العنوان تركيا وإيران ومسلمو آسيا الوسطى.
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992
مشاهدات 94
نشر في العدد 1000
نشر في الصفحة 4
الأحد 10-مايو-1992
تمثل كتلة الدول الإسلامية في آسيا الوسطى حالة فريدة
جغرافيًا وتاريخيًا، إذ خرجت للعالم فجأة سبع جمهوريات إسلامية إثر انهيار الحكم
السوفيتي، ووجد أكثر من 60 مليون مسلم أنفسهم كتلة طرية من المجتمعات المتفرقة
التي لا تملك أي خبرة في الحكم الذاتي ولا في السياسة الخارجية. هذه الحالة جعلت
قوى دولية وإقليمية تتحرك سريعًا باتجاه هذه المنطقة، كل منها تحمل خططها ونواياها
الخاصة بها.
وأبدت الولايات المتحدة بشكل خاص اهتمامًا مبكرًا
بآسيا الوسطى لأسباب من أبرزها العنصر النووي الذي تملكه إحدى هذه الجمهوريات،
كذلك اهتمت أوروبا الغربية لدوافع مقاربة، وتطلعت اليابان للمنطقة للمنافع
الاقتصادية المتوقعة، لكن تبقى قوتان إقليميتان حققتا سبقًا في اتصالاتهما مع آسيا
الوسطى وهما تركيا وإيران. تركيا من جانبها تتحرك في الظاهر لدوافع عرقية وثقافية
وتاريخية، فالشعب التركي أساسًا من آسيا الوسطى، ومسلمو آسيا الوسطى يتحدثون اللغة
التركية أو بعض فروع هذه اللغة، وهناك قاسم ثقافي كبير يبرر التقارب والتواصل،
إضافة إلى ذلك هناك الحلم القديم لطاغية تركيا أتاتورك بأمة طورانية تمتد من
البوسفور إلى حدود الصين. وتمثلت آخر الخطوات التركية بزيارة للرئيس سليمان
ديميريل لخمس جمهوريات في آسيا الوسطى أعلن بعدها دعوته لحكومات هذه الجمهوريات
لحضور قمة الشعوب التركية في نهاية العام الجاري. العنصر المفقود في الخطط التركية
هو الهوية الحضارية.
ولاشك فإن القومية التركية لا ترقى لتكون هوية تجمع
هذه الشعوب المتباعدة، أما الإسلام الذي هو الرابط الحقيقي والمنطلق التاريخي
للأمة التركية فإن النظام العلماني في أنقرة يستبعده تمامًا من خططه. المسؤولون
الذين رافقوا ديميرل في زيارته الأخيرة تحدثوا عن تصدير النموذج التركي الحالي
للدولة وتسويقه إلى جمهوريات آسيا الوسطى وهو النموذج القائم على علمانية الدولة
وفصل الدين عن السياسة.
وتركيا تدعم هذا الطموح بعرض 10 آلاف منحة دراسية
لشباب من مسلمي آسيا الوسطى في جامعات أنقرة وإسطنبول ومدن تركية أخرى، حيث
المناهج التربوية التي «لا تخلط الدين بالحياة». الجهود التركية هذه تحمل بصمات
أوروبية وأمريكية حريصة من جهتها ألا تبرز الجمهوريات الجديدة كعنصر قلق «أصولي»
على الغرب في المستقبل، والمسؤولون الأتراك من ورثة «أتاتورك»، يدركون الاهتمام
الغربي الكبير في هذه المسألة الاستراتيجية ويحاولون تسويق نظامهم العلماني ليكون
في خدمة خطط الغرب المسيحي.
أما إيران فتمثل نقيضًا للنموذج التركي، فهي تتحرك
بدوافع سياسية واقتصادية وأيديولوجية غير مرتبطة بالغرب، بل هي تحارب الدور التركي
المشار إليه وتعتبر أن «الولايات المتحدة تحارب في آسيا بالدرع التركي».
لكن الموقف الإيراني مع ذلك لا يصب في صالح الهوية
الإسلامية الخالصة لآسيا الوسطى، فالمسؤولون الإيرانيون أبدوا اهتمامًا كبيرًا
بنشر اللغة والثقافة الفارسية إلى الجمهوريات الوليدة، وافتتحوا منذ الآن مدارس
ومعاهد علمية تدرس على أساس المناهج التربوية المعمول بها في إيران. كما أن هاجس
المكاسب السياسية والاقتصادية والأيديولوجية يسيطر على التحرك الإيراني باتجاه
آسيا الوسطى، فإلى جانب الاتفاقات الاقتصادية ومحاولات كسب التحالفات عن طريق
«المجلس القزويني» الذي سيجمع 4 جمهوريات إسلامية تحت المظلة الإيرانية، فإن إيران
تطمح كذلك لنشر الفكر المرتبط بالثورة الإيرانية والنظريات الفكرية والدينية؛ التي
دعا إليها الخميني وطبقها في إيران منذ أكثر من عشر سنوات.
ويأمل رموز الفكر الثوري في إيران في تصدير تفسيراتهم
للعقيدة الإسلامية والنظرية الإسلامية في الحكم والسياسة والحياة الاجتماعية إلى
المجتمع الإسلامي الجديد في آسيا الوسطى، والذي عانى لعقود طويلة من فراغ وخواء
فكري وروحي، بعد أن دمر الشيوعيون المدارس الفقهية العريقة في بخارى وتركستان
والقوقاز وسحقوا علماءها دونما رحمة.
إن الجيل الحالي من الشباب المسلم في آسيا الوسطى
يمثل أرضًا خصبة لأي فكرة تزرع فيه ولأي منهج يرسم له، وبلا شك فإنه لا النموذج
العلماني للنظام التركي ولا الفكر والأيديولوجيا الثورية الإيرانية يمثلان ما
يستحق أن يحمله أبناء وأحفاد الإمام البخاري والإمام مسلم وعلماء الأمة العظماء
عبد الله بن المبارك وأبي حنيفة النعمان.
نقول هذا وندعو حكومات الدول العربية ونخص منها
حكومات الجزيرة والخليج للمسارعة لتدارك إخواننا في آسيا الوسطى بالدعم والتوجيه
لإنقاذهم من خطط العلمانية ومكائد البدعة. لقد قامت حكومتا المملكة العربية
السعودية والكويت باتصالات مع الجمهوريات الإسلامية الوليدة، وقدمت مساعدات تشكر
عليها بلا شك، لكن خرق آسيا الوسطى يكاد يتسع على الراقع، فالآخرون يتحركون بكل
قوتهم لنشر فكرهم ولإنشاء أحزاب محسوبة عليهم وخلق الأعوان والعملاء تمهيدًا
للهيمنة وإعادة صياغة آسيا الوسطى بعيدًا عن نهج الإسلام الصافي والصحيح.
نريد من حكومات مجلس التعاون الخليجي أن تبذل جهودًا
مضاعفة لاحتواء الموقف في ديار الإسلام الجديدة والعائدة، فالدعم الحالي مطلوب
لإنشاء المساجد والمدارس والجامعات، والاتصال السياسي مطلوب كذلك لدعم الاتجاهات
المعتدلة في حكومات تلك الجمهوريات.
نريد فتح المدارس والجامعات في بلادنا للطلبة من
أبناء مسلمي تلك البلاد، وأن تستقبل جامعات أم القرى والجامعة الإسلامية في
المدينة وجامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض وجامعات دول الخليج الأخرى أعدادًا
أكبر منهم، وأن يتحقق الاتصال الإعلامي والإنساني مع بخارى وطشقند. وألا نترك
إخواننا المسلمين هناك للعلمنة التركية الفاسدة المرتبطة بالغرب، أو إلى المذاهب
الأخرى التي تبعدهم عن عقيدة التوحيد، ولنبادر قبل فوات الأوان وقبل أن نعض أصابع
الندم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل