; حصاد نصف قرن منذ قيام الثورة المصرية | مجلة المجتمع

العنوان حصاد نصف قرن منذ قيام الثورة المصرية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002

مشاهدات 71

نشر في العدد 1510

نشر في الصفحة 9

السبت 20-يوليو-2002

نصف قرن يمر هذه الأيام على قيام حركة الجيش في مصر التي عُرفت باسم ثورة ٢٣ يوليو التي كانت لها تأثيرات بالغة على الوضع الداخلي في مصر، لا تزال قائمة إلى الآن، إذ إن الحكم الحالي يرى أنه يستمد شرعيته من تلك الثورة، كما كانت لها تأثيرات على عموم المنطقة العربية، وبصفة خاصة القضية الفلسطينية.

وعودة إلى الفترة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية، وقيام الثورة، فإن حدثين مهمين كانا قد وقعا:

1- بداية انحسار الإمبراطوريتين البريطانية  والفرنسية, وظهور القوة الأمريكية، وسيطرتها على مناطق كبيرة من العالم، ورغبتها في «ملء الفراغ»، في المنطقة العربية الذي سينشأ من انسحاب البريطانيين والفرنسيين.

2-قيام الكيان الصهيوني على قسم كبير من أرض فلسطين، وإطلاق إشارة البدء للمشروع الصهيوني في المنطقة.

ويُضاف إلى العاملين السابقين، عامل ثالث مصري, فقد كانت الأجواء مهيأة في الداخل لحدوث تغيير كبير وشامل، بعد أن عمُ الفساد في النظام الحاكم، وفشلت الأحزاب السياسية في أداء دور وطني، وتفرغت للصراع بينها، وهُزم الجيش المصري في حرب فلسطين، مع جيوش دول عربية أخرى بمؤامرة خطط لها الغرب، ونشأت الحركة الإسلامية المعاصرة، واشتد ساعدها، وانتشرت في مختلف ربوع مصر، وأصبحت المرشح الأول للقيام بالتغيير المنشود.

ثم كانت حركه الجيش بمثابة استباق لحركة الإصلاح الشعبي الإسلامية, وإجهاضًا لها، مثلما كانت لخدمة المشروعين الأمريكى والصهيوني في المنطقة.

أغرقت الثورة مصر والمنطقة في بحر من الشعارات الجوفاء, والتضليل الكاتب واشتعلت نار الفتن والخلافات داخل البيت العربي، ووجهت الجيش المصري لحرب العرب المسلمين في اليمن، أو للدخول طرفًا في صراع  على الحكم في الكونغو..

لكنها أبدًا لم تفعل شيئًا لمواجهة المشروع الصهيوني الذي استغل الجعجعة، والتهديدات  التي كان يطلقها جمال عبد الناصر-  في مجمع المزيد من الأموال والمساعدات، وحشد الطاقات، وتوحيد مجتمع شذاذ الآفاق الذين تقاطروا على فلسطين، وحين وقع العدوان على مصر عام ١٩٥٦م، كان القرار السهل على عبد الناصر، لا الدفاع عن أراضي مصر، بل الانسحاب من سيناء التي تشكل ثلث مساحة مصر، وهو الأمر الذي كرره ثانية في حرب ١٩٦٧م  مهديًا الصهاينة في كل مرة فوزًا ثمينًا بالاستيلاء على  الأرض، وتدمير القدرات العسكرية لمصر.... أكبر دولة عربية. 

وعلى الصعيد الداخلي، فقد توجه عبد الناصر نحو الاستئثار بالسلطة، فأقصى اللواء محمد نجيب, ثم عددًا من أعضاء مجلس قيادة الثورة، ثم حل المجلس، وأجرى استفتاء شكليًّا فاز فيه بالأغلبية المزورة، واتخذ تلك متكأ لحكمه الاستبدادي.

وللتخلص من الإخوان المسلمين  أكبر قوة شعبية في مصر، لجأ إلى تمثيلية مفبركة، أخذ بنصيحة حلفائه الجدد الأمريكيين، وهو ما سمى بحادث المنشية، إذ رتب محاولة لاغتياله، واتهم بها الإخوان، ثم اعتقل وسجن الآلاف منهم، وعلق على أعواد المشانق عددًا من خيرة رجال مصر آنذاك، ومنهم رجل القانون الإسلامي البارز المستشار عبد القادر عودة.

ولم يقف الأمر عند حربه للإخوان، بل امتد التنكيل والبطش، ليُطال كل صوت حر شريف، يرتفع بالاعتراض على سياسته الهوجاء، وتحالفاته مع أعداء الإسلام، وسادت حالة من الرعب شملت الجميع، فالعيون ترصد كل حركة، و الأذان ترهف في السمع لكل همسة، والجواسيس في كل مكان. 

وتناسى رجال الثورة، أحد أهم أهدافهم المعلنة، وهو إقامة حكم ديمقراطي سليم، فقد ذُبحت الديمقراطية؛ بسبب الاستفتاءات والانتخابات المزورة، وتكريس حكم الفرد.

أما الاقتصاد، فقد أممت  الثورة كل المشروعات، وحولتها مشاعًا ينهبه رجال الثورة وأعوانهم، وكل من لف لفهم من المرتزقة والعملاء.

  فلا غرو، والمجتمع هذا حاله، أن يفيق المصريون والعرب من تلك السكرة، على وقع المؤامرة الكبيرة والهزيمة الساحقة في حرب١٩٦٧م التي لم يصمد خلالها جيش الثورة سوى ساعات، جرى بعدها الانسحاب من سيناء، ليحصد الصهاينة نصرًا لم يكونوا يومًا يحلمون به، وذلك بفضل التآمر والعمالة التي سيطرت على الحكم  التي خططت وقادت إلى تلك الهزيمة.

مات عبد الناصر بعد الهزيمة بثلاث سنوات، وتولى بعده أنور السادات، زميله في الثورة، وأحد الذين يتحملون تبعة كل ما أدت إليه الثورة من نتائج، وأعلن السادات أنه يسير على خطى عبد الناصر، لذا لم يكن غريبًا أن يلجأ إلى الصلح مع الصهاينة، وهو نفس ما كان عبد الناصر ينوي فعله, فأخرج بذلك مصر من معادلة الصراع مع الصهاينة, وأضر بالقضية الفلسطينية أبلغ الضرر.

واليوم بعد نصف قرن من قيام الثورة، لا تزال الأهداف التي أعلنت، أبعد ما تكون عن التحقق، فالقرار السياسي مرتهن بيد من يقدم القمح والخبز والمساعدات، والسيطرة الأجنبية على الاقتصاد أسوأ بكثير مما كان عليه الحال قبل الثورة، أما عن الأحوال الاجتماعية والتعليم والصحة، وتفشي الجريمة والمخدرات، وشيوع المنكر، وبصفة خاصة في قنوات التلفاز والفساد الإداري والمالي، فحدث ولا حرج، ناهيك عن الحرب المعلنة على التيار الإسلامي و الإصلاحي الرشيد، فلا يكاد يمر يوم دون اعتقالات، وزوج بالأبرياء في السجون التي تمارس فيها أبشع عمليات التعذيب والحط من الكرامة  البشرية.

تلك مجمل إنجازات الثورة  المصرية بعد نصف قرن من قيامها، وإذا كان المؤرخون يقولون إن نصف قرن مدة كافية للحكم على الحدث، فإننا ندعو المنصفين منهم إلى دراسة تلك التجربة المريرة، واستخلاص الدروس والعبر منها، لتتفادى الأمة الوقوع في مثلها في مسيرتها، ولتعلم الشعوب الخدع والمزالق والشعارات الكاذبة، التي يلجأ إليها البعض، فتفضحهم وتتجنبهم، وتنحاز إلى الفئة الصادقة المؤمنة التي تسعى إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى ثم مصلحه الأمة. 

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً  وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ  كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (الرعد: 17).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

138

الثلاثاء 28-أبريل-1970

الأيدي الخفية

نشر في العدد 7

345

الثلاثاء 28-أبريل-1970

ماذا أعددتم لأطفالكم؟

نشر في العدد 8

170

الثلاثاء 05-مايو-1970

أفريقيَا إلى أين تذهَبين؟