العنوان دلالات الموقف الكنسي من بناء مسجد الناصرة
الكاتب الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
مشاهدات 67
نشر في العدد 1377
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
لورانس براون : الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام وقدرته على التوسع والإخضاع.. إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الغربي
تكلم بعض المسلمين في مؤتمرات عالمية، وندوات مختلفة، عن مفهوم تسامح المسلمين مع غيرهم من أصحاب المعتقدات الأخرى.. كما خصصت مؤتمرات عن حوار الأديان ولقائها وتفاهمها.
والواقع، أننا كنا نتكلم من وجهة منظور إسلامي، وقد لا يخفى أن المنظور الإسلامي لا يتغير سواء كان المسلمون أقوياء يتهيب الناس بأسهم، أم ضعفاء مساكين لا يهتم بهم أحد، ولا يسمع منهم أحد - كما الآن - ولكن يبدو أن المسلمين اندفعوا في عرض مفهوم الحوار والتسامح نتيجة لما يردده الغرب - عن قصد – من أن الإسلام دين الإرهاب.
وبدا لي بعد دراسة واسعة، خاصة أنني شاركت في هذه المؤتمرات ببحوث ودراسات، وسافرت إلى الولايات المتحدة للمشاركة في مؤتمرات إسلامية.. يبدو لي أن أصحاب العقائد غير الإسلامية حسبوا هذا ضعفًا منّا، في وقت نحن نعاني من الضعف الفكري والتفكك الاجتماعي، والتخلف عن ركب العلم، وآفاق المستقبل والانهزامية النفسية.
لقد هالني ونحن ندعو للحوار، والفاتيكان يكوِّن لجانًا لهذا الحوار، أن يعلن الفاتيكان: أن موافقة إسرائيل لإقامة مسجد في الناصرة على أرض وقف إسلامي تكون بمثابة حجر عثرة أمام الترتيبات الخاصة بزيارة البابا يوحنا بولس الثاني.
أرأيتم يا مؤيدي الحوار الحضاري، وحوار الأديان ماذا يفعل الفاتيكان؟ يتحرك، ويهدد لأن مسجدًا صغيرًا يقام على أرض وقف إسلامي كان مسجدًا منذ سنوات وهدمه المسلمون ليبنوه من جديد.
إذن هؤلاء الناس لا يريدون من الحوار كما نريد نحن، نحن نريد أن نفتح آفاق التفاهم والإقرار بالاعتراف بالآخر.. وهم يريدون القضاء على المسلمين وإدخالهم في عولمة استعمارية يخضع فيها المسلمون لغيرهم خضوعًا.
ومن الغريب أن يردد كثير من المثقفين المسلمين ما يقوله الغرب ويدافعون عن الغرب، ومقولاته، وتصوراته، وعولمته، ويصور للقارئ المسلم أن العولمة مفتاح أبواب التقدم، وفات هؤلاء أن الصليبية والصهيونية تسعيان معًا للسيطرة على مقدرات مجتمعات الأمة الإسلامية.
قال تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَاٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ﴾ (البقرة : ۱۲۰).
والباحثون يدركون أن أوروبا اكتشفت الفكر الإسلامي، في مرحلتين من مراحل تاريخها: فكانت مرحلة القرون الوسطى، قبل «توماس الإكويني» وبعده تريد اكتشاف هذا الفكر، وترجمته.. من أجل ثراء ثقافتها بالطريقة التي أتاحت لها فعلاً تلك الخطوات التي هدتها إلى حركة النهضة منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي.
وفي المرحلة العصرية والاستعمارية، فإنها تكتشف الفكر الإسلامي مرة أخرى، لا من أجل تعديل ثقافي، بل من أجل تعديل سياسي، لوضع خططها السياسية مطابقة لما تقتضيه الأوضاع في البلاد الإسلامية.
يذكر المؤرخون أن الجيوش الأوروبية الصليبية لما هاجمت بلاد الإسلام كانت مدفوعة إلى ذلك بدافعين.
الدافع الأول: الدين، والعصبية العمياء التي أثارها رجال الكنيسة في شعوب أوروبا، مفترين على المسلمين أبشع الافتراءات، ومحرضين النصاري أشد تحريض على تخليص مهد المسيح من أيدي الكفار - أي المسلمين.
والدافع الثاني: سياسي استعماري، فلقد سمع ملوك أوروبا بما تتمتع به بلاد المسلمين من حضارة وثروات، فجاءوا يقودون جيوشهم باسم المسيح، وما في نفوسهم إلا الرغبة في الاستعمار والغصب، وشاء الله أن ترد الحملات الصليبية مدحورة مهزومة.
وقد بدأت الحروب الصليبية منذ القرن الحادي عشر، واستمرت حتى نهاية القرن الثالث عشر، أي ما يقرب من مائتين وخمسة وعشرين عامًا في ثماني حملات مدججة بالعدد والمعدات.
رواية كاهن عن مجازر الصليبيين
ويصف كاهن مدينة «لوبوي ريموند واجيل» سلوك الصليبيين حينما دخلوا القدس، فيقول: «حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها، فقطعت رؤوس بعضهم، فكان أقل ما أصابهم، وبقرت بطون بعضهم، فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن هذا لم يكن سوى بعض ما نالوه».
وروى الكاهن نفسه خبر ذبح عشرة آلاف مسلم في مسجد عمر - رضي الله عنه - ويقول في هذا : «لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، فكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح، كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها. وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة، لا يطيقون رائحة البخار المنبثعة من ذلك إلا بمشقة».
ويذكر التاريخ أن الحملة الصليبية عند دخولها بيت المقدس في 15 مايو عام ١٠٩٩م، قد ذبحت أكثر من ٧٠ ألف مسلم، حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء، وفي أنطاكية قتلوا أكثر من مائة ألف مسلم.
إنه حقد الشر على الحق، والرذيلة على الفضيلة، وعداوة الشرك للتوحيد، وخصومة الضلال للهدى.
وقد صمدت الأمة المسلمة في وجه هذه الحروب الوحشية التي سلبت ونهبت وقتلت وفتكت، وبعد مضي أكثر من قرنين من حروب دامية، اشتد وطيسها بين كتائب الإيمان، وبين جحافل الشر، وارتدت الحروب الصليبية، وقد باءت هذه الحملات بالإخفاق والهزيمة، حتى وقع لويس التاسع قائد الحملة الصليبية الثامنة، وملك فرنسا أسيرًا في مدينة المنصورة في مصر، ثم خلص من الأسر بفدية، ولما عاد إلى فرنسا أيقن أن قوة الحديد والنار لا تجدي نفعًا مع المسلمين الذي يملكون عقيدة راسخة تدفعهم إلى الجهاد، وتحضهم على التضحية بالنفس، وبكل غال.
إذًا لابد من تغيير المنهج والسبيل، فكانت توصياته: أن يهتم أتباعه بتغيير فكر المسلمين، والتشكيك في عقيدتهم وشريعتهم، وذلك بعد دراستهم للإسلام لهذا الغرض، وهكذا شهدت المعركة انفتاح ميدان جديد هو ميدان الفكر.
الغزو الفكري
ولقد بدأت حركة «الغزو الفكري» من منطلق ضرب المسلمين عن طريق الكلمة بعد هزيمة الحروب الصليبية - كما وجههم «لويس التاسع»- والعمل على ترجمة القرآن والسنة، وعلوم المسلمين، للبحث عن الثغرات التي يدخلون منها إلى إثارة الشبهات، وقد أعلنوا صراحة: أن الإسلام عدوهم الأول، وأن ضرب قواعده أكبر غاية لهم.
لقد فشلت الحروب الصليبية من الوجهة الحربية.. لكن بقي الغزو الفكري ينفث سمومه، ويثير الشكوك، وبقيت النزعة الصليبية تتوارى خلف ستار من الدبلوماسية، والرياء السياسي، تحرك ما تريد تحريكه، وتقف خلف الغزو الفكري بكل ما لها من قوة وعلم.
ولا شك أن العداء الصليبي للإسلام هو الدافع الأساسي والأصيل «للغزو الفكري»، هذا العداء أخذ شكل «السعار الوبائي» فأخذ الصليبيون مستميتين يوزعون السموم، ويفترون الأكاذيب، ويطمسون الحقائق، ويدبرون المكائد، ويتصيدون السقطات، ثم يدخلون في روع أنفسهم، وبني جلدتهم أنهم أرقى عنصرًا وأفضل عقلاً، وأفلح دينًا، وأنهم أوصياء على البشرية، وسادة الإنسانية وهداتها ومرشدوها.
يقول «وليم جيفورد بلجراف» الإنجليزي المسمى بالحرباء: الكلمة المشهورة التي يلخص فيها عداء الغربيين للإسلام: «متى توارى القرآن، ومدينة مكة، عن بلاد العرب، يمكننا أن نرى العربي، يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه».
ويوضح هذا العداء، ويذكر بعض أسبابه المستشرق بيكر فيقول: «إن هناك عداء من النصرانية للإسلام، بسبب أن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى، أقام سدًا منيعًا في وجه الاستعمار، وانتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها».
ويقول في هذا المعنى «لورانس براون»: إن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الغربي.
ثم بين لورانس براون: أن خطر المسلمين هو الخطر العالمي الوحيد في هذا العصر الذي يجب أن تجتمع له القوى، وتجيش له الجيوش، وتلتفت إليه الأنظار، فيقول حاكيًّا آراء المنصِّرين: «إن القضية الإسلامية تختلف عن القضية اليهودية، إن المسلمين يختلفون عن اليهود في دينهم، إنه دين دعوة، إن الإسلام ينتشر بين النصارى أنفسهم، وبين غير النصارى، ثم إن المسلمين كان لهم كفاح طويل في أوروبا - كما يراه المنصرون - وهو أن المسلمين لم يكونوا يومًا ما أقلية موطوءة بالأقدام».
ثم يقول: «إننا من أجل ذلك نرى المنصرين، ينصرون اليهود على المسلمين في فلسطين، لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي والخطر الأصفر باليابان وتزعمها على الصين، وبالخطر البلشفي، إلا أن هذا التخوف كله لم يتفق «لم نجده ولم يتحقق» كما تخيلنا، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفر، فإن هناك دولاً ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتها، ولكن الخطر الحقيقي كان في نظام الإسلام».
هذا الحقد .. لماذا ؟
ولقد اشترك الاستعمار الغربي، والجهد التبشيري والحقد الصليبي في حرب المسلمين، وتشتيت تراثهم، ونهب ديارهم، بحيث أصبح يخيم عليهم كسحابة سوداء من البغضاء والكراهية، يتمثل هذا فيما حدث في عام ١٩١٨م عندما دخل اللورد اللنبي القدس وأعلن: «الآن انتهت الحروب الصليبية»، كان هذا القائد يعبر عن الروح الأوروبية، الروح الصليبية التي ظلت متوهجة في أعماقهم طول تلك الحقب.
وبالحقد نفسه الذي صدر عن الجنرال الإنجليزي اللنبي، كان مسلك الجنرال الفرنسي غورو «قائد الجيش الفرنسي في دمشق حين ذهب إلى قبر صلاح الدين، بعد أن جاء راكبًا سيارة مكشوفة، وترجل إلى القبر، وقال قولته المشهورة: «نحن هنا يا صلاح الدين»، وفي اليوم التالي عمل الشيء نفسه في حمص، حيث ذهب إلى قبر «خالد بن الوليد» - رضي الله عنه - وقال: «نحن هنا يا خالد».
هذا الحقد والضغن، والمقت، كان سببًا قويًّا في الإغارة على المسلمين بشتى الأساليب والطرق والأشكال والألوان، ومازالت تلك الموجة تعلو وتشتد وتمتد ثقافيًّا وفكريًّا، لتخريب قواعد الإسلام، والأخلاق الإسلامية، وإشاعة الأفكار والتيارات الهدامة، وشغل الأمة الإسلامية بكل ما هو هامشي في حياتها، حتى لا تدرك اليقظة الواعية، ولا تنتبه إلى ما يُحاك حولها.
لقد وجد الغربيون أن خير طريق لغزو العالم الإسلامي وإخضاعه هو سلوك الغزو الفكري، فوضعوا الخطط، وحاكوا المؤامرات للغارة على الأفكار والمفاهيم الإسلامية، وعلى كل ما له صلة بالإسلام، حضارة وثقافة، وصارت قاعدتهم التي ارتكزوا عليها: «إذا أرهبك عدوك فأفسد فكره ينتحر به، ومن ثم تستعبده».
وانطلقت الصيحة إلى ضرورة نقل المعركة من ساحة الحرب إلى ميدان الفكر والمعرفة. فأغاروا على حضارة الإسلام وثقافته سعيًّا وراء هدم عقائده وأفكاره، ونشر الأفكار الغربية بديلاً عنها.
وإذا كان الأمر - كما ذكرت - فإن على المجتمعات الإسلامية أن تعيد حساباتها قبل فوات الأوان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل