العنوان دمشق وموسكو.. محاولة لإحياء التحالف الاستراتيجي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 76
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 23-يونيو-1998
ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية يوم 18/٥/1998م، أن روسيا وسورية ستوقعان قريبًا على أول اتفاقية للتعاون العسكري تبلغ قيمتها ٤٠٠ مليون دولار، وتقضي هذه الاتفاقية بتزويد دمشق بصواريخ من طراز «إس ۲۰۰ بي إم تي تي» ضمن نظام دفاعي جوي مزود برادار حديث يستطيع التقاط الطيران المنخفض والصواريخ متوسطة المدى.
ويأتي هذا التطور الملحوظ في العلاقات الروسية - السورية بعد نجاح الدولتين في التوصل إلى حل المشكلة متأخرات الديون السورية لموسكو، والتي تصل قيمتها إلى نحو ۱۱ بليون دولار، حيث سيتم تجميد الديون العسكرية التي تشكل النسبة العظمى من القروض، أما بالنسبة للديون الاقتصادية فستقوم دمشق بسدادها عبر تصدير بضائع سورية لموسكو.
العديد من المؤشرات تؤكد الرغبة الفعلية لكل من دمشق وموسكو في عودة العلاقات بينهما إلى الحقبة السوفييتية، من بين هذه المؤشرات:
1- للمرة الأولى منذ عام ۱۹۸۹م تنعقد اجتماعات اللجنة الاقتصادية الروسية - السورية المشتركة في نهاية شهر فبراير الماضي، وقد تناولت الاجتماعات اتفاقية حماية الاستثمارات، واتفاقية منع الازدواج الضريبي.
٢ - الزيارة التي قام بها رئيس مجلس الدوما الروسي «جينادي سيليزنيوف» في فبراير الماضي لسورية.
3- تصريحات الناطق بلسان الخارجية الروسية «جينادي تارسواف» بأن تطوير بلاده للعلاقات مع سورية الصديقة، يعتبر من أولويات السياسة الروسية في الشرق الأوسط.
4- الزيارة التي قام بها وزير العدل الروسي «سيرجي سيتبايشين» يوم 20/۲/1998م، لدمشق، من أجل معاودة التعاون العسكري بين البلدين، حيث وقعت الدولتان، بروتوكولا، لاستخدام الطاقة الذرية، في الأغراض السلمية بما يتماشى مع اتفاق الضمانات الشاملة الذي وقعته سورية في عام ۱۹۹۲م مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويعد التوقيع على هذا البروتوكول تنفيذًا للاتفاق الموقع بين البلدين منذ عام۱۹۸۳م.
5- تدعيم أواصر التعاون العسكري بين البلدين ففي مارس الماضي حصلت سورية على الأسلحة الروسية التالية:
- 3 أسراب من مقاتلات «ميج – ۲۹» المتعددة الأغراض، وتعتبر هذه المقاتلات جيدة من حيث القدرات والمهمات مقاتلات «إف - ١٦ فالكون» العاملة لدى إسرائيل وتعد من أحدث المقاتلات العاملة في صفوف السلاح الجوي السوري.
- أما في المجال الهجومي فهناك القاذفة البعيدة المدى من طراز «سوخوي – ٢٤» التي حصلت عليها دمشق من الاتحاد السوفييتي السابق في نهاية الثمانينيات.
تحديث الدفاعات الجوية السورية وتطوير قدراتها، عن طريق الحصول على أنواع جديدة من الصواريخ الروسية أرض - جو المضادة للطائرات، خصوصًا النظام «سام - ۱۱» المعد للحلول مكان صواريخ «سام - ٦» التي تشكل عماد نظام الدفاع الجوي السوري منذ السبعينيات.
حصول سورية على النظام الصاروخي الجديد «سام - ۱۲» المضاد للطائرات والصواريخ الباليستية وتعتقد المصادر الغربية أن فاعلية هذا النظام الروسي ضد الصواريخ الباليستية تصل إلى 3 أضعاف فاعلية الصواريخ «باتريوت» الأمريكية التي استخدمت ضد الأهداف العراقية في حرب الخليج.
ولا شك أن إمكانية تشكيل تحالف استراتيجي بين موسكو ودمشق يحقق عددًا من الأهداف السياسية - الاقتصادية - العسكرية لكلا الطرفين، يمكن إيجازها في الآتي:
أولًا- الأهداف الروسية وتتمثل في:
- الرغبة في كسر الهيمنة شبه المطلقة للولايات المتحدة على الشرق الأوسط، ومحاولة روسيا تأكيد وجودها على الساحة الدولية، حيث تعتبر مبيعات الأسلحة أحد أهم مظاهر النفوذ السياسي والوجود الاستراتيجي الذي يحافظ لروسيا على هيبتها كدولة عظمي.
- الرغبة الروسية في إحياء وتفعيل دورها في عملية السلام في الشرق الأوسط، وبخاصة بعد ما اتضح فشل الولايات المتحدة في إيجاد تسوية سلمية لهذه العملية، وتفاقم المخاطر من احتمال حدوث تصعيد عسكري بين سورية وإسرائيل مما يؤثر بالتالي على المصالح الروسية الأمنية والاستراتيجية في المنطقة.
ثانيًا- الأهداف السورية :
ويمكن إجمالها في :
- مواجهة تركيا حيث إن العلاقات السورية القوية مع روسيا يمكن أن تساعد في احتواء حرية الحركة التركية مع إسرائيل ويضاف إلي ذلك أن روسيا تشكل في الآونة الحالية تهديدًا للمصالح التركية، حيث تعمل موسكو على تصعيد وإذكاء الموقف العدائي بين أنقرة وقبرص فقد زودت روسيا قبرص عام ١٩٧٧م بصواريخ طراز «إس - ۳» بلغت قيمتها ٦٠٠ مليون دولار، مما أثار غضب تركيا التي اعتبرت ذلك تهديدا لأمنها، وأمن القبارصة الأتراك، كما حصلت قبرص مؤخرًا على ٤٠ دبابة روسية بلغت قيمتها حوالي ۲۰ مليون دولار من طراز «تي - ٨٠ يوه» المتطورة.
- إن الأسلحة الروسية لسورية سوف تعزز من آفاق التعاون العسكري السوري - الإيراني عن طريق إيجاد قاعدة عريضة نسبيًا من التجهيزات المشتركة والمخزونات الاحتياطية العسكرية، وبينما أدى حصول سورية وإيران على صواريخ سكود - C من كوريا الشمالية بشكل ظاهري إلى تعاون بين البلدين على إقامة خط إنتاج سكود في سورية ذاتها، فإن الواردات الروسية تغطي مجالات أوسع، وذات قيمة متعددة الأغراض في الأزمات كأن تستخدم من أجل نشر قوات الدعم السريع بشكل متبادل أو تستخدم في أوقات الحرب كما حصل مع الإمدادات السورية لإيران أثناء الحرب العراقية - الإيرانية.
- الاستفادة من التقنية العسكرية المتطورة لموسكو، حيث إن الأسلحة التي حصلت عليها دمشق من سوق السلاح الروسي، من طائرات، دبابات، صواريخ أرض - جو، من الصعب الحصول عليها من أسواق أخرى، فلا الصين ولا كوريا الشمالية قادرة حاليا أو في المدى القصير أو المتوسط على إنتاج أنظمة تسليح كبيرة تضاهي نظائرها الروسية.
- الرغبة السورية في استعادة حليفها القوي موسكو الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي، ليقف إلى جانبها ويؤازرها في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها.
وعلى الرغم من إرهاصات التحسن في العلاقات الروسية - السورية، فإن هناك العديد من العقبات التي يمكن أن تقف أمام إمكانية تحويل هذا التحسن في العلاقات، إلى تحالف استراتيجي بين البلدين:
1- التخوف الروسي من رد الفعل الإسرائيلي، وبخاصة أن لروسيا علاقات وثيقة بتل أبيب، ففي عام ١٩٩٤م قام الرئيس الروسي بوريس يلتسين بزيارة إسرائيل، وكان من نتائج الزيارة، توقيع البلدين على اتفاقيتين واحدة للتعاون العسكري وأخرى للتعاون التجاري.
وفي ضوء ذلك سوف يكون من الصعب على روسيا أن توازن بين الفوائد السياسية والاقتصادية للعلاقات العسكرية المتجددة مع دمشق مقابل التأثير السلبي الذي قد يتركه ذلك على علاقاتها مع تل أبيب.
۲- حرص سورية على علاقتها بالولايات المتحدة حيث تسعى سورية باستمرار إلى ضمان الرعاية الأمريكية لعملية السلام، وفتح آفاق للتعاون الاقتصادي بين البلدين، لذا من غير المحتمل أن تسمح دمشق لعلاقتها مع روسيا بأن تؤثر على علاقاتها مع الولايات المتحدة.
3- الخلاف الروسي - السوري، حول كيفية صياغة شكل العلاقة بينهما، وهذا ما اتضح في اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة حيث اعتبرت سورية هذه الاجتماعات، أنها الاجتماعات الأولى من نوعها، وأن اتفاقية التعاون في مجال الطاقة الذرية، اتفاقية جديدة ولا تعود إلى عام ۱۹۸۳م مثلما قيل، في حين ترى موسكو أنها اجتماعات دورية، وتعتبر بمثابة استمرار للاتفاقيات السابقة.
إن ما سبق ذكره يعني أن دمشق لا تريد الاعتراف بصورة رسمية بأن علاقاتها مع موسكو استمرار لعلاقاتها مع الاتحاد السوفييتي طالما أن موسكو الروسية غير قادرة على لعب دور موسكو السوفييتية أما بالنسبة لموسكو فمن الواضح أنها تريد قصر التعاون بين البلدين على الجوانب العسكرية والاقتصادية دون أن يتخطاه إلى الجوانب السياسية.
4- إن روسيا اليوم، ليست الاتحاد السوفييتي السابق حيث تعاني موسكو من عدم الاستقرار الداخلي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي سيؤدي بالتالي إلى ضعف إيمان سورية بإمكانية إحياء العلاقة الاستراتيجية معها على منوال العلاقة السابقة مع الاتحاد السوفييتي، وسوف يحد من الاتكال السوري على روسيا كقوة موازنة فعالة ضد إسرائيل .
مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل