العنوان دراسة للأستاذ عمر التلمساني يرحمه الله- الإسلام.. والحكومة الدينية
الكاتب عمر التلمساني
تاريخ النشر الجمعة 02-مارس-2012
مشاهدات 66
نشر في العدد 1991
نشر في الصفحة 42
الجمعة 02-مارس-2012
الموضوع قديم ولكنه متجدد .. وقد بدأ الحديث عنه في الآونة الأخيرة مع تشكيل إسلاميين لحكومات في كل من تونس ثم المغرب، وتتزايد وتيرة الحديث عنه اليوم في مصر، مع احتدام النقاش عن تشكيل حكومة جديدة حالياً أو بعد انتخابات الرئاسة، وستكون إسلامية.. وهنا بدأت الأقلام العلمانية وكل الأقلام المخاصمة للإسلام رافعة فزاعة الحكومة الدينية التي لا يعرفها الإسلام، لكنهم هكذا أرادوا تلبيس الإسلام بحكم الكهنوت والعصور الوسطى حيث استبداد الكنيسة، محاولين تفزيع الناس من الإسلام بما ليس فيه.
شعار لا عهد للإسلام به ولا يعرفه بل ينكره مبنى ومعنى.
أصحاب هذا الشعار يتخيلون في أذهانهم حال السلطة البابوية في القرون الوسطى يوم كان البابا والقسس يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون.
وقد رد المرشد العام الثالث للإخوان المسلمين الأستاذ عمر التلمساني يرحمه الله، في دراسة وافية على هؤلاء جميعاً، نعيد هنا نشرها، لسببين: الأول: كرسالة لكل المضللين وكل المتخوفين في آن واحد إن رؤية الإسلاميين وخاصة الإخوان للحكومة والحكم واضحة وضوح الشمس، ونابعة من صحيح الإسلام وهي تدور وتتركز في إدارة شؤون الأمة ورعاية مصالحها وليس لعقاب الناس.
الثاني: إن تلك الأصوات لم تجد لدى الشعوب المسلمة صدى على مدى سنوات طويلة من الشحن والتضليل عندما كانوا يمتلكون زمام الآلة الإعلامية كلها. بينما حرم منها الإسلام، وكانوا يمتلكون سلطة الحكم والجبروت، فما بالنا اليوم وقد تحررت أوطان إسلامية عديدة من سلطان الجور والجبروت ونالت الحركة الإسلامية حريتها وباتت طليقة القلم واللسان والحركة، لتبين للناس فكرتها وفكرها النابع من إسلامها.
إنه ورغم أن أصوات الضلال والتشكيك والتخويف تذهب أدراج الرياح، فإنه من الأهمية بمكان إعادة نشر تلك الدراسة احتراماً للمتخوفين عن جهل أو عن علم به دخن أو للمتسائلين، أو المترددين الباحثين عن الحقيقة.. سائلين الله سبحانه وتعالى للأستاذ عمر التلمساني ولغيره من العلماء والدعاة الذين كتبوا في نفس الموضوع خير الجزاء.
الحكومة الدينية شعار جديد بدأ يتردد على صفحات الجرائد بأقلام لا يجهل أحد اتجاهاتها الفكرية، وميولها المذهبية، شعار لا عهد للإسلام به ولا يعرفه، بل وينكره، مبنى ومعنى ذلك لأن الإسلام لا يعرف في تعاليمه رجل دين، وغير رجل دين، أو رجل دين ورجل غير دين، إن صح في الأذهان مثل هذا الهراء.
فهل لي أن أتصور مفترضا أن أصحاب هذا الشعار يتخيلون في أذهانهم حال السلطة البابوية في القرون الوسطى، يوم أن كان البابا والمطارنة والقسس يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون، ويدخلون الجنة من يريدون، ويقذفون في النار من يكرهون، يوم أن كانت صكوك الغفران والحرمان وشلح الناس من الكنيسة وبركاتها ورضاها، يوم أن كان غضب البابا على أي أمير أو ملك كفيلا بإثارة شعبه عليه وإشاعة الفرع في أوصاله.
فزاعة مكررة
أجل، وإلا فما كان لهم أبداً أن يكتبوا للناس شيئا اسمه الحكومة الدينية، ويخوفونهم منها زعما منهم أن هذه الحكومة الدينية ستنتهي إلى مثل هذه الحكومة المسيحية في القرون الوسطى، من تمزق وحروب وحرمان وتكفير.
ما كان لهم أن يضعوا هذا الوصف، إذا كان حديثهم عن حكومة تحكم بشرع الله، الذي لا يقبل في الإسلام سواء. إن هذه الصورة لا وجود لها في الإسلام على الإطلاق: لأن الله سبحانه وتعالى ساوى في الإسلام بين الناس جميعا، رجالا ونساء.
ساوى بينهم في كل شيء من ناحية الحقوق والواجبات، وبين الحاكم والمحكوم، لا فضل الشيخ الأزهر - مثلا - على بواب الجامع الأزهر، ولا فرق بين رئيس الجمهورية وبين الحارس الذي يقف على بابه، إلا في أمر واحد جاءت به الآية الكريمة: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى (وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنْ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أتقاكم) (الحجرات: ۱۳)
وعرف المسلمون هذه الحقيقة وتعارفوا وتعاملوا بهذا الميزان. فرسول الله ﷺ يقول لابنته السيدة فاطمة: اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا: أي رغم أني رسول الله وأقربهم منه وأحبهم إليه، فإن مكانتي هذه لا تنفعك بشيء عند الله ولكن ينفعك عملك، ويقول للناس (وإنما أنا بشر مثلكم) (الكهف : ١١٠)
ويؤكد هذا المعنى بأن يطلب من المسلمين أن يستفيدوا منه، إذا من أحدهم بسوء، وحاشاه صلى الله عليه وسلم.
قدوة نبوية
ومعنى هذا أنه وهو رسول الله ﷺ ورئيس الدولة ومفتيها، لا يملك لهم من الله شيئا، وأن مكانته هذه لا تبيح أن يشق عن صدور الناس ليعلم خباياها، وأنه يكفيه منهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ليحقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وبهذه الصورة ينتفي تماما أن الرسول نفسه يحلل أو يُحرم إلا طبقا لما يجيئه به الوحي من لدن رب العالمين، وأنه لا يملك أن يدخل أحدا الجنة أو يحرمه منها. ما دامت أوامر الله منفذة، ونواهيه مجتنبة إذا كان ذلك كذلك. فكيف يبيح مسلم لنفسه أن يصف الحكومة التي تطبق شرع الله، أنها حكومة دينية وهو يقصد متعمدا أن ينفر الناس من حكومة تشريعها مستمد من كتاب الله وسنة رسوله والإجماع، وما انتهى إليه فقهاء العقيدة الإسلامية عند الكلام التشريعي في الدين الإسلامي الدين الذي ارتضاه الله العبادة يوم أن قال جل وعلا: (إن الدين عند الله الإسلام) (آل عمران : ۱۹)
يوم أن قال: إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تعبد به عباده وغير مرفوض (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرُ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقبل منه) (آل عمران)
في الإسلام... لا فرق بين رئيس الدولة وبين حارسه.. ولا فضل الشيخ الأزهر - مثلاً - على بواب الجامع.
رسول الله يطلب من المسلمين القصاص منه إذا مش أحدهم بسوء.
الخلفاء الراشدون لم يدعوا لأنفسهم قداسة ولم يقولوا: إن ذواتهم مصونة لا تمس ولم يخصوا أنفسهم بمزايا لا تستمتع بها الرعية.
وعلى هذه الصورة الدقيقة سار الخلفاء الراشدون من بعده، لم يدعوا لأنفسهم قداسة. ولم يقولوا: إن ذواتهم مصونة لا تمس، ولم يخصوا أنفسهم بمزايا لا تستمتع بها الرعية. بل إنهم يعترفون صراحة بأنهم ليسوا خير المسلمين، فهذا أبو بكر يقول في أول خطبة له عقب توليه الخلافة: وليت عليكم ولست بخيركم، فإن استقمت فأعينوني، وإن انحرفت فقوموني ..
وما أظن بعد ذلك من دليل أقطع على أن الحكومة الإسلامية تدعي لنفسها، ما ادعاه البابوات وخلفاؤهم وأتباعهم، من مزايا ترتفع بهم فوق مستوى الآخرين من أتباع الكنيسة. بل لما سمع أبو بكر بنات الحي الذي كان يقيم فيه في أعلى المدينة، يندبون حظهم بعد توليه الخلافة، فيقلن: يا حسرتنا .. من سيحلب لنا منائحنا بعد أن تولى أبو بكر الخلافة؟ فيطمئنهن ويقول لهن: إني سأبقى على حالي ممكن قبل أن أتولى الخلافة.
خلط متعمد
أهذا هو رئيس الحكومة التي تحرم وتحلل وفق هواها، مدعية حقا ليس لها ؟! أهذه هي الحكومة التي يخشاها أصحاب شعار الحكومة الدينية، خالطين بين العقيدة والشريعة؟! أهذا هو الحكم الذي ينفرون الناس منه لحاجة في صدروهم، ما عادت تخفى على أحد من المسلمين أو غيرهم، إنها محاربة شرع الله الذي لا يبقي على فوارق بين الطبقات إلا بتقواه.
إن الأمر في هذه الصورة لم يقتصر على رسول الله ﷺ وصاحبه أبي بكرة، فها هو عمر بن الخطاب مرة يعرض نفسه وهو أمير المؤمنين على الرعية، طالبا منهم تقويم اعوجاجه، فيصيح أحد الرعية قائلا ومتحديا: لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فلا يغضب أمير المؤمنين رئيس الدولة ولا يثور، ولا يعتقل، بل يرد سعيدا منشرح الصدر: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بسيفه.
أشباح في الأذهان
أهذه هي الحكومة التي تسمونها دينية وتخشون حكمها، أم في خيالكم أشباح الماضي السحيق الذي قرأتموه في التاريخ، ثم تحكمون على كل حكومة تطبق شرع الله، أنها حكومة دينية على هذا القرار الذي تتراءى أشباحه في أذهانكم!!
أليس من الإنصاف أن تجعلوا للتاريخ الإسلامي نصيبا في تقديراتكم مساويا على الأقل لتصوراتكم عن حكومات البابوية إني أعيدكم أن تكونوا متعمدين تشويه صورة حكومة تحكم بما أنزل الله، أيا كان سيرها في الرعية، ولئن انحرف التطبيق أحيانا فإن الأصل ثابت لم يتغير، فشرع الله كفيل بتوفير الأمن والأمان والحرية والرخاء.
تضحية حاكم
وقد جاء عثمان بن عفان بعد الشيخين فحصلت في أواخر حكمه فلافل، وحاصره بعض المناوئين له في داره، وأرسل إليه الصحابة يعرضون حمايته وتفريق المجتمعين فيأبى تاركا أمره لبعض شعبه يفعل به ما يريد.
هذا هو الحاكم المسلم الذي لا يستعدي بعض شعبه على البعض الآخر، مضحيا بحياته هداء لوحدة الأمة، وعدم التقائها بسيوفها من أجله.
أهذه هي الحكومة التي تسمونها الحكومة الدينية، وتخشون أن تحكم البلاد بما أنزل الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أتجدون في عالمكم المتحضر حاكما يقف موقف ذي النورين من شعبه؟ لماذا هذا التعصب؟ وهذا التحامل على حكومة تحكم بشرع الله، فتطلقون عليها من الأوصاف والأسماء، ما لا يعرفه ولم يسمع به الإسلام في تاريخه الطويل العريض؟ سيبقى شرع الله، وسينفذ ولو بعد حين فوفروا على أعصابكم احتراقها وعلى أقلامكم تهاويها.
الحكومة التي يخشاها العلمانيون سبقت الحكومات التي يتغنون بها .. فإن كانت هناك جمهوريات رئاسية وأخرى نيابية فقد عرفت الحكومات التي تطبق شرع الله وزارة التفويض ووزارة التنفيذ.
قصاص عادل
وتولى علي رضي الله عنه الخلافة، وضربه أحد المتعصبين بخنجر مسموم، وأراد بنوه أن ينتقموا ويثاروا فأبي عليهم مذكرا بشرع الله الذي يطبقه في رعيته، وقال ما معناه: إن شفيت ففي عقوبته التعزير، وإن من فلا تأخذوا في سواه واحذروا المثلة..
أرأيتم أسلوب الحكومة التي تحكم بما انزل الله في شؤون الرعية؟ هذا الجلال تنكرونه وترفضونه؟!
أما الحاكم الذي يدبر مؤامرة وهمية لاغتياله لخلع شعبية مضللة على حكمه. فيعتقل الآلاف ويعذب وينتهك ويقتل مئات المئات المجرد جريمة شروع في قتل؟! مثل هذا الحاكم تمدحونه وتحتفلون بمولده ووفاته؟ أهذه هي معايير التقدير والإنصاف عند الكتاب المثقفين المتحضرين؟
أليس من الإنصاف أن تجعلوا للتاريخ الإسلامي نصيبا في تقديراتكم مساويا على الأقل لتصوراتكم عن حكومات البابوية؟
أوهام مغرضة
إن أمركم لم يعد خافيا على أحد، وإن أهدافكم مالها البوار لأنها أوهام مغرضة ولن يبقى على الأرض إلا ما ينفع الناس، وما من شيء ينفع الخلق ما ينفعهم تطبيق شرع الله الذي تحاولون تشويهه بتلك الأوصاف التي لا وجود لها إلا في عقول مريضة بداء كراهية الحكم بشريعة الإسلام، ويا له من داء وبيل، لن تبرؤوا منه إلا بالتوبة والإقلاع عنه لعل الله يهيئ لكم من رحمته مرفقا.
لست أدري هل عن عمد أو غير عمد. تسكتون عن مقومات ونظام وأسلوب الحكومة الدينية؟ ما هي؟ وما الأخطار التي تنجم عن توليها الحكم؟! وإذا كان الإسلام في تاريخه كله لا يعرف هذا الشعار شعار الحكومة الدينية).
فلماذا تصرون على الصاق هذا الوصف على كل من يطالب بحكومة تطبق شرع الله في هذا البلد المسلم؟!
سد الثغرات
كان جديرا بكم أن تشرحوا للناس مفهومكم للحكومة التي تسمونها بالحكومة الدينية، وأنتم لا ينقصكم العلم والدراسة والكفاءة في الشرح والبيان.. هل تسمون كل حكومة تطبق شرع الله في عباده، حكومة دينية؟! إذا كان هذا قصدكم لماذا لا تفصحون عنه؟ وأنتم لا تنقصكم الشجاعة الأدبية في شرح آرائكم وأهدافكم ومناهجكم؟! قولوا لنا في وضوح حتى تتبين ما عندكم، فلعلنا نقتنع أو نقنع، فنلتقي على أمر سواء نسد به ثغرة من الثغرات المتفتحة على المسلمين من كل جانب إن الحكومة التي تخشونها سبقت الحكومات التي تتغنون بها، فإن كانت هناك جمهوريات رئاسية وأخرى نيابية، فقد عرفت الحكومات التي تطبق شرع الله وزارة التفويض ووزارة التنفيذ، فلماذا تعجبكم تلك وتنكرون هذه؟! أهي المقارنة العادلة، أم هي الكراهية المردية تشجعوا وأفصحوا يا فرسان القلم، ويا غزاة الفكر بكل غربي ينال من الإسلام .