العنوان دفاعا عن الإمام البخاري
الكاتب ثروت مكايد عبد الموجود
تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009
مشاهدات 85
نشر في العدد 1857
نشر في الصفحة 47
السبت 20-يونيو-2009
كثيراً ما يصاب المرء بالدهشة وهو يرى من يتهم الإمام البخاري وصحيحه بما لا يصح ولا يستساغ إلا من عقول سقيمة، في حين يستمسك بأخبار واهية أو موضوعة ، يرجع إليها في حكمه على الصحيح وصاحبه!
إن من يعرض على دجال دواء كتبه طبيب ليبدي فيه الدجال رأيه، إنسان أحمق بين الحمق، وليس هذا لأن الطبيب مقدس، وإنما لكونه مؤهلا لتشخيص الداء ووضع الدواء. وقل في الصحيح وصاحبه مثل ذلك، على أن هؤلاء "الفسول" مهما أتيت لهم بحجج تدحض ترهاتهم لا يرجعون .. لأن غايتهم ليست معرفة الحق وإنما هدم الدين .. تلك أمانيهم، ومن ثمَّ لم يأت كاتب هذه السطور بالحجج لمن أطلق الترهات والشبهات وإنما لعقول قد ترى في الورم عافية، لضعف حصيلتها من المعرفة وقلة درّبتها على استخدام ما وهبها الله من عقل .. وهل صرنا في ذيل القافلة إلا بهذا ؟
إن الدفاع عن البخاري وصحيحه دفاع عن عقل الأمة؛ لأن البخاري لا ينقص منه جهول شيئاً، كما لا يصيب أبله رمى الشمس بحجر منها شيئاً..
وأولى هاته الحجج: لا يصح في منطق العقل أن يشهد لأحد في صنعته إلا أهل تلك الصنعة بل أئمتها ، فإذا شهدوا له بذلك، فلا يلتفت لمن يشكك في قدر المشهود له.
إن مَثَل ذلك كطالب منحته الجامعة درجة الدكتوراه في علم من العلوم، فهل يأتي "سباك" - مثلا- ليشكك في قيمة الشهادة أو صاحبها ! وكفى البخاري وصحيحه أن أجمع علماء هذا الفن على إمامته وعلو قدره وطول باعه، فلا يلتفت للمشكك، بل يلزم من تشكيكه إثبات حقده وفقر فكره.
الحجة الثانية: ليس الأمر في قدسية البخاري من عدمه، كما يريد البله أن يقيموا حول هذه النقطة معركة ، لكن القدسية فيما نقله البخاري في صحيحه عن صاحب الوحي صلى الله عليه وسلم، وقد تلقت الأمة. صحيح البخاري بالقبول، ولم يخرج عن هذا من يعتد به أو ما ينقض الإجماع.
الحجة الثالثة: قولهم: في الصحيح ما يخالف العقل مردود من وجوه:
الأول: إن خالف ما في الصحيح عقولكم، لسقم فيها وعلة فلا يعني هذا أن يخالف العقل جملة .. ولو صحت نيتهم لردوا ما لم يفهموه إلى العلماء وقد بينوه، فدل عدم ردهم على عمق حقدهم وفداحة جهلهم.
الثاني: إن الطالب إذا لم يفهم درسًا من المنهج أسرع لسؤال الأساتذة ليفهم، ولا يتهم المنهج بالخطأ، مع أن المنهج عرضة للخطأ، أفلا نصنع هذا مع حديث من لا ينطق عن الهوى !!
الثالث: لو توقفت صحة الأحاديث على الفهم لضاع الحديث؛ لأن الأفهام مختلفة، وفي الناس غبي ودعي وذكي وبين ذلك، ومن عجب أننا نرى كثرة كاثرة لا تفهم النسبية - مثلا - ومع هذا لا تتهم نقلتها ولا تتهمها، لكنه الحقد الأسود والبغض الطافح للإسلام.
الرابع: توقف الإيمان على فهم العقل إيمان بالعقل لا بالنقل. وليس معنى هذا وجود تناقض بين العقل والنقل، لكن العقول القاصرة لا تدرك مراد الدين وحكمته.. إن مثل ذلك كطفل لا يدرك ما يعرض عليه من قضايا كبرى، وليس عدم إدراكه هذا إنكار لهاتيك القضايا كما لا يعني عدم رؤية الأعمى للشمس إنكار وجودها.
الحجة الرابعة: قولهم: "إن نقلة الحديث رجال يجوز عليهم الخطأ والنسيان"..
قلت: نعم.. هم رجال، لكن الخطأ أن يقيس أحمق الملائكة بالحدادين، كما يقول صاحب الإحياء، وهم بقولهم هذا أثبتوا جهلهم الفاضح بعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال، وهو مفخرة علماء الإسلام، ونقلة القرآن الكريم رجال، ولو كان لمنطقهم السفيه معنى لجاز لنا أن نقول في القرآن ما قالوه في الحديث، لكن ترهاتهم تدخل في باب الخرافة والأباطيل التي تردها الفطر والعقول.
الحجة الخامسة: وقف في حلوقهم اختلاف الروايات، وظنوا لجهلهم أنهم وقعوا على القاصمة فبدا بقولهم هذا حمقهم وغباؤهم وحقدهم الطافح لأن اختلاف الروايات للحديث الواحد يدل على اختلاف الحال الذي قيلت فيه أو الشخوص، والأمر ليس بدعا، ففي التنزيل العزيز تأتي الحادثة الواحدة بعبارات مختلفة تثري الحادثة وتعطي كل عبارة من الدلالات ما لا تعطيه غيرها، والجمع بين الروايات أو الآيات يعطي الصورة الكلية، فتجدها كاملة لا شيَة فيها، وعدم الفهم - كما ذكرت - لا يعني التناقض أو رفض الروايات، ولو وجد اختلاف تناقض في الأحاديث، فالأمر للعلماء ممن يعرفون علم الناسخ والمنسوخ.
إن الحكم قد يأتي في فترة زمنية يناسبها أتم مناسبة، فإذا مرت تلك الفترة جيء بحكم جديد يناسب ما استجد من أمور، كما يُعطى للطفل الرضيع طعام يختلف عما يعطاه هو نفسه إذا شب ويختلف عما يعطاه إذا مرض أو دلف إلى الكهولة فالشيخوخة، فليس في الأمر تناقض وإنما هي مراحل لكل مرحلة سماتها وأحكامها التي تناسب تلك السمات.
إن النسخ في السنة، كالنسخ في القرآن يحتاج إلى علماء أما أن يتطاول الأراذل والفسول فسببه الراجح عدم وجود درة عمره كما فعل بـ"صبيغ"؛ لأنه فتح المجال للدجالين يؤدي إلى الغبش والضبابية التي تعوق الحركة، بل تدفع إلى الوراء، فيا له من غبش في عقول سقيمة يريد لأمتنا أن ترتد إلى الجاهلية الأولى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل