العنوان دراسة حول الرأسمالية والإنسان العربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1973
مشاهدات 18
نشر في العدد 161
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 31-يوليو-1973
- الإسلام
ليس شيوعيًّا وليس رأسماليًّا
تمهيد
إننا
بالدرجة الأولى لا يعنينا مناقشة «الرأسمالية» كنظرية ولا يعنينا مناقشة
«الماركسية» كنظرية.. ونحن إنما نريد أن نبين بعض التفسير لنواحي الخلل الموجودة
الآن في العالم بسبب النظريتين المتصارعتين.. ونريد كذلك استقراء حقائق التاريخ
لنقف على الجذور التاريخية التي تنتمي إليها النظريات الموجودة لكي نربطها
بوضعياتها الخاصة، تلك الوضعية التاريخية المختلفة التي عاش في ظلالها العالم الذي
عاش في ظلال الإسلام، وسوف نؤكد في حديثنا هذا.. معنى من المعاني التي ننطلق من
تفسير فكري عام نبحث عن طريق جديد للإنسان.. فلا أمريكا هي داعية مستقبل العالم
ولا دكتاتورية البروليتاريا هي حتمية مستقبل البشرية.
ولقد
يجوز أن فرض هذه أو تلك وجودها بقوة الطاقة النووية، لكن ليكن في حسابنا أن هذا
سوف يعني المسار الآخر في بعض الأحيان فإذا جاز للبشرية أن تخطو على طريق التاريخ
خطوات أخرى فإن هذه الخطوات لن يقودها فيها إلا «المنهج الإسلامي» وبالرغم من كل
الظروف الكوالح المحيطة بهذا المنهج وبالرغم من أن الرجل الكبير «أرنولد توينبي»
ذهب إلى الأمل في بعث حضارة مسيحية جديدة ردًا نفسيًّا -في رأيه- على أزمة الإنسان
الحديث (كتاب الحضارة في الميزان)!
انبثاقة
تاريخية: (الظاهرة الأولى)
الرأسمالية..
هي حصاد تطور تاريخي اتسم بكثير من صور العبودية والتحكم، ولم يكُ هذا التحكم
جاريًا على نواحي الاقتصاد فحسب.. بل تعداه إلى كل نواحي الحياة البشرية.
لقد قامت
الكنيسة بدور عظيم في إنقاذ ما تبقى من الحضارة الرومانية بعد أن عبث بها البرابرة
خلال العصور الوسطى.. وقد تمكنت الكنيسة خلال هذه العصور من أن تفرض زعامتها
الروحية على العالم المسيحي حكامًا وشعوبًا، وتحولت الكنيسة إلى مؤسسة مادية تستغل
الدين لاستعباد الجماهير. وبالتالي تحول رجال الدين إلى طبقة بورجوازية تنافس
الإقطاع وتفرض على الناس انطباع حركتهم الفكرية والمادية.. ولم يكُ البابا إلا
إمبراطورًا متوجًا بمعنى الكلمة ترتعد منه فرائص ملوك أوروبا إذا ما كان بصدد
اتخاذ قرار حرمان ضده.
ولم يكُ
في إمكان أحد أن يضمن بقاء هذا الوضع وأن يوقف عنده حركة التاريخ فلقد بدأ نوع من
الصراع يظهر بين سلطات الكنيسة، وبين الملوك الذين أحسوا أنهم مجرد دمى تلعب بها
الكنيسة باسم الدين كما أن حياة الترف واللذة والانحطاط التي عاشها رجال الدين
خلال هذه العصور، قد أفقدتهم روح الهيبة التي كانت تقبع في أعماق الجماهير نحوهم،
ولأنهم يستندون في كل سلطتهم الفكرية والروحية والمادية من طواعية الجماهير
المستغلة لأوامر أتباع بطرس الذي قال له المسيح: «وأنا أقول لك أيضًا أنت بطرس
وعلى هذه الصخرة: ابنِ كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت
السموات والأرض فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السموات وكل ما تحله على
الأرض يكون محلولًا في السموات».
ولما كان
الباباوات هم خلفاء بطرس على الأرض فلذا أعطوا لأنفسهم حق الربط والحل في مصير
الإنسان في الدنيا والآخرة.. أقول: لأن رجال الدين يستمدون هيبتهم من طواعية
الجماهير لهذا الفهم السقيم لوظيفة رجال الدين فقد حرصوا دائمًا على إبقاء هذه
الطواعية المرتكزة على جهل الجماهير وتسليمها الكامل دون إعمال فكر أو محاولة
للفهم والتعديل، لكن الأعوام الأخيرة للقرن الثاني عشر قد حملت معها بواكير رياح
النهضة الأوروبية وتبعها عصر الكشوف الجغرافية ثم الثورة الصناعية التي قاربت في
مرحلتها الأولى على طلب العلم والمعرفة، واعتنت بمنهج الشك ومحاولة الفهم حتى
لأبسط الأشياء «ديكارت».
ومن عجب
أن «روما» مقر البابا، كانت أولى العواصم الأوروبية التي تجلت فيها صور النهضة
الأوروبية التي حملت طابعًا مليئًا برجعة إلى الوثنية، وتعلن حربًا فكرية حقيقية
للحرب الصريحة التي قامت في أوروبا ضد الكنيسة دوناتيلو وبوكاشيو وميكيل أنجلو
وغيرهم ممن كانوا النواة الحقيقية للحرب الصريحة التي قامت في أوروبا ضد الكنيسة..
ذلك القرن الذي يعتبره المؤرخون -بحق- بداية العصر الحديث للقارة الأوروبية.. وهو
القرن الذي تم فيه تقليب صورة الكنيسة، والخروج الصريح عليها والتفتت الروحي
الكامل في العالم المسيحي، وبالطبع لا يمكن للباحث أن يتجاهل الارتباط الوثيق بين
هاتين الظاهرتين.. ظاهرة القضاء على نفوذ الكنيسة وظاهرة بداية عصر النهضة في ذلك
الإطار الزمني المتقارب.
لقد
حاولت الكنيسة بغباء أن تقف ضد حركة التاريخ، ورفضت كل محاولات الإصلاح الكنسي
ومحاولات الحد من سلطاتها، وسحقت الكنيسة رسميًّا هذه المحاولات خلال سنة 1438 في
مؤتمر «فرارا- فلورنسا». وخيل للذين لا يملكون القدرة على الاستشفاف التاريخي أن «أوتوقراطية»
الكنيسة ستظل قيدًا في أعناق الفكر الأوروبي إلى الأبد، وأن سخرية الفلاسفة
«إرازموس، وطوماس مور، ورابليه» لن تجدي نفعًا.. لكن سنة 1517 شهدت رد فعل عنيف ضد
«أوتوقراطية» الكنيسة.. وقد تمثل هذا الرد في خمس وتسعين مادة علقها في إحدى
الكنائس أستاذ اللاهوت بجامعة «فيتنبرغ» مارتن لوثر … فانطلقت بذلك شرارة الحرب ضد
الكنيسة صريحة ومدوية.
وخلال
القرون التالية السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر أمكن ظهور تيارات ثقافية جديدة
تحاول إرساء قيم جديدة تقوم على دعائم الفكر المنطلق الحر بكل صوره وتقاوم أي
وصاية يمكن أن تفرض على حركة الإنسان سواء باسم الدين أو باسم الحكم أو تحت أي
شعار آخر.
وكان
«جون لوك ومونتسكيو وأدام سميث» أبرز قادة هذه المرحلة الجديدة.
وانطلاقًا
من هذه الثورة الفكرية ذات المبادئ الجديدة قامت في العالم ثورات سياسية كبرى تحمل
جراثيم الفكر الثوري كالثورة الأمريكية والثورة الفرنسية - وعبثًا حاول الملوك
الرجعيون الوقوف ضد حركة التاريخ في مؤتمر «فيينا» الذي قرر التعاون بين ملوك
أوروبا المجتمعين ضد كل حركة تظهر فيها الأفكار التحررية.. لكن لما كان التاريخ لا
يمكن مقاومته بالقرارات والمؤتمرات.. فقد انطلقت أوروبا بخطى سريعة في غمرة الثورة
الصناعية زاحفة إلى عصر التفوق العلمي والاستعمار!
إننا
نستطيع أن نزعم -في ضوء هذا العرض السريع- أن الطابع اللاديني، بل الثائر ضد كل ما
هو روحي وغيبي هو أحد مكونات وخصائص الحضارة الأوروبية وهو لازمة لا تنفك بحال عن
روح هذه الحضارات، حتى ولو حاولت هذه الحضارات فيما بعد استغلال الدين ورجال
التبشير من أجل مطامعها المادية البحتة، أو من أجل القضاء على القوة الحضارية المقاومة
لها وهي القوة الإسلامية!! وهذا الطابع هو الظاهرة الأولى في التاريخ الأوروبي
الحديث.
الظاهرة الثانية
وثمة ظاهرة ثانية كانت تهيمن على
التاريخ الأوروبي الذي تمخضت عنه النظرية الرأسمالية.. إنها ظاهرة الإقطاع.. وفي
الحق فإن ظاهرة الإقطاع قد تولدت هي الأخرى من مجموعة عوامل أوروبية خاصة؛ فمن
البدهيات التاريخية أن الظاهرة الإقطاعية كانت بمثابة رد فعل حياتي إثر هجمات
البرابرة من النورمان والجرمان وغيرهما، فعمت الفوضى والاضطرابات كل بلاد أوروبا
التي لم تكن تملك قوة واحدة ضاربة تستطيع بها الوقوف أمام هجمات البرابرة، ولذا
اضطر الأمراء والملوك وكبار الملاك إلى الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم وبحثوا عن
الأتباع المسلحين الذين يساعدونهم للتغلب على الأخطار التي تواجههم، أما صغار
الملاك فقد اضطروا أمام موجة الفوضى والاضطرابات إلى أن ينضووا تحت راية الملاك
الكبار طلبًا للحماية.
وانطلاقًا من هذا بدأت تتجسد في
أوروبا الظاهرة الإقطاعية كظاهرة حياتية وتطورت على يد سادة الإقطاع إلى ظاهرة
اقتصادية سياسية تهيمن على روح المجتمع الأوروبي..
وعندما هاجر الأوروبيون إلى أمريكا
بعد اكتشافها على يد كولومبوس سنة 1492 حملوا معهم نفس الوضعية التي عاشوا بها في
أوروبا وهي تكوين مقاطعات خاصة يتمتعون فيها بكل مميزات الاستقلال الذاتي وليس
للملك عليهم إلا سلطة اسمية عاجزة «تمامًا كما حاولوا أن يعملوا في الشرق بعد
الحروب الصليبية».
فأمريكا في الحقيقة من الناحية
التاريخية ليست إلا امتدادًا للوضعية الأوروبية.. بل هي وضعية أوروبية انتقلت على
يد أوروبيين إلى أرض جديدة تحمل معها كل ملامحها السابقة.
ويلاحظ هنا بعمق الشرط المهم
المتوفر في الانتقال، وهو أن المنتقلين أوروبيون؛ فليس هناك عملية زرع حضارة جديدة،
إنما هي عملية هجرة الناس من مكان إلى مكان يعتبر وجودهم في المكان الجديد
استمرارًا لوجودهم القديم، ولم تكن ثمة حضارة قائمة وإنما مجموعة قبائل تعيش حياة
بدائية، ولم تظهر لهم أية مظاهر حضارية، إذا ما استثنينا مظاهر ضئيلة لا يمكن أن
تقف على قدميها كحضارة متكاملة كدولتي «الأزتيك» في المكسيك و «الإنكا» في أمريكا
الوسطى اللتين تكونتا خلال القرن الخامس عشر الميلادي فقط.. ولقد تم تصفيتها
وتشريد شعوبهما بسهولة على يد الإسبان في الحقبة الأخيرة من القرن الخامس عشر
نفسه..
ومن هنا نستطيع اعتبار التاريخ الأمريكي
امتدادًا للتاريخ الأوروبي بلا أدنى تحفظات.. ومن هنا نستطيع كذلك القول بأن
الظاهرة الإقطاعية قد سادت مع موكب التاريخ الأوروبي في انسجام.. وبما أن الظاهرة
الرأسمالية لم تكن إلا تجسيدًا جديدًا للظاهرة الإقطاعية أو هي إقطاع كبير ملائم
للتطور الحضاري الذي حدث في العالم بعد الثورة الصناعية.. لذا فإن الأمر لم يعد في
المرحلة الجديدة أمر إقطاعيات زراعية فحسب بل أصبح كذلك إقطاعيات صناعية وتكوين
مستعمرات اقتصادية تستفيد من التطور الفني والتكنولوجي الذي حدث في العالم.
وفي الحق فإن النظام الرأسمالي
المرتكز على دعامتين ماديتين هما العداء لكل ما هو كنسي أو ديني، والبحث عن الثروة
الشخصية لتدعيم الملكية الذاتية حتى ولو على حساب المبادئ الإنسانية وحساب
الجماهير الشعبية «الإنسان والقوة».. هذا النظام قد استشرى خطره بحيث أصبح ميئوسًا
منه لتصحيح المسار لإنقاذ الجماهير الأوروبية، وبينما استغل الإقطاعيون من الثورة
الصناعية فازدادوا إثراء.. ازدادت الطبقة الكادحة فقرًا وشقاء، ولما كانت عجلة
التاريخ دائمة الحركة فقد كان ظهور الشيوعية هو رد فعل حتمي في مواجهة طغيان
الظاهرة الرأسمالية.
البناء الأساسي للنظرية:
إن الأساس الذي تقوم عليه النظرية
الرأسمالية وهو في ذات الوقت المحور الهام في الصراع الدائر بين الرأسمالية
والماركسية اليوم.. هو ما يعرف «بفائض القيمة»، وبتبسيط شديد بعيد عن الإغراقات
التفصيلية يتلخص هذا الأساس في تلك القيمة الزائدة عن المعادل لقوة العمل الذي
يبذله العامل، فمن المسلمات أن كل عامل على وجه الأرض لا يتقاضى تماما مع ما يساوي
قوة عمله، بل هناك فائض يبقى لصاحب الآلات ووسائل التجهيز.. وربما يتراكم هذا
الفائض في يد صاحب الآلات وتكون منه ثروة تسمح له بالانخراط في سلك الرأسمالية..
ولا نريد أن ندخل في حلبة الصراع
بين الأيديولوجيين البرجوازيين والأيديولوجيين الماركسيين ونحن ننطلق من إيمان
ينظر للطرفين وانحرافهما عن الفطرة البشرية.. لكننا فقط نذكر بعض الملاحظات
المحايدة التي ربما مست هذه النظرة أو تلك.. ومرة ثانية فنحن نكتب لحساب الحقيقة
وليس لحساب يمين أو شمال يتآمران معًا على تقسيم الأسلاب البشرية بينهما..
عندما ينطلق الرأسمالي في طريقه
باحثًا عن أكبر قدر ممكن من الربح فإنه لا يضع في ذهنه إلا عدة اعتبارات كلها
مادية وشخصية.. إنه ينتج السلعة التي يمكن أن تدر عليه أكبر قدر من الربح حتى ولو
كانت هذه السلعة مضرة أو لا إنسانية وحتى لو كانت «ثانوية» لا تحتاجها إلا طبقات
معينة مترفة.. إنه يمارس الحصول على أكبر قدر من المال بأقل قدر من الأجور وأكبر
قدر من الإرهاق.. وهو ينسى قسريًا المبدأ من أية قيود اجتماعية أو إنسانية ولا
تحكمه إلا القيود التجارية البحتة تنطلق من طبيعة المصلحة التجارية.. فهناك قيود
المزاحمة والصراع الضاري بين الرأسماليين على ظروف أربح للإنتاج والتصريف، وهناك
التقلب السنوي والمفاجئ للأسعار نتيجة فوضى الإنتاج.. أي بإيجاز هناك «قانون
القيمة» الذي يعتبر هو المنظم الأكبر والوحيد لأبعاد العمل في السوق الرأسمالية..
لقد سار «الرأسمالي» في طريقه طويلًا وربما اعتصم في الطريق بما كان يسميه بـ «رأس المال» الأصلي وبين الأرباح الطائلة التي تواكبت عليه نتيجة وسائله اللاإنسانية، وربما كذلك اتسعت الفجوة بين الأجرة التي يتقاضاها العامل وبين قوة العمل التي يبذلها.. وخوفًا من البطالة.. ونتيجة تآمر عفوي أو منظم بين الرأسماليين ضد هذا العامل فإنه لا يملك إلا أن يستمر في عمله وإلا هلك وأسرته يتهددهم التشريد والجوع.. هذا، ولقد شهدت قرون الثورة الصناعية مخزيات لا إنسانية سجلها مسرح العمل الرأسمالي.. فهناك ساعات العمل التي تستهلك معظم اليوم، وهناك تشغيل الأحداث والمرأة بأقل الأجور، وهناك الأعمال الكليلة للطبقة الكادحة صحيًا واجتماعيًا وماديًا.. حتى ظن العمال أن السر في تعاسة جيلهم هي الثورة الصناعية بنفسها فظهرت حركة تحطيم الآلات بزعامة أول عامل حطم آلة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وهو «لودّ»..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل