; دارفور تواجه التقسيم والتفتيت والتدويل بين فكي التدخل الغربي والضعف الإفريقي | مجلة المجتمع

العنوان دارفور تواجه التقسيم والتفتيت والتدويل بين فكي التدخل الغربي والضعف الإفريقي

الكاتب محمد البشير أحمد موسى

تاريخ النشر السبت 18-مارس-2006

مشاهدات 50

نشر في العدد 1693

نشر في الصفحة 24

السبت 18-مارس-2006

•اليمن الصهيوني في أمريكا بدأ تهيئة الرأي العام لتقبل التدخل في السودان بحجج كثيرة 

•تفتيت السودان إلى دويلات وعرقيات وطوائف ومذاهب.. أهم ما يسعى الغرب إليه الآن 

•«يان برونك» ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في السودان: إرسال قوة يسيطر عليها الحلف الاطلسي لحماية المدنيين في دارفور سيكون كارثة محتمة 

•بوش التقى زوجة جارانج في البيت الابيض لدعم ما يسمى بدولة الجنوب المرتقبة! 

السيادة والاستقلال السياسي والمساواة في السيادة لكل الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، من المبادئ المهمة التي يقوم عليها القانون الدولي. وهي أيضاً المبادئ التي نصت عليها المنظمات الإقليمية، ومنها منظمة الوحدة الإفريقية، إلا أن الاتحاد الإفريقي المنظمة البديلة لمنظمة الوحدة الإفريقية اتجه اتجاها مغايرا للمبادئ التي قامت عليها منظمة الوحدة الإفريقية، ومن أهمها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للأعضاء. فوفقاً لهذه المتغيرات على الساحة العالمية عامة والساحة الإفريقية بخاصة أضحت مفاهيم أو مبادئ السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية تنحو منحى آخر، فطرأ تغير كبير في مفهوم السيادة، وأصبح بإمكان الحلف الأنجلو أمريكي استصدار قرار من مجلس الأمن «كما يسمى» تحت أي مسوغ بفرض العقوبات المختلفة على الدولة المعادية التي لا تدور في فلك الدول الغربية في بادئ الأمر، ويتطور الأمر لاحقاً إلى احتلالها كما حدث في أفغانستان والعراق، وما هو متوقع تجاه السودان وسوريا وإيران؟

حرب الأقليات

الاستراتيجية الموضوعة من قبل اليمين المتطرف في أمريكا وحلفائه في الكيان الصهيوني هي أنه يجب إعادة تقسيم الأمة الإسلامية غير تقسيم سايكس – بيكو، وفي ذلك يقول زئيف شيفي المحلل العسكري اليهودي في صحيفة هارتس العبرية في ٢ يوليو ۱۹۸۲ اثناء غزو لبنان: «إننا نعيش في محيط سني، ولذلك يجب على إسرائيل أن تتعاون بل وتجند الأقليات العرقية والمذهبية في المنطقة المحيطة لخدمة المصالح الإسرائيلية، وأن تركز إعلامياً على أن الشرق الأوسط ليس بالمحيط العربي الإسلامي، بل يشمل أقليات متعددة».  (1) وبناء على هذه الاستراتيجية تم شن الحروب المتعددة في العالم الإسلامي - مباشرة أو بالوكالة - وتم تأجيج الفتن الداخلية وإذكاء روح العصبيات الجاهلية والمذهبيات الطائفية والدينية، ولم يكن السودان بدعاً من دول العالم الإسلامي فاتبعت معه كل الوسائل منذ الاستعمار الإنجليزي وحديثاً في العهد الأنجلو أمريكي الذي تميز بسياسة شد الأطراف وفرض العقوبات، بل وقصف البنية التحتية لمصنع الأدوية في الخرطوم (مصنع الشفاء) وأخيراً التلويح بالتدخل العسكري تحت المظلة المشبوهة «هيئة الأمم المتحدة».

الدور المشبوه

لقد سبق تكوين مجلس السلم الإفريقي هيئات متعددة لحفظ السلم والأمن في ربوع القارة الإفريقية سواء كانت هيئات إفريقية خالصة أو هيئات غربية (فرنسية بريطانية أمريكية) تحت غطاء إفريقي، ولعل أشهر هذه الهيئات الغربية المبادرة الأمريكية لمواجهة الأزمات الإفريقية - Afri can Crisis Response Initiative التي أنشئت نتيجة لما حدث لأمريكا في الصومال، فتبنت هذه الهيئة بهدف تكوين وحدات عسكرية إفريقية تأتمر بأمرها في حل النزاعات في القارة، وتفرض أمريكا من خلالها هيمنتها على القارة، بعيداً عن حلفائها الأوروبيين. وحينما أدركت الولايات المتحدة – سواء في عهد كلينتون أو بوش الابن - أن الهيمنة الأمريكية على القارة الإفريقية ليست أمراً سهلاً ولا تتم بالقوة العسكرية وحدها لجأت إلى وسائل متعددة وجعلت من القوة العسكرية أحد الخيارات وليس الخيار الوحيد كما حدث في الصومال. واتجهت نحو دعم هذا المجلس أي مجلس السلم والأمن الإفريقي الوليد دعماً مادياً. واستطاعت أن توجه هذا المجلس حسبما تشاء، ولذا كانت فرحتها غامرة عندما أسندت رئاسة الاتحاد الإفريقي - بضغوط مختلفة على عدة دول في القارة - إلى أحد تابعيها، حتى يتسنى لها تنفيذ خططها بعيداً عن المناوشات، وذلك بدلاً من الرئيس السوداني الذي كان من المفترض أن يتسلم الرئاسة وفقاً للإجراءات الروتينية المتبعة في الاتحاد الإفريقي. ومن أهم أهداف الاستراتيجية الاستعمارية الأمريكية تفتيت السودان إلى دويلات، وتفتيتها كذلك عرقياً وطائفياً، بل ومذهبياً. ولذلك لم يكن غريباً أن يقابل بوش زوجة جون جارانج مؤخراً في البيت الأبيض،  وهي لم تطلب دعماً للسودان برفع العقوبات الأمريكية والغربية عنها، بل دعماً لما يسمى بدولة الجنوب المرتقبة، وفي نفس الوقت تم التأكيد على تشديد العقوبات الصادرة من الأمم المتحدة على السودان! 

الفوضى البناءة! 

إن التدخلات القليلة التي قامت بها قوات حفظ السلام الإفريقية في بعض البلاد الإفريقية لم تكن لحفظ السلم، وإنما كانت سبباً في تقعيد القاعدة الغربية الجديدة «الفوضى البناءة»، فقد تسببت هذه القوات في كثير من الحالات التي تدخلت بها إلى تلاشي السلام والأمن بدلاً من إحلالهما، واشتراك هذه القوات في أعمال منافية للأخلاق بانتهاك الأعراض والمساهمة مع الشبكات الدولية في نشر الرذيلة والمخدرات وسط اللاجئين، بل إن بعض القوات العاملة في المناطق المسلمة كانت أعيناً وعضداً للمنظمات الكنسية وعلى رأسها ،«أوكسفام»، وما تم في الحالة العاجية ليس عنا ببعيد!  وبموجب قرار مجلس السلم والأمن الإفريقي القاضي بضرورة إرسال قوات لحفظ السلام في دارفور، فقد أرسل الاتحاد في يوليو ٢٠٠٤ حوالي ۲۳۷۰ جندياً، وقد تم زيادة العدد في أكتوبر٢٠٠٤م إلى ٢٣٢٠ جندياً. وقد أضفت هذه الزيادة تحسناً في الوضع الأمني، كما جاء على لسان وزير الخارجية السوداني «لام أكول»، الذي قال: «بعد التحسن الكبير الذي شهدته الأوضاع في دارفور بفضل جهود الدولة ووجود القوات الإفريقية، قرر مجلس السلم والأمن في اجتماعه بتاريخ٢٨/٤/ ٢٠٠٥ تعزيز التحسن الذي طرأ على الأرض برفع عدد القوات الإفريقية إلى ٦١٧١ عنصراً بنهاية سبتمبر ٢٠٠٥م، بالإضافة إلى الشرطة الإفريقية بعدد ١٥٦٠ فرداً وبذلك يكون إجمالي القوة الإفريقية حالياً ۷۷۳۱ عنصراً». وهذه الزيادة العددية أضفت عبئاً مادياً جديداً على الاتحاد الإفريقي الذي يعاني أصلاً من شح مادي كبير، عندها أرسلت دول الحلفاء (أمريكا وبريطانيا وفرنسا) رسائل خفية إلى بعض المسؤولين في الاتحاد الإفريقي بأنها على استعداد تام لدعم هذه القوات وسد العجز المالي في ميزانية هذه القوات، أو إحلال القوات الأطلسية بدلاً منها، أو أن تساهم قوات الأطلسي بوسيلة أخرى بدور أكثر فاعلية لها على الواقع، مع القوات الإفريقية – علماً بأن بعض شركاء الاتحاد الإفريقي يساهم مادياً في تحمل تكلفة هذه الحملة كالاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة – لذا كان لها الحق في توجيه الرأي الإفريقي حسب الوجهة التي تريدها، طالما أنها هي التي توفر احتياجات هذه القوات

ازدياد الخلافات

إن الأشهر القادمة تحمل في طياتها الكثير تجاه هذه الأزمة، وستزداد الخلافات بين دول القارة ما بين راضية بالتدخل الخارجي في القارة ورافضة لذلك، ولكن الأقوال في جهة، والأفعال التي تتم وراء الكواليس قد تكون في جهة أخرى. لقد عقد مجلس الأمن اجتماعه في شهر فبراير الماضي تحت ضغوط غربية وكان من المفترض عقد لقاء آخر له في الثالث من شهر مارس الجاري، إلا أن بعض الظروف الداخلية في الاتحاد - كما قيل - أدت إلى تأجيل اللقاء إلى العاشر من مارس الجاري، وتم في هذا اللقاء اتخاذ قرار نهائي عن وضع القوات الإفريقية في دارفور.  فهل تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها فرض أمر واقع بتدخل خارجي في دارفور، أم أن الاتحاد سيتعدى هذه المشكلة إلى بر الأمان؟! وخاصة أن بعض الساسة في المنظمة الدولية لهم رأي مغاير للتوجه الذي يقوده أمينها العام كوفي أنان، حيث قال «يان برونك» ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في السودان: «إن إرسال قوة يسيطر عليها الحلف الأطلسي لحماية المدنيين في دارفور سيكون كارثة محتمة»! 

الرأي العام الأمريكي

أما في أمريكا نفسها فقد بدأت الجهات النافذة في اليمين الصهيوني وغيره، في تهيئة الرأي العام الأمريكي لتقبل أمر التدخل السريع في السودان بحجج كثيرة، فقد دعا السيناتور الديمقراطي جوزيف بيدن- عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ- المسؤولين في الحكومة الأمريكية إلى قيادة المساعي الدولية لوقف قتل الرجال والنساء والأطفال الأبرياء في دارفور! وأضاف بيدن أن «الحكومة السودانية تخلت عن سيادتها بإساءتها لشعبها بشكل منظم، ومحنة  الضحايا هي الآن شأن كل دولة متحضرة في العالم»!! بهذه العبارات نجد أن مفهوم السيادة يتم اعتماده من قبل واشنطن، وأنها هي الحامية الحقيقية لحقوق الإنسان كما في أبو غريب وخليج جواناتنامو في عصر اختلت فيه الموازين والمفاهيم، وأن الضحايا في فلسطين وأفغانستان والعراق، ليسوا شأناً مهماً الدول المتحضرة! ولا ننسى المقولات التي قيلت إبان البدايات الأولى للأزمة، ومن ذلك ما صرح به الرئيس الأمريكي بوش أن «المعارك الأخيرة في منطقة دارفور فتحت صفحة جديدة في تاريخ هذا البلد المضطرب وعلى الحكومة السودانية أن توقف فوراً الأعمال الوحشية التي تقوم بها المليشيات المحلية ضد السكان الأصليين وأن تترك المنظمات «الإنسانية» تصل إلى المنطقة» ! وكذلك ما صرح به رئيس الوزراء  الفرنسي «دومينيك دو فيلبان» أن هذا  النزاع في غرب السودان يجب أن يدفعنا إلى التعبئة لأنه يهدد استقرار المنطقة ؟!(۲) أما كوفي أنان فقد مهد مبكراً لعملية التدخل الخارجي في الأزمة عندما قال: «إن تحركاً عسكرياً من الخارج قد يصبح ضرورة لوقف عمليات التطهير العرقي الجارية في دارفور». (٣)

الدور المطلوب

إن دارفور مقبلة على مرحلة من أصعب مراحلها . إن لم تكن تعيشها الآن فعلاً -، وما يعتقده بعض أبنائها الذين ارتموا في أحضان الغرب ولدى الدوائر الكنسية أنها مرحلة فاصلة في تاريخها حسب رأيهم ومن خلاله يتمكنون من تقرير الحكم الذاتي لها، وتوزيع عادل لثرواتها، إن لم يحصلوا على دولة مستقلة، وعلى افتراض هذه الرؤية ٠-أي الاستقلال-، فإن دارفور قد تتجزأ إلى أجزاء تتناحر فيما بينها لعوامل عدة ومعلومة للقاصي والداني، فلم يجمع أبناء هذه المنطقة سوى الإسلام، وعندما يرفع الإسلام من الحكم والفصل في قضايا المنطقة، وتوكل الأمور إلى الكنائس ومجلس الأمن، فلن تكون حالها أفضل من حال العراق وأفغانستان!. 

المراجع

١-إسرائيل وغزو العراق، حسام سويلم - مركز الإعلام العربي بالقاهرة.

٢- وكالات الأنباء والقنوات الفضائية-الجزيرة، البي بي سي. 

٣-المصدر السابق.

 

الرابط المختصر :