العنوان دمشق .. متى يشرق وجهـك الإسلامي؟
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1377
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
أبحث عنك بحث العاشق الوله مع إطلالة كل صباح، وتسبيحة كل طير، وتكبير كل روض، أين أنت يا دمشق، يا حبيبة الملايين، وملايين الملايين يوم كنت سدة الدنيا تحكمين الأرض من مسجدك الأموي، والصين - التي هي اليوم أكثر من خُمس الأرض - تخطب ودك، يوم وضعت قدم ابنك ابن القاسم الثقفي في أقصى الشرق في السند والهند، وقدم ابنك الآخر موسى بن نصير في قلب أسبانيا، يوم كانت الأرض تأتمر بأمرك.
ماذا دهاك اليوم يادمشق؟
أسأل عنك في القنوات الفضائية التي تطلين منها على الدنيا، فإذا بك تعرضين مفاتن بناتك ورقصاتهن ومجونهن، ترى أنسيت من أنت حتى تجعلي عرضك مستباحًا إلى هذا الحد؟ أهذه هي بضاعتك التي تملكين يا ظئر الإسلام.. كما أسماك شوقي؟.
أبحث عنك في كل صحيفة تصل إليها يدي، فلا أراك إلا في صفحة الفن تعرضين على الدنيا كل يوم جديد مسلسلاتك التي فتنت بها العشاق بجمال بناتك الكاسيات العاريات، أو أجدك في صفحات الآثار تنبشين كل مآثر الجاهلية عندك قبل الميلاد بعشرين قرنًا وبعده تخرجين معابد الآلهة، وحضارة الوثن، ومغاني الجاهلية ونخوتها التي أذهبها الله عنك، أسأل عنك في مساجدك، فتقدمينها على استحياء كبير حتى لا يتهموك بالتعصب، فقد غيرت هويتك في هذا القرن، واخترت هوية القومية العربية بدلاً من الإسلام، أو أجدك تمتنعين عن الصلح ما لم يعيدوا إليك الجولان المفقود، وتركت فلسطين التي باعها أدعياؤها لليهود.
ما الذي دفعني إلى هذه المناجاة؟
بينما أنا أتتبعك في كل سطر وفي كل صحيفة، راعني هوية جديدة قررت أن تبرزي فيها مع مطلع الألفية الثالثة للميلاد، قررت أن تخلعي حتى ثوبك القومي بعد أن خلعت ثوبك الإسلامي، وأن تلبسي أبهى حللك، وأجمل مفاتنك بثوبك النصراني، وحتى لا تُتهميني بالشك الذي هو طبيعة العشاق - هاك ما كتبت عنك جريدة الحياة (الأحد 7 أكتوبر ۱۹۹۹م العدد ۱۳۳۷۱).
الاحتفالات تركز على الآثار النصرانية
وفي مساحة واسعة جدًا مع الصفحة تعرضين برنامج ملابس سهرتك الجديدة كاملة بحيث تقدمين إلى العالم كل الآثار والمعابد النصرانية التي عندك في الألفية الثالثة لميلاد المسيح - عليه السلام - وعلى رأس المقال صورة ضخمة كتب تحتها : «معلولا التي لاتزال تتحدث بلغة المسيح عليه السلام»، أي اللغة الآرامية أو السريانية.
حذار ياظئر الإسلام أن تفهمي مني أنه يؤذيني عرض تاريخ المسيح - عليه السلام - أو تاريخ حوارييه، فهؤلاء أجدادي أحبهم حبي لمحمد-صلى الله عليه وسلم- وصحابته، وهو الذي أورثني حبهم حين قال يدعونا لنكون مجاهدين مثلهم.
«لقَدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بمِشَاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ عِظَامِهِ مِن لَحْمٍ أوْ عَصَبٍ، ما يَصْرِفُهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُوضَعُ المِنْشَارُ علَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فيُشَقُّ باثْنَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذلكَ عن دِينِهِ [1]»
ودعيني أحدثك عن الألف الأولى للميلاد يوم أشرق وجهك الإسلامي العظيم بنور المسيح عليه الصلاة والسلام.
«ولما سمع بولس أن المسيح - عليه السلام - قد توجه نحو دمشق، جهز بغاله وخرج ليقتله فتلقاه عند كوكبًا، فلما واجه أصحاب المسيح، جاء إليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه، فلما رأى ذلك وقع في نفسه تصديق المسيح، فجاء إليه، واعتذر عما صنع وآمن به، فقبل منه وسأله أن يمسح عينيه ليرد الله عليه بصره، فقال: اذهب إلى ضينا «أحد أتباع المسيح المختبئ خوفًا من بطش بولس» عندك بدمشق في طرف السوق المستطيل من المشرق، فهو يدعو لك، فجاء إليه فدعا، فرد عليه بصره وحسن إيمان بولس بالمسيح - عليه السلام . أنه عبد الله ورسوله[2]»
وأشرق وجهك الإسلامي ثانية في النصف الثاني من الألف الأولى للميلاد يوم وطئ ثراك جنود محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى رأسهم أمين الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وسيف الله خالد بن الوليد. وجاءوك بخاتمة الرسالات، حكمت الدنيا بهذا الدين، ونقلته إلى أصقاع الأرض معلنة كفر تأليه عيسى بن مريم، وكفر الأقانيم الثلاثة مع حفاظك على أبنائك النصارى والمسلمين في قلبك متجاورين متحاورين رغم اختلاف العقائد.
مالك الآن نسيت الرسالة، ونسيت الشهادة، وقررت أن يكون احتفالك بمقدم الألف الثالثة للميلاد بالوجه النصراني الكامل، وكأنما لم يرسل محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم ينزل القرآن كتاب الله على هذه الأرض؟
أما خطر ببالك يا ظئر الإسلام أن تعرضي شيئًا من أمجادك بهذا الدين؟ أدعوك يا فاتنة القلب إلى أن تعيدي إلى ذاكرتك الذكرى المشؤومة، بداية الألف الثانية للميلاد يوم كنت محكومة للعبيديين الذين وصفهم علماء الإسلام أنهم « كفار فساق فجار ملحدون زنادقة معطلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والثنوية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمر، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية[3]» وعلى رأس هؤلاء العلماء الذين وصفوهم بذلك علماء شيعة علويون، وعلماء السنة، كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية.
كنت يا دمشق محكومة من هؤلاء العبيديين الفاطميين، وكنت معذورة بذلك، فضاعت أرض الإسلام آنذاك بين الصليبيين والتتار والعبيديين، ولم يمر مائة عام من الألفية الثانية للميلاد، حتى نزل بك نور الدين زنكي، وبعث جنديِّه صلاح الدين إلى مصر، فأنهى العبيديين من أرض الإسلام، وهزم ملوك أوروبا في حطين، واسترد بيت المقدس... وكان هذا في بداية المائة الثالثة للألف الثانية للميلاد ١٢٠٤م، ثم ثوى في أحضانك، دون غيرك فصرت دمشق صلاح الدين.
هل نسيت يا دمشق هذا كله؟
هل أنت يا دمشق اليوم تعانين ما كنت تعانين قبل قرابة ألف عام، يوم احتل الفرنج الصليبيون فلسطين، ومكثوا فيها اثنين وتسعين عامًا، وها هم اليهود اليوم يحتلونها وقد مضى قرابة خمسين عامًا ونيف؟
أي دمشق.. الحبيبة الغالية ..
باسم وجهك القومي كنت تصرين على ألا تتنازلي عن حبة من تراب فلسطين، أردت تحريرها عام سبعة وستين وتسعمائة وألف بغير الإسلام، كنت تودين تحريرها بتحدي القدر كما كانت إذاعتك تُذيع:
ميراج طيارك هرب الميج تتحدى القدر
وكنت تريدين تحريرها بعد أن كتب أحد أبنائك في مجلة «جيش الشعب»: «إن الله والإسلام والأنبياء يجب أن يتحولوا إلى متحف التاريخ» وأعلنت للدنيا أنك ومصر ستحرران فلسطين باسم القومية العربية وباسم البعث العربي الاشتراكي، ثم ماذا كانت النتيجة؟ أخذ اليهود كامل التراب الفلسطيني، وأخذوا منك الجولان، ومن مصر أختك سيناء.
وها أنت اليوم تريدين الصلح مع اليهود، مقابل استعادة الجولان فقط التي أضاعها سدنة القومية العربية، وسدنة البعث العربي الاشتراكي.
أما آن أن تفيئي إلى الله؟ متى يشرق وجهك الإسلامي؟ ألم تكف هزيمة حزيران لتعيدك إلى صوابك وإلى حظيرة الإسلام؟
يقولون إن فيك الأسد حامي عرينك، حتى صرت لا تعرفين إلا به، فإن كان الأمر كذلك فاطلبي منه أن يعيد إليك هويتك المفقودة، حتى تتمكني من تحرير الشام كلها وفلسطين كلها، ويعود إليك مقود الدنيا من جديد.
لقد طالبنا بذلك يا حبيبة القلب، وحُرِمنا منك ومن ثراك الحبيب، ولسنا نادمين على ذلك ففي سبيل الله ما لقينا، ولن يضيرنا العمر كله أن نمضيه بعيدًا عنك، وفي كل ذرة دم من دمائنا لوعة لفراقك وشوق إليك، مقابل أن يعود إليك وجهك الإسلامي، يشرق على الدنيا.
یا ظئر الإسلام.. هل لك أن تجعلي احتفالاتك بدخول الألفية الثالثة.. منطلقة من عودة المسيح عليه الصلاة والسلام - إليك، وعلى منارتك الشرقية في المسجد الأموي لينهي وجود اليهود في الأرض، وتجعلي احتفالاتك إيذانًا بهذه البشائر وأذانًا بعودة النصر؟ ستبقين يا دمشق ظئر الإسلام، وستبقين منارة العروبة، وستبقين خير مدائن الأرض كما قال عنك المصطفى صلي الله عليه وسلم «ستفتح عليكم الشام، فإذا خيرتم المنازل فيها، فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين في الملاحم، وفُسطاطها منها بأرضٍ يقال لها الغوطة[4]»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل