العنوان درع الإيمان.. الحصن المانع والسلاح القاطع (2).. التضحية في سبيل الحق والفناء في إرشاد الخلق
الكاتب حجازي إبراهيم
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2012
مشاهدات 68
نشر في العدد 2014
نشر في الصفحة 24
السبت 04-أغسطس-2012
عمر الإيمان قلوب المسلمين في العصور الأولى وترابطوا فيما بينهم برباط العقيدة وكان ذلك من أعظم ما امتن الله تعالى به على أهل «بدر».
أشرنا في مقال سابق إلى أهمية القوة الإيمانية وأثر الإيمان في تحقيق النصر والعزة للمسلمين, ونواصل في هذا العدد الحديث عن عناصر القوة:
قوة الترابط ووحدة البنيان:
والإيمان يصهر كل من يعتق الإسلام في بوتقة واحدة، ويجعل من الجنسيات المتعددة، والألوان المختلفة, والطبقات المتفاوتة, والأقطار المتباعدة, جسدًا واحدًا، وبناء مرصوصًا، وأمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم, وهم يد على من سواهم.
وإن هذا الاتحاد وتلك الوحدة, من أعظم القوى في مواجهة الأعداء, ومن هنا ندرك سر حرص الأعداء على تفريقنا وإشعال الخصومة بيننا والشعار الذي يرفعه المستعمر «فرق تسد»، ولهذا كان حقًا على المسلمين أن يرفعوا شعار: «تعالوا لنتحد»، فبذلك نطهر البلاد من المستعمر الغاصب, ونسترد المقدسات والديار المسلوبة, ونأخذ المكان اللائق بنا كخير أمة أخرجت للناس.
لقد عمّر الإيمان قلوب المسلمين في العصور الأولى، وترابطوا فيما بينهم بأقدس رباط ألا وهو رباط العقيدة, وكان ذلك من أعظم ما امتن الله تعالى به على أهل «بدر» حيث قال: ﴿ وَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلْفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (الأنفال: 63).
يقول مالك بن نبي: «إن روح الإسلام هي التي خلقت من عناصر متفرقة كالأنصار والمهاجرين أول مجتمع إسلامي، حتى كان الرجل في المجتمع الجديد يعرض على أخيه أن ينكحه من يختار من أزواجه بعد أن يطلقها له، لكي يبني بذلك أسرة.
إن قوة التماسك الضرورية للمجتمع الإسلامي موجودة بكل وضوح في الإسلام, ولكن أي إسلام ؟.. الإسلام المتحرك في عقولنا وسلوكنا، والمنبعث في صورة إسلام اجتماعي».(1)
إن جمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله تعالى في إقامة دينه، قال تعالي: ﴿لو أنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلْفَتَ بين قلوبهم﴾ (الأنفال: 63)، وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله تعالى اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد, واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة. (2) ومثلما يدعو الإيمان إلى الترابط والاتحاد يحذر من التنازع والشقاق قال الله تعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصابرين﴾ (الأنفال: 46).
الإيمان يحض على التضحية
إن من أعظم ما يحقق النصر ويمكن للدعوات التضحية في سبيلها بكل غال ورخيص، والإيمان بالله تعالى وحده واليقين بما وعد به الله هو السبيل الوحيد لذلك، فهو يدعو إلى التضحية في سبيل الحق, والفناء في إرشاد الخلق، ويضمن لمن فعل ذلك أجزل المثوبة، ويعد لمن سلك هذا النهج أحسن الجزاء، ويقدر الحسنة وإن صغرت, ويزن السيئة وإن حقرت، ويبدل الفناء في الحق خلودًا، والموت في الجهاد وجودًا، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169).
والإيمان هو الذي يسمو بالوفاء إلى درجة الشهادة، ويعده فريضة يسأل بين يدي الله تعالى عنها، وفضيلة يتقرب بها إلى الله تعالى، ودليلًا على الرجولة الكاملة والعزيمة الصادقة ﴿من المؤْمِنِينَ رِجَالَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مِّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مِّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدِّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ (الأحزاب: 23).
معية الله تعالى للمؤمنين
حين يصدق المسلمون في إيمانهم فإنهم ينعمون بمعية الله تعالى، ومن كان الله معه فهو المنتصر وإن كان أقل عددًا وعتادًا وتأمل تعقيب القرآن وخطابه للكافرين بعد غزوة «بدر» بأن كثرتهم لن تنفعهم، قال الله تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَعُودُوا بَعْدُ وَلَن تُغْنِي عَنكُمْ فِتَتِكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: 19)، ومن كان الله معه كان معه كل شيء, ومن خذله الله لم يكن له من دون الله ناصر: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فلا غالب لكمْ وَإِن يخذلكمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فليتوكل المُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: 160).
يقول الشهيد سيد قطب في الظلال: «أراد الله للعصبة المسلمة أن تصبح أمة، وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها قوة وسلطان... وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة وليس بالمال والخيل والزاد... إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله تعالى التي لا تقف لها قوة العباد، وأن يكون هذا كله عن تجربة واقعية, لا عن مجرد تصور واعتقاد قلبي، ذلك لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله، ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أن تغلب خصومها وأعداءها مهما تكن هي من القلة ويكن عدوها من الكثرة، ومهما تكن هي من ضعف العدة المادية ويكن عدوها من الاستعداد والعتاد.. وما كانت هذه الحقيقة لتستقر في القلوب كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوة الطغيان».(3)
الإيمان يمنح المسلم الصبر والثبات
النصر والغلبة في ميدان الجهاد إنما يكونا لمن يثبت عند النزال، ويصير حين تلتحم الصفوف, وهذا لا يتحقق إلا لمن تمكن في قلبه قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي حرض المُؤْمِنِينَ على القتال إِن يَكن مَنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذِينَ كَفَرُوا بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ (الأنفال: 65)، وقوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لقيتم فئة فَالْبُقُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45).
ومعية الله للمؤمنين تحقق لهم أمرين من أعظم عوامل النصر:
- التثبيت للمؤمنين.
- وبث الرعب في قلوب الكافرين.
قال تعالى: ﴿وإذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فتشوا الذين أمنوا سألقي في قلوب الذين كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كل بنان﴾ (الأنفال: 12).
وقد وعد الله تعالى بنصر الأمة بالرعب الذي يلقيه في قلوب الأعداء، فعن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي.. نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسيرَةً شَهْر...». (4)
قال أبو محمد الأصيلي: افتتحنا برشلونة مع ابن أبي عامر، ثم صح عندنا بعد ذلك عمن أتى من القسطنطينية، أنه لما اتصل بأهلها افتتاحنا برشلونة, بلغ بهم الرعب إلى أن غلقوا أبواب القسطنطينية ساعة بلوغهم الخبر بها نهارًا ، وصاروا على سورها, وهى على أكثر من شهرين. (5)
المسلم لا يفر من الميدان
ومع الأمر بالثبات في المواجهة مع الأعداء, وبث الرعب في قلوبهم، فإن الإسلام يحذر من الفرار والتولي يوم الزحف أشد التحذير ويجعله من الكبائر، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُوا إِذَا لَقيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُوهُمُ الأَدْبَارِ, ومن يولهم يومئذ دبره إلا منحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ﴾ (الأنفال: 15- 16), ومن السبع الموبقات: «... التولي يوم الزحف..». (6)
الله تعالى يدافع عن المؤمنين
وعد الله تعالى بالدفاع عن المؤمنين, الدين تقطعت بهم السبل، وأعجزتهم الحيل, وتطاول عليهم الطغاة والمستبدون فقاتلوهم وظلموهم ودفعوهم إلى مغادرة الديار, ومزقوا، شملهم من قالوا ربنا الله, وعليه توكلوا، يدافع الله عنهم وينصرهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلِّ خَوَان كَفُور, أَذَنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظَلَمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرهم لقدير, الذين أخرجوا من ديارهم بغير حَقَ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ولولا دفع الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدَمَتْ صَوَامِعُ وبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذكرُ فِيهَا اسْمُ الله كثيرا ولَيَنصُرْنَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِن الله لقوي عزيز﴾(الحج: 38- 40).
وقد كفى الله المؤمنين القتال يوم «الأحزاب», ورد الكفار على أعقابهم لم ينالوا خيرًا: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا, وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا, وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (الأحزاب: 25-27).
إن المسلمين اليوم في حاجة إلى العود الحميد والسريع إلى الإيمان الصادق، كما أنهم في حاجة ماسة إلى نبذ الخلاف والشقاق, والتآلف فيما بينهم والتمسك بكتاب ربهم والتعرف على أعدائهم من خلاله ، ورسم خطط المواجهة مع عدوهم انطلاقًا من ثوابت الإيمان التي لا تتغير ولا تتبدل, ولو فعلوا ذلك لمكن الله تعالى لهم في الأرض وما ذلك على الله بعزيز.
1 )) مالك بن نبي, شروط النهضة, ص ۹۰, دار الفكر، دمشق سنة ١٤٠١هـ، ۱۹۸۱م
2 )) عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون, ص ۱۰۹، تحقیق: حجر العاصي, دار ومكتبة الهلال, بيروت
3 )) مجموعة الرسائل, ص363- 364
4 )) سيد قطب, فى ظلال القرآن, 3/ 1481
5 )) فتح الباري 2/ 24
6 )) شرح ابن بطال للبخاري 9/ 188
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل