أفرزها نضال تاريخي ولم يفرزها إرث، ولم ترث السلطة في الاتجاه الإسلامي، لم ينحدر هؤلاء القادة عن طريق الإرث ولا عن طريق عمل عنيف -عسكري- وإنما فرضتهم الحركة الشعبية، فرضهم النضال، والناس جميعًا يعلمون هذا، ثم أن الحكومة صرحت أكثر من مرة أنها تريد أن تتعامل مع ممثلين حقيقيين للشعب؟ فلقد جرب بورقيبة تنصيب القادة والزعماء على الأحزاب والنقابات، وما أجداه ذلك نفعًا، والقيادة السياسية لتونس عبرت أكثر من مرة أنها تريد أن تتعامل مع ممثلين حقيقيين، وما أحسب أن هذا المنهج، منهج التدخل في الحركات السياسية والمنظمات الشعبية والعمل على تنصيب قادة بالمقاس وبالشهوة، ما أحسب أن هذا المنهج يساهم في تحقيق أمن البلاد وتضامن فئاتها التضامن الأمثل، وليس في الاتجاه الإسلامي فيما أعلم من قائد تاقٍ يومًا أو زاحم يومًا في منصب في حركتنا، بل في كل مؤتمراتنا ترى معظم المرشحين الطبيعيين المتوقع أن يرشحوا، تراهم كثيرًا ما يعتذرون سلفًا عن تحمل المسؤولية ،حتى يصدر قرار بمنع الانسحاب من البداية، ويكون الاقتراع الحر وتقع مصيبة المسؤولية على من تقع، والناس يعلمون وكل متتبع لحركة الاتجاه الإسلامي يدرك أن القرار فيها ليس فوقيًا، وإنما قرار مؤسسات، ومن أفرزتهم مؤسسات الحركة الإسلامية من العبث أن تزيحهم قوة أخرى، حتى قيادات الحركة لا يملكون ذلك، فضلًا عن أن يملك ذلك غيرهم، وقد ألتمس عذرًا إذًا لمن كتب هذا؛ لأنه ليس مطلعًا على أوضاع حركتنا الداخلية.· الرخصة مرة أخرى:
المجتمع: بعد صدور العفو التشريعي العام هل تنوون مجددًا التقدم بطلب ترخيص لحركة النهضة من الحكومة؟
الأستاذ الغنوشي: ذلك هو السلوك الطبيعي، فبزوال المانع المفروض أن تتغير النتيجة، الأمور تقتضي هذا وقد علل النظام الرفض -رفض الطلب- أن المتقدمين به ليسوا متمتعين بحقوقهم المدنية، والآن قد عادت إليهم حقوقهم المدنية لم يبق مبرر لهم، اللهم إلا أن يكون الرفض مجرد علة لشيء أخر وهذا أمر خطير، فنحن نريد أن نعامل السلطة كما تعاملنا بجد.
المجتمع: ألا يؤثر وجود حركة إسلامية في تونس على دول المغرب العربي سياسيًا، وما طبيعة علاقتكم مع الأنظمة المغاربية الموجودة؟
الأستاذ الغنوشي: متسائلًا: الاعتراف بحركة النهضة هل سيؤثر على الأوضاع المغاربية؟ نعم سيؤثر ولكن تأثيره إيجابي، الاعتراف بحركة النهضة سيجعل من تونس ومن نظامها رائدة للأنظمة العربية في التوسط، هنالك معضلة من أهم معضلات الأنظمة العربية المعاصرة، وتتمثل في عدم قدرتها في كثير من الأحيان على التعامل المثمر والمرشد للتنمية والباعث على التحام الصفوف الوطنية والتعامل مع الحركة الإسلامية، فاعتراف النظام التونسي بحركة النهضة هو عامل إيجابي في المنطقة كلها، وريادة للنظام التونسي في الإطار المغربي والعربي، ونحن نحب لنظامنا أن يفوز بهذه الريادة. وأما عن موقف الجيران فما بلغنا حتى الآن أن هناك موقفًا سلبيًا قد صدر إزاء الحركة الإسلامية من أية حكومة مغاربية، بل تبلغنا المواقف الإيجابية وليس فقط موقف الحياد، ومن الناحية القانونية فالنظام التونسي نظام مستقل ذو سيادة.
المجتمع: نشكر الأستاذ راشد تفضله بالإجابة على أسئلتنا، وندعو المولى أن يرشدنا جميعًا إلى ما فيه خير أوطاننا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .