العنوان دروس سياسية من يوم بدر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1978
مشاهدات 83
نشر في العدد 409
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 22-أغسطس-1978
الانطلاق من قواعد غزوة بدر في معركتنا الحالية ضروري
غزوة بدر جمعت بين الاستراتيجية المتكاملة والمبادرة العملية والوعي القيادي
ذخرت معركة بدر الكبرى بالدروس والعبر، ونريد هنا أن نستخلص من تلك المعركة الفاصلة ما يفيد المسلمين في دنياهم الحاضرة، والمسلمون الذين حوصروا في هذا العصر من قبل كافة القوى العالمية على الصعيدين الداخلي والخارجي- هم أحوج ما يكونوا إلى دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه، أيكون في ذلك هدى ورشاد وتوجيه ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
الاستراتيجية المتكاملة في مواجهة العدو:
لدى مراجعة سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، يتبين أن غزوة بدر هي المحاولة الحربية الثامنة بعد الهجرة، وليست هي المحاولة الأولى كما يتبادر لكثير من الناس. إلا أن معركة بدر هي أول محاولة حاسمة حصلت فيها مواجهة بين جمع مسلح له وزنه من المسلمين وآخر من المشركين.
والمتأمل في تلك المحاولات الحربية يستدل بشكل واضح على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يطبق مفهوم الحرب الدفاعية بمفهومها الضيق كما يفهم الآن.. وهو المفهوم الذي يقوم على أساس السكون والجمود، بحيث يظل الإنسان قاعدًا لا يقوم بأي عمل حربي حتى يهاجم في عق داره، وحينئذ يقوم ليرد على المهاجم فقط، لم تكن هذه هي استراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة أعدائه المشركين، وإنما قامت مواجهة عليه الصلاة والسلام على استراتيجية متكاملة واضحة، قائمة على مبدأ الدعوة، معتمدة على أساس الوصول إلى الهدف الذي هو نشر الإسلام في المنطقة وإذا أفضى تحقيق ذلك عملًا عسكريًا هجوميًا من جانب الجماعة المسلمة. فعليها أخذ كافة الأسباب المحققة له. وقد وضحت استراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم بخطوطها العريضة الأولى، منذ هاجر من مكة. ونزل المدينة وأسس فيها نواة الدولة الإسلامية الوليدة في مأمن من فتنة الكفرة. وصدهم عن سبيل الله. ولدى تأسيس الدولة الإسلامية إذن التدبير الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم بالقتال في العام الهجري الأول. فعلى رأس اثني عشر شهرًا بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يغزو تطبيقًا لمبدأ الجهاد النابع من استراتيجية الرسول آنذاك. فكانت على التوالي غزوة ودان. وسرية عبيدة بن الحارث، وسرية الحرمين عبد المطلب. إلى سيف البحر. وغزوة بواط، وغزوة العشيرة. وسرية سعد بن أبي وقاص، وغزوه سفوان «غزة بدر الأولى». وسرية عبد الله بن جحش.
وإذا كانت هذه التحركات العسكرية للجماعة المسلمة في المدينة، فقد توجها غزوة بدر الكبرى في رمضان على رأس تسعة عشر شهرًا من الهجرة. والحرب ضد الكفر هنا وفي هذه المرحلة بالذات، هي ضرب للقيود والعوائق التي وقفت أمام انتشار الدعوة الإسلامية، وهذا يعني أن الحرب من ضمن الدعوة، بل هي جزء لا يتجزأ منها، ولا بد من اللجوء إليها عندما تحين ملابساتها وتجيء أسبابها، وبخاصة أن أعداء الإسلام من مشركين وغيرهم. كانوا لا يتركون مجالًا للدعوة تنمو فيه، لأنهم يعلمون تمامًا أن نماء الإسلام يؤدي إلى تقويض سلطانهم وتقليص طغيانهم بل القضاء عليه نهائيًا. ومن أجل هذا كان لا بد من اللجوء إلى الحرب كوسيلة للتخلية بين هذا الدين وبين العقل البشري والروح الإنسانية المتشكلة في المجموعات الإنسانية التي هي بينة الدعوة، بعيدًا عن التشعوط والإكراه، ذلك أن الحرب هنا ليست وسيلة للجبرية الاعتقادية. وإنما هي وسيلة لإزاحة موقع نشر الدعوة فحسب، وفي هذا العصر، بما أن كثيرًا من البشر في هذا العالم واقعون تحت سيطرة الحكام وعنفهم، فإنه ليس بمقدورهم أن يصلوا إلى نفسهم دعوة الله بحريه، أو أن تصل الدعوة إلى عقولهم كما هي، بحيث يفهمونها على وجهها الصحيح، وما دام البشر هذه حالهم، فإن الدعوة بحاجة إلى الاستعداد القتالي الحربي الملائم للعصر، وذلك لتأمين وصولها إلى جميع البشر دونما تمييز.
الدعوة بين النظريات الفكرية والمبادرة العملية:
قد يظن ظان أن قوة المفكر الإسلامية هي الواسطة الوحيدة التي أدت إلى المد الدعوي عبر جزيرة العرب بكاملها في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد يظن آخر أن بديل ذلك في العصر الحالي تلك النظريات الفكرية الحديثة القائمة على المبارزات الكلامية والعنت والصراخ، لا، إن هذا لا ينشر عقيدة أبدًا والعقيدة لا تنتشر بنفسها مهما كانت قوية، ونحن نستطيع مثلًا أن نضع بعض الإفراد بعقيدة الإسلام بواسطة الجدل والمناقشة، لكن لا نستطيع أبدًا أن نبني مجتمعًا متكاملًا بالأساليب النظرية أبدًا. فلا بد لبناء المجتمع من اللجوء إلى الوسائل جميعها التي لجأ إليها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، حتى تمكن من تحقيق مجتمع مشابه للمجتمع الذي حققه.
وهذا يحتاج إلى مبادرات عملية كفيلة بإیصال فکرنا إلى کافة أنحاء العالم. وعلى الحيز الداخلي فإن المبادرة العملية يجب أن تأخذ مكانها الملائم والمتناسق مع الظروف الإقليمية لكل بلد. وبدون ذلك فسوف يظل المسلمون يتراجعون في صفوفهم من ضعف إلى ضعف، وبالتالي فسوف يخسرون كل معاقلهم التي ورثهم إياها أجدادهم، ولا ملجأ للمسلمين ولا نصر إلا باستلهام سيرة نبيهم عليه السلام، واتباع هديه في معالجة كافة أمورهم وظروفهم الحاضرة، والمبادرة العملية التي قام بها الرسول في بدر قبس يجب أن يؤخذ منه مفتاح العمل الإسلامي الحالي، ومن أبرز الأمور التي حققت مبادرة المسلمين مع رسولهم وهيأت لهم قضية الميزة نفي تميز رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته عن مجتمع المشركين في مكة ما يجعله قادرًا على التعرض لقريش والرد على بعض عدوانها السابق. وما استنفاره للمسلمين من أجل الاستيلاء على القافلة إلا جزء من رد العدوان الذي حصل في إيذاء المسلمين في مكة بشتى صنوف العذاب والأذى والسخرية والفتنة عن الدين، وفيها أيضًا ردًا على العدوان الكبير بإخراج المسلمين من مكة والاستيلاء على أموالهم ودورهم. كل هذا يجعل من التفكير في الاستيلاء على قافلة قريش أمرًا سائغًا له مبرراته المشروعة، وبهذا يتضح الدور الذي أدته مبادرة الرسول العملية بعيدًا عن ترك المبدأ قابعًا في حيز الأفكار المجردة عن التطبيق العملي.
معالم بارزة في القيادة الإسلامية والقيادة الجاهلية:
في موقف أبي جهل كزعيم للمشركين نموذج القائد المتغطرس، ولا سيما موقفه بعد نجاة القافلة ومعارضته للذين كان من رأيهم عدم الخروج والكف عن قتال المسلمين، لقد نجت القافلة من أيدي المسلمين، وقرر معظم رجال قريش العودة دون التصادم بالمسلمين، إلا أن غطرسة الكفر حين تركب رأس الإنسان لا بد وأن تؤدي به إلى المهالك المروعة. وهذه الغطرسة، وهذا الطغيان واضح في الهدف الذي خرج من أجله ألا وهو تأديب المسلمين، والانتصار عليهم، ثم البطر بهذا النصر الذي سوف يتجلى بنحر الجزر، وشرب الخمر، وعزف القيان!! وشتان بين هذا الموقف الذي يلخص مواقف الكافرين في حروبهم على مدار التاريخ، وبين موقف الإسلام الذي يلخصه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله حين رأى قريشًا منحدرة «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني» هذا هو تواضع القائد المسلم لله، إنه يتواضع ويلجأ إلى الخالق ويدعوه بإنجاز وعده وهذا ليس تحتيمًا بالنصر فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء، وهو لا يقاتل في سبيل غرض دنيوي خاص، ولا من أجل مطمع شخصي، وإنما هو قتال لمن يحاد الله ويكذب رسوله فحسب.
والشورى معلم بارز وقضية هامة في القيادة الإسلامية، لم يقر رسول الله عليه السلام الحرب بمفرده، ولم يصدر في أرائه عن هوى خاص، وإنما استشار أصحابه ليعرف عزمهم ورأيهم، وليقف على قدرتهم في ذلك الظرف، وقد قبل عليه السلام مشورة الحباب بن المنذر في المنزل، وهذا يدل على حرص الرسول على مشاورة أصحابه، فإن الأخذ بمبدأ الشورى يعتبر عنوان الثقة المتبادلة بين القائد وأفراده، والاستبداد هو أول درجة في سلم الهزيمة والخذلان، ويقابل موقف الرسول صلى الله عليه وسلم موقف أبي جهل، وتسفيهه رأي من مشى إليه بأن يرجع، وان يخلي بين محمد وسائر العرب، فقد مشى إليه حكيم بن حزام ينقل إليه رأي عتبة بن ربيعة بالرجوع، ولكنه ضرب بآراء أصحابه عرض الحائط وكذلك فإنه من قبل لم يسمع مشورة أبي سفيان، الذي أرسل إليهم رسولًا يخبرهم بنجاة القافلة، بل قال متغطرسًا: «والله لا ترجع حتى نرد بدرًا، فنقيم ثلاثًا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرتنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها...»
معيار النصر والخسارة بين الفريقين:
التقت في بدر فئتان غير متكافئتين في العدد والمعدة، وكان المشركون هم المتفوقون من هذه النواحي، إلا أن الغطرسة والكبر والخيلاء والبعد من الله لا ينفع معها كثرة عدد في القتال، والخضوع لله والصدق معه، ووضوح الهدف الذي يقاتل من أجله، والثقة بالقيادة، كل ذلك مما يساعد على النصر، أما إذا استوى الجيشان في بعدهما عن الله، وفي عملهما بالمعاصي عند ذلك يحجب الله رحمته عنهم جميعًا، ويوكلهم إلى نفوسهم ويكونون بعيدين عن عناية الله: ويكون نصرهم نصرًا بمقاييس الأرض وليس فتحًا بموازين السماء، يبعث الطغيان والأثر والبطر في النفوس، ولا يجلب إليها التواضع والسكينة والاطمئنان، وهذه هي معايير لسمو النفس الإنسانية، عندما تتجرد لله من ذواتها، وبنظرة عابرة إلى تاريخ الحروب، وبمقارنة الحروب التي خاضها المسلمون في فتوحاتهم، بالحروب التي خاضوها وهم بعيدون عن ربهم، تؤكد لنا هذه النتيجة، وتجعلها قانونًا عامًا لا يتخلف أبدًا.
على أن المسلمين لما خرجوا من ديارهم وهم على أمل بالاستيلاء على الغير، وكانوا يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، وكانوا كارهين للقاء العدو، حتى أن الله يقول عنهم: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ (سورة الأنفال: 6)
ولكن الله أراد أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين وأراد أيضًا أن تكون بدر فيصلًا بين الحق والباطل، وفرقًا بين عهدين، أراد أن يكون للعصبة المسلمة دولة، وأن تصبح أمة، وأن يصبح لها قوة وسلطان، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة، إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله، وأن يكون هذا كله عن تجربة واقعية لا عن مجرد اعتقاد قلبي لتتزود العصبة المسلمة في هذه التجربة لمستقبلها كله، ولتؤمن كل عصبة مسلمة أنها تملك في كل زمان ومكان إن تغلب خصومها وأعداءها، مهما تكن من القلة، ويكن عدوها من الكثرة.
وينظر الإنسان اليوم، ليرى الفرق شاسعًا بين ما أرادته العصبة المسلمة يوم ذاك، وما أراده الله لها، ينظر ليرى كم هو مخطئ، وكم يخطئ الناس عندما يحسبون أنهم قادرون على أن يختاروا لأنفسهم خيرًا مما يختاره الله لهم، ويقول القرآن الكريم بتوجيهه السامي من وراء تلك ﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (سورة النساء: 19)
فاين ما أرادته العصبة المسلمة مما أراده الله لها؟ لقد كانت تمضي- لو أنهم ظفروا بغير ذات الشوكة- قصة غنيمة فحسب، أي قصة جماعة أغاروا على قافلة فغنموها.
فأما بدر، فقد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة، قصة نصر حاسم وفرقان بين حق وباطل، قصة انتصار الحق -في قلة من العدد والعدة، وضعف من الزاد، وبعد عن الإعداد- على أعدائه المدججين بالسلاح قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وتتخلص من ضعفها الذاتي، بل قصة انتصار حفنة من القلوب من بينها الكارهون للقتال: ولكنها ببقيتها الثابتة المستعلية، وبيقينها القوي في نصر الله. وفيما آمنت به من قبل وأعطت عليه عهودها ومواثيقها، انتصرت على نفسها، وخاضت المعركة والكفة راجحة رجحانًا ظاهرًا في جانب الباطل. فقلبت بيقينها ميزان الظاهر فإذا الحق مقذوفًا على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
بدر کتاب مفتوح للأفراد والقادة في كل عصر:
إن هذه الغزوة الخالدة لتمضي مثلًا في التاريخ البشري، لتقرر دستور النصر والهزيمة، وتكشف عن أسباب النصر وأسباب الهزيمة - الأسباب الحقيقية لا الأسباب الظاهرة المادية، وهي كتاب مفتوح تقرؤه الأجيال في كل زمان ومكان لا تتبدل دلالتها، ولا تتغير طبيعتها. فهي آية من آيات الله وسنته الجارية في خلقه ما دامت السماوات والأرض إلا وأن العصبة المؤمنة التي تجاهر اليوم لإعادة الإسلام في الأرض، الجديرة بأن تقف أمام «بدر» وقيمها الحساسة الحاسمة التي تقررها، والأبعاد الهائلة التي تكشفها بين ما يريده الناس لأنفسهم، وما يريده الله لهم.
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (سورة الأنفال:8،7)
إن العصبة المسلمة التي تحاول إعادة نشأة هذا الدين في دنيا الناس وفي عالم الواقع، قد لا تكون اليوم من الناحية الحركية في نفس المرحلة التي كانت فيها العصبة المسلمة يوم بدر، ولكن الموازين والقيم والتوجيهات العامة لبدر وملابساتها ونتائجها.
والتعقيبات القرآنية عليها، لا تزال تواجه وتوجه موقف العصبة المسلمة في كل مرحلة من مراحل الحركة، ذلك أنها موازين وقيم وتوجيهات كلية ودائمة ما دامت السماوات والأرض وهي موازين خالدة ما دامت هناك عصبة مسلمة في هذه الأرض، تجاهد في وجه الجاهلية لإعادة النشأة الإسلامية، والحمد لله رب العالمين..