; السودان في كارثة القرن: شعب مسلم بين الحياة والموت | مجلة المجتمع

العنوان السودان في كارثة القرن: شعب مسلم بين الحياة والموت

الكاتب محمد اليقظان

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1988

مشاهدات 90

نشر في العدد 879

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 23-أغسطس-1988

  • كارثة السيول الراهنة وأخطار الفيضان المتوقعة تكاد تغطي أقاليم السودان باستثناء دارفور.
  • المشير عبد الرحمن سوار رئيس منظمة الدعوة الإسلامية.

يشهد السودان هذه الأيام أسوأ كارثة عرفها تاريخه المعاصر؛ إذ اجتاحت السيول معظم مناطق العاصمة السودانية الخرطوم ومنطقة كسلا وطوكر والشواك بشرق السودان ومنطقة الدويم بالنيل الأبيض ومنطقة الرهد وسط السودان ومنطقة عطبرة والدامر في شمال السودان. وقد ارتفع منسوب النيل ارتفاعًا لم يشهد له مثيل منذ خمسين عامًا، وأدى إلى دمار كثير من الجزر والقرى المجاورة، ولا تزال آلاف القرى تنتظر نفس المصير عند بلوغ منسوب النيل المتنامي لأعلى نقطة في نهاية شهر أغسطس الجاري.

وكانت بداية الكارثة عندما هطلت أمطار غزيرة في الخرطوم وأواسط السودان ليلة الجمعة الخامس من أغسطس ۱۹۸۸، واستمرت تهطل بغزارة حتى الصباح، وبلغ منسوبها ۲۱۰ ملم وفقًا لإعلان مصلحة الأرصاد الجوي التي أوضحت أن هذا المعدل الذي بلغته أمطار الجمعة في ليلة واحدة هو نفس معدل الأمطار في الخرطوم لعام كامل في خريف ۱۹۸۷ . وكان نتيجة ذلك أن غرقت العاصمة السودانية بأسرها في بحيرة واسعة من المياه يبلغ ارتفاعها أكثر من متر عن سطح الأرض، وتهدمت المنازل ومسحت أحياء بأكملها من الوجود في مناطق المساكن الشعبية، ودمرت عدد من محطات الكهرباء والمياه، وعاشت المدينة في ظلام دامس لمدة ثلاثة أيام متتالية، وانقطعت إذاعة أم درمان عن البث لمدة يوم بسبب الأمطار.. واستمرت السيول تتدفق قادمة من سهول البطانة شرقي العاصمة والمرتفعات الغربية؛ فانجرفت أحياء عديدة في منطقة الخرطوم بحري وغرب أم درمان وجنوب الخرطوم، ولا يزال حصر الخسائر مستمرًا حتى الآن، وقد بلغ عدد المنازل التي دمرت تمامًا وأخلاها أصحابها حتى كتابة هذا التقرير مائة وخمسين ألف منزل بمناطق العاصمة الثلاث خلافًا للمنازل التي دمرت جزئيًا أو تلك التي في طريقها للسقوط. ووجد المواطنون أنفسهم فجأة بلا مأوى، ولجأوا إلى المرتفعات وخطوط السكك الحديدية هربًا بأسرهم وأطفالهم في ظروف مأساوية، افترشوا الأرض والتحفوا السماء.

وقد أدت السيول إلى وفاة عشرات من النساء والأطفال بسبب الغرق والهدم والصدمات الكهربائية نتيجة لانهيار المنازل. وعاشت الخرطوم ظروفًا صعبة من الجوع والمسغبة لتوقف المواصلات وإغلاق المتاجر والمخابز نتيجة للأمطار.

ثم توافدت الأخبار من مناطق كسلا وطوكر والشواك بشرق السودان والدويم بالنيل الأبيض وعطبرة والدامر بالإقليم الشمالي تحكي نفس الظروف التي تعيشها العاصمة من جراء الأمطار والسيول؛ حيث دمرت عشرات القرى وأصبح الآلاف من الناس بلا مأوى، وتسبب فيضان نهر القاش بكسلا في دمار ١٢ ألف منزل شرق القاش، ووصلت مياهه لمنطقة الخليفة وبلغ ارتفاعها أكثر من مترين فوق سطح الأرض، كما اجتاحت السيول أيضًا مدينة طوكر وغمرت محطة مياه كريمت التي تغذي طوكر بالمياه، ودمرت المباني ومنازل العاملين، وعطلت الماكينات عن ضخ المياه. وتعطلت حركة المواصلات التي تربط الخرطوم بأقاليم السودان المختلفة، وقامت هيئة السكك الحديدية بإلغاء جميع سفرياتها في مختلف أنحاء البلاد؛ لانجراف الخطوط الحديدية بسبب السيول، وأوقفت شركة الخطوط الجوية السودانية جميع سفرياتها الداخلية إلى مختلف عواصم الأقاليم باستثناء بور سودان..

 ثم تلت ذلك أنباء توافرت عن محافظة شمال کردفان، أفادت أن السيول اجتاحت مدينة حمرة الوز وشردت ما يقرب من خمسين ألف أسرة، ودمرت العديد من المدارس والمنشآت الحكومية.

وأعقب ذلك هطول أمطار غزيرة يوم الثلاثاء ٨/٨ بمنطقة مشروع الرهد الزراعي استمرت لمدة ست ساعات كاملة صاحبتها سيول جارفة، أدت إلى جرف شارع الأسفلت الذي يربط بين الخرطوم وبورتسودان، حيث انغمر الشارع تمامًا في قلب المياه التي علته بمقدار متر فوق سطحه رغم ارتفاعه الكبير عن سطح الأرض، وأدت السيول المتدفقة إلى غمر مائتي ألف فدان من الأراضي التي زرعت حديثًا بالقطن والذرة والفول السوداني. وأصبح الموسم الزراعي بمشروع الرهد مهددًا بالفشل بدرجة كبيرة. وإزاء هذا الوضع المأساوي قامت الحكومة بإعلان العاصمة الخرطوم والدامر وكسلا والشواك مناطق كوارث، وأوضح وزير المالية السوداني الذي يرأس اللجنة الوزارية التي شكلتها الحكومة لدرء آثار كوارث السيول أن عدد المواطنين المتأثرين يفوق المليوني شخص، هم الآن في أمس الحاجة للمأوى والخيام والغذاء والكساء والأدوية. هذا وقد حذر مسؤول كبير بوزارة الصحة السودانية من أن الوضع الصحي في الخرطوم بدأ في التدهور خلال الأيام الثلاثة التي أعقبت السيول، وأنه يخشى من أن الحالة ستتدنى بصورة مخيفة خلال الأسبوعين القادمين، حيث ينتظر أن تنتشر الأمراض والنزلات المعوية وحمى التايفود واليرقان ووباء الكوليرا ونزلات البرد. على صعيد آخر حذرت وزارة الري جميع السكان القاطنين على ضفاف النيل الأزرق ونهر النيل من فيضان وشيك الوقوع، وطالبتهم باتخاذ التدابير العاجلة لحماية أنفسهم وممتلكاتهم – وأوضح مدير الخزانات بوزارة الري أن خزان الروصيرص سجل في العاشر من أغسطس الجاري ۸۰۰ متر مكعب، بينما بلغ معدل المياه خارج الخزان 6۸۰ مليون متر مكعب، مما يعني أن هناك تخزينًا إجباريًا يبلغ ۱۲۰ مليون متر مكعب، على الرغم من فتح جميع أبواب الخزان. وقد أعلن وزير الري أن مستوى النيل الازرق قد ارتفع ارتفاعًا مذهلًا بصورة فاقت منسوبه إبان فيضان عام ١٩٤٦ الذي أحدث خرابًا كبيرًا في معظم المناطق النيلية بالسودان إذ أن منسوب النيل بلغ يوم 11 أغسطس ١٥,٩٥ منرًا أي بزيادة عشرة بوصات عن منسوب ١٩٤٦ ، وأن متوسط إيراد النيل لهذا العام قد وصل لأعلى معدل وصل إليه خلال الخمسين عامًا الماضية.

وبعد هذا الاستعراض السريع لبعض مظاهر الكارثة التي توفرت عنها المعلومات والتقارير لا تزال ترد يوميًا لتحديد حجم الكارثة ، يجد المراقب أن هناك خطرين إضافيين من المتوقع أن يحدثا خسائر أكبر بكثير من تلك التي تمت، والله نسأل اللطف. وأول الخطرين يتمثل في إذا ما استمر منسوب النيل في الارتفاع بهذه الصورة اليومية، فإن نذر الفيضان تنبئ بكارثة ما حقة ستطال كافة القرى والمدن المتاخمة لضفتي النيل وهي واسعة تمتد من الجنوب إلى الشمال بامتداد القطر السوداني بأسره، وتعتبر عمق الكثافة السكانية الرئيسية في البلاد. 

وثانيهما: يتمثل في أن جميع المناطق التي اجتاحتها السيول وأحدثت فيها الأضرار المتقدمة، لم تعد تحتمل أدنى نسبة من الأمطار والمياه الإضافية، وستؤول معظم المنازل المتبقية إلى السقوط إن هطلت أمطار مشابهة لا سمح الله. وإذا أجرينا مقارنة بسيطة بين كارثة السيول الراهنة وظروف الجفاف والمجاعة التي ضربت السودان قبل ثلاث أعوام، نجد أن العبء الذي يقع على عائق المنظمات التطوعية والهيئات الخيرية أضخم بمراحل عدة من ذلك الذي كان مطلوبًا منها إبان فترة المجاعة السابقة. إذ إن المجاعة السابقة انحصرت بين إقليمين أساسيين: هما إقليم دارفور والإقليم الشرقي وقطاع من شمال كردفان. إلا أن كارثة السيول الراهنة وأخطار الفيضان المتوقعة تكاد تغطي كافة أقاليم السودان باستثناء دارفور. والمتضررون منها من حيث الكثافة السكانية هو أضعاف الذين تضرروا من المجاعة، بالإضافة إلى انقطاع الطرق بسبب السيول نفسها مما يتطلب جهودًا مضاعفة وتوصيل الإغاثة للمتضررين في مقدمتها استخدام شاحنات قوية وأجهزة اتصال فاعلة. ونحن إذ نضع هذه المؤشرات العاجلة نجد أنفسنا نكرر ذات النداء الذي وجهه المشير عبد الرحمن سوار الذهب رئيس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية إلى كافة المنظمات التطوعية والمؤسسات الخيرية ورجال البر والإحسان بأن يهرعوا إلى نجدة إخوانهم الذين نكبتهم السيول في السودان، وننبه الأخوة المسؤولين عن الإعلام في هذه المؤسسات والزملاء الصحفيين في مختلف بقاع البلاد الإسلامية إلى ضرورة الدور الكبير الملقى على عاتقهم في تعريف الرأي العام في بلادهم بهذه الكارثة، وأبعادها القائمة والمحتملة ودعوتهم جميعًا للمشاركة في إسعاف إخوانهم المنكوبين مصداقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم « مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى »(البخاري:6011).

وقد حددت إدارة الرعاية الاجتماعية بالمنظمة أبرز الاحتياجات العاجلة للمنكوبين فيما يلي:

  1. المواد الغذائية شبه الجاهزة ،وعلى رأسها دقيق القمح «الطحين».
  2. الخيام
  3. الأغطية والبطاطين والكساء
  4. الأدوية خاصة بما يتعلق بمعالجة الأمراض الباطنية التي تنقل عن طريق الفم والذباب.

والله نسأله أن يتلطف بعباده ويحيل هذه المياه إلى مصدر خير، ويفرج عن المنكوبين، ويحفظ الأمة الإسلامية من جميع الشرور إنه بعباده لطيف خبير.. 

إدارة الإعلام والنشر بمنظمة الدعوة الإسلامية: 

الخرطوم ص . ب ۱۹۹

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8