العنوان خير خلف لخير سلف «١من ٢»
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010
مشاهدات 137
نشر في العدد 1889
نشر في الصفحة 38
السبت 13-فبراير-2010
- حركة الإخوان المسلمين مدرسة يتكامل فيها كبار الجماعة من الإمام حسن البنا إلى د. محمد بديع.
- المرشد السابق محمد مهدي عاكف أصل المدرسة الزهد في المناصب.
- جاء في المرتبة الثانية عشرة ضمن خمسين شخصية مسلمة مؤثرة في عام ٢٠٠٩م.
- السر الكبير في تصنيف تلك الجماعة كعدو أول للمشروع الغربي في المجتمعات العربية والإسلامية هو أنها تحيي دينًا ومنهجًا نقيًا دون حمل سلاح أو منابذة حاكم.
- ما بناه الإمام البنا أصله وبينه وثبته الإمام سيد قطب فهما مدرسة واحدة تستقي من منهج واحد من الكتاب والسنة.
- الانتساب إلى فكر «سيد قطب » مفخرة لا منقصة.
- لا أزعم أن الشيخ سيد قطب-يرحمه الله-على صواب في كل ما قاله أو كتبه فما هو بالملك الكريم أو النبي المعصوم. إنما هو بشر يصيب ويخطئ لكن أخطاءه تغمس في بحر حسناته.
- سيد قطب حدد مقصده من الجاهلية بقوله: إنها تعني العلمانية كمنهج في التشريع وفي الحياة كلها. وتعني كذلك كل ما وضعه البعض من قوانين من عند نفسه تخالف شرع الله وقال: هذا شرع الله.
في سابقة أولى لم يسبقه إليها أحد ؛ يحوز الأستاذ محمد مهدي عاكف على لقب المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين؛ حيث تخلى عن منصبه ليخلفه د. محمد بديع الذي انتخب مرشدًا عامًا خلال الأيام الماضية، وبين السابق واللاحق منهما كانت لنا وقفات.
الوقفة الأولى: الزهد في المناصب:
«محمد مهدي عاكف» من مواليد كفر عوض السنيطة بمركز أجا محافظة الدقهلية في ١٢ يوليو ۱۹۲۸م، عرف جماعة الإخوان المسلمين في وقت مبكر عام ١٩٤٠م، وتربى على شيوخ الإخوان المسلمين وعلمائهم، وعلى رأسهم الشيخ حسن البنا، وكان من أحب المشايخ إلى نفسه محب الدين الخطيب.
وله علاقات طيبة بمعظم قيادات العمل الإسلامي في العالم، واختير الأستاذ عاكف في المرتبة الثانية عشرة ضمن خمسين شخصية مسلمة مؤثرة في عام «۲۰۰۹م» في كتاب أصدره المركز الملكي للدراسات الإستراتيجية الإسلامية، وهو مركز أبحاث رسمي في الأردن.
وقد تولى الأستاذ عاكف منصب المرشد العام بعد وفاة سلفه المستشار مأمون الهضيبي في «يناير عام ٢٠٠٤م»، وقد خلفه في المنصب د. محمد بديع»؛ حيث تم انتخابه بعد انتهاء فترة ولاية الأستاذ عاكف، ليسجل بذلك سابقة في تاريخ الجماعة؛ حيث كان في السابق أن المبدأ عند جماعة الإخوان المسلمين أن المرشد يبقى حتى وفاته.
ولقد وضع محمد مهدي عاكف خلال توليه لمنصبه كمرشد لجماعة الإخوان المسلمين بصمة مميزة، وهي أن للولاية حدودًا وأن للمسؤولية حدودًا، وأن توريث المسؤولية أمر لا يستطيعه إلا الكبار.
ففي المسؤولية والمنصب أنس ومتعة وعندما يتخلى عنها الإنسان-وإن كانت رئاسة جمعية تعاونية-فإنها تدل على استعلائه على شهوة الجاه.
لقد استطاع الأستاذ عاكف بذلك أن يفشل المشروع التغريبي الذي عملت على بثه في الأمة جيوش الاستشراق وجيوش الصليبيين من قبل سقوط الخلافة إلى بعد سقوطها، واستمر في هذا المشروع أناس من بني جلدتنا فجعلوا الانفصام القبيح بين الدين والحياة، وأصلوا قاعدة: «دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر»، وتبع لذلك جيش كبير من تلاميذ المستشرقين والغربيين لتخرج لنا مجتمعات علمانية في عالمنا العربي والإسلامي.
فكانت أصول الإمام حسن البنا ومن مشى على خطاه مواجهة لهذا المد بطرح المشروع الشمولي.
يقول الإمام حسن البنا عن هذه الدعوة «إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية، وطريقة سنية وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية وثقافية وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية».
وهذا هو السر الكبير في العداء الأمريكي الغربي لحركة الإخوان، وتصنيفها على أنها العدو الأول للمشروع الأمريكي الغربي في المجتمعات العربية والإسلامية مع معرفتهم اليقينية بأنهم لا يحملون سلاحًا ولا ينابذون حاكمًا.
ولكنهم يحيون دينًا ومنهجًا نقيًا نظيفًا طاهرًا، يعتمد على شمولية هذا الدين والتي امتلأ بيانها في القرآن الكريم والسنة النبوية، والحديث عنها يطول.
ثم جاء بعد الشيخ البنا سيد قطب فلم يأت بمنهج جديد ولا بخروج على الكتاب والسنة، ولكن تأكيدًا وتأصيلًا وتقعيدًا لما بناه الشيخ البنا من خلال فهم كتاب الله والعيش في ظلاله.
فما بناه الإمام البنا أصله وبينه وثبته الإمام سيد قطب، فهما مدرسة واحدة تستقي من منهج واحد من الكتاب والسنة.
أما إن كان هناك خلل في فهم البعض لكلام سيد قطب أو استخدام سيئ من البعض الآخر لكلام قطب فهذا لا شأن لقطب به، فهو عليه نحت القوافي وما عليه إذا لم يفهم البشر.
الوقفة الثانية: المرشد الجديد من العشر الأوائل
إنه د. محمد بديع عبد المجيد سامي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين حاليًا، ولد في المحلة الكبرى وسط دلتا مصر في «7 أغسطس ١٩٤٣م»، وهو أستاذ علم الأمراض كلية الطب البيطري جامعة بني سويف.
وهو واحد من أعظم مائة عالم عربي وفقًا للموسوعة العلمية العربية التي أصدرتها الهيئة العامة للاستعلامات المصرية ۱۹۹۹م ومن العشرة الأوائل في العالم في البيطرة ومؤسس المعهد البيطري العالي بالجمهورية العربية اليمنية، وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ عام ۱۹۹۳م.
أنتخب د. محمد بديع مرشدًا عامًا الجماعة الإخوان المسلمين في «١٦يناير ۲۰۱۰م»، ليصبح المرشد الثامن للجماعة خلفًا للأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق، في سابقة هي الأولى على مر تاريخ الجماعة في مصر باختيار مرشد عام للجماعة بالانتخاب في ظل وجود مرشد عام على قيد الحياة.
الوقفة الثالثة: الانتساب إلى فكر «سيد قطب» مفخرة لا منقصة
ود. محمد بديع له تميز خاص وبصمة خاصة في الجماعة، فهو خير خلف لخير سلف.
غير أن المرجئين يشيعون الشائعات ويروجون الأباطيل؛ فهم ينتقدونه ويتهمونه بأنه يمشي على خطى «السيد قطب» ويتهمونه بأنه حامل لفكر «السيد القطب» وكأنها سبة أو منقصة.
نعم، لقد تأثر د. محمد بديع بـ «سيد قطب»، غير أن المتهمين له والمنتقدين ما علموا أن الانتساب لسيد قطب أصالة ورفعة، فهو فكر أصيل في الاعتقاد، ومنهج سليم في الاتباع، هو امتداد طبيعي لمدرسة الإمام حسن البنا.
لقد كان الإمام حسن البنا وكانت بصمته واضحة في مشروع شمولية الإسلام حينما ذكر في الأصل الأول من أصوله في فهم الدولة؛ حيث قال:
«الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء».
وعندما يقال في وسائل الإعلام: إن فكر د. محمد بديع امتداد لفكر سيد قطب؛ فهو مرشد لحركة الإخوان المسلمين فهو امتداد للإمام البنا؛ وهو امتداد للإمام سيد قطب وحسن الهضيبي والتلمساني، ومصطفى مشهور، ومحمد عاكف.
فحركة الإخوان المسلمين مدرسة شمولية يتكامل فيها كبار الحركة من الإمام حسن البنا إلى د. محمد بديع.
فهي مدرسة واحدة قائمة على الكتاب والسنة؛ يتواصل الجميع بالثبات على ركيزتي البناء الإسلامي إيمانًا وأخوة، يسعى بذمتهم أدناهم.
فالمسؤولية بالنسبة لهم تكليف لا تشريف، وأمانة ثقيلة يهرب منها الجميع ولكن عندما تتعين بانتخاب الإخوان لأحد بأن يحمل الراية فلا مناص له من حملها وأخذها.
ونسأل الله أن يكون المرشد د. محمد بديع خير خلف لخير سلف ليواصل الدعوة على منهج كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ في فهم شمولي وسطي، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾( البقرة: 143)
وهنا يحسن بي أن أذكر عن الشيخ سيد قطب بيانًا يزيل اللبس عن بعض المفاهيم التي أخطأ الناس في تحميلها لسيد قطب ثم هجموا عليه بعد أن ألبسوه لباسًا لم يلبسه، ونحن عندما نقول ذلك لا ندعي لأحد عصمة ولا نبرئ أحدًا من خطأ، ولكن الكبار تنسى هفواتهم في بحر حسناتهم.
وكما قال الإمام مالك: «كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر ﷺ.
فنقول عند سيد قطب-والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا: إنه رائد مدرسة التفسير الحركي، وقد نشأ في بيت علم وصلاح، يتردد في جنباته عبير تلاوة القرآن وشذى ترديد آياته فتنسم سيد هذا الشذا وذلك العبير، وهو طفل صغير، فترسخ في وجدانه حب القرآن، مما جعله يتكون تكوينًا علميًا وأدبيًا رفيعًا.
الوقفة الرابعة: سيد قطب ليس معصومًا ولكن. هو فوق الاتهامات..
لا يسلم الإنسان من نقد ومدح لفكره يؤخذ منه وينقد، وكما يحلو للبعض نقد الآخرين، فإن أناسًا آخرين يمجدون ويحمدون ذلك الفعل، والمدح والنقد نقيضان يجتمعان في دنيا الناس، وكما قيل: «لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع».
وسيد قطب فوق الاتهامات قد يبدو غريبًا أن يكون شخص فوق الاتهام!
لكن هذا جاء مشاكلة ومحاكاة لتلك القراءة الخاطئة والمريضة. و«القراءة الظاهرية» لكلام قطب وفي هذا ظلم المذهب إمام كبير بوزن ابن حزم يرحمه الله، وآفة تلك القراءة المريضة في عقول أصحابها وقلوبهم التي سولت لهم القول بكفر قطب نفسه، أو أنه يقول بالكفر أو ما شابه ذلك .
فسيد قطب فوق الاتهام كشخص دفع حياته ثمنًا لأفكاره، وشهد أن شرع الله أغلى من حياته، ورفض أن يشتري الحياة الزائلة بكذبة لن تزول وقال: إنه يرفض أن يكتب بسبابة توحد الله ما يضرها، وهو القائل: «إن كلماتنا ستبقى عرائس من الشموع حتى إذا متنا من أجلها انتفضت حية وعاشت بين الأحياء». ومن هنا فقد مدح أناس كثيرون شيخنا المبجل قطب وكان على النقيض الآخر بعض الناس، ومثل هؤلاء العظماء يختلف في تقويمهم اختلافًا كثيرًا، فمنهم من يعلو بهم إلى قمة التقدم ومنهم من يهوي بهم إلى قاع الحضيض.
والقاعدة الكلية التي نعيش بها: «إن كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه، والأستاذ سيد قطب-يرحمه الله-رجل عالم جليل ومفكر إسلامي شهدت له خلائق، وصار «الظلال» الذي وفقه الله إليه مرجعًا يحمل نبض قلب أهمته الدعوة.
ولكن مع هذا، فإن الأستاذ سيد قطب يرحمه الله-رجل أديب له من أساليب البلاغة أطناب وتصوير قد يتسبب في إيقاع ما ليس مقصودًا في قلب القارئ، فيستدل بعبارته على غير وجهه، ولكن يجب أن يرد كلام الرجل بعضه إلى بعض حتى تتضح الصورة، وكل ذلك يقتضي عرض آراء كل من الفريقين المادحين والناقدين، ومناقشة هذه الآراء لنرى حقيقة فكر الشيخ وما له وما عليه بلا إفراط ولا تفريط.
ثناء أهل العلم على «سيد قطب»
أثنى كثير من العلماء والمفكرين على فكر شيخنا السيد قطب، وتحدثوا عن مناقبه يقول عنه د. عبد البديع صقر: «كان سيد قطب تبرأ في ترب لا يعرف قدره إلا من ارتقى مرتقاه هو مدرسة وحده، ويكفيه شرفًا أن نبه الأمة إلى الكنز الذي لا يفنى القرآن الكريم».
ويقول العالم الجليل الأستاذ أبو الحسن الندوي حينما سمع إعدام سيد قطب، وهي شهادة لها وزنها لأنها صادرة من عالم الهند الشهير ومؤلف الكتاب الرائع ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» يقول: «إنها خسارة فادحة للدعوة الإسلامية والعلم والأدب والدراسة والبحث والأدب والنقد ومأساة علمية ضخمة، إن سيدًا من أولئك الأفذاذ الذين يسعد بهم العالم الإسلامي وهو في الطراز الأول من صفوة الدعاة ورجال الفكر والأدب الذين تحظى بهم الأمم بعد فترات طويلة.
وأرى أن الذين مدحوا الشيخ وعددوا مناقبه من كبار العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي، وهم لم يمدحوه لغرض في نفوسهم أو لهوى دنيوي، وإنما نظروا في تاريخ الشيخ، وعطائه الفكري، وخدمته للإسلام، فجرت أقلامهم بهذا الثناء، ويمكن إجمال ما قاله المادحون في النقاط الآتية:
للشيخ سيد قطب منهج فكري متميز في الدفاع عن الإسلام حيث تطور فكره من الدفاع إلى بيان حقائق الإسلام.
دراسة أوائل الأمة الإسلامية ومحاولة النهوض بها.
كسر الانبهار بالحضارة الغربية، وبيان عوارها في جميع المجالات، والتصدي للغزو الفكري والتيارات المعاصرة.
هذا، ولست أزعم أن الشيخ على صواب في كل ما قاله أو كتبه، فما هو بالملك الكريم ولا بالنبي المعصوم، إنما هو بشر يخطئ كما يخطئ البشر ويصيب كما يصيب البشر ولكن أخطاءه وزلاته-إن شاء الله-تغمس في بحر حسناته، ودفاعه عن «لا إله إلا الله».
شبهات وردود حول شیخنا سید قطب
أخذ بعض من النقاد على الشيخ سيد قطب مآخذ، ووقعوا له على آراء رأوا أنها لیست من الحق الذي يتبع، وسوف نناقشها ويمكن أن تنحصر أو تكاد تنحصر في القضايا المهمة التالية:
الشبهة الأولى: وصفه للأمة بالجاهلية:
إن التكفير والطعن في العقيدة مسألة مهمة وخطيرة، وهذا يتطلب مزيدًا من الحرص والتحري وإقامة الحجة والدليل والبرهان بنصوص قطعية في دلالاتها وثبوتها ولنمتثل حديث النبي ﷺ: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما».
وإن من أخطر القضايا التي أثيرت حول الشيخ سيد اتهامه بتكفير المسلمين، ووصفه للمجتمع الإسلامي بأنه مجتمع جاهلي.
ومنشأ هذه القضية هو سوء الفهم، وقبل أن تصدر أحكامًا لا بد لنا من الوقوف على كلمات سيد قطب وأقواله في هذه القضية ومن ثم يتم الحكم عليه أو له.
اقتطع من طعن في سيد قطب جزءًا من كلامه في «الظلال في عدة مواضع، ومنها قوله:
«إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته-أو يكتبون-يدخلون في متاهة، ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدونة في فراغ.. يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم بتركيبته المنحرفة وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغًا لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام. إن تركيبه العضوي مناقض للمجتمع المسلم»..
ثم قال قائلهم: «وفي هذا الكلام تكفير واضح للمجتمعات الإسلامية، ووصف لها بالجاهلية».
وللرد على ذلك نقول مستعينين بالله تعالى للجاهلية أكثر من معنى وأكثر من مجال في اللغة والشرع، ففي اللغة جاءت مادة جهل على ثلاثة معان:
الأول: وهو خلو النفس من العلم.
والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا.
أما الجاهلية في الشرع فيقصد بها: الجاهلية في جانب العقيدة والوحدانية ويدخل في هذا النوع من اعتمد منهجًا في الحكم مقابل إنكاره منهج الله تعالى وهو عالم بالتحريم، وهذا الفهم حدده الله تعالى في قوله: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُون ﴾ ( المائدة: 50)
جاهلية ممارسة الحياة اليومية: كما ورد في القرآن عن نهي نساء النبي ﷺ عن أعمال الجاهلية، قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ (الأحزاب: 33). فلم يزعم أحد أن من فعلت ذلك تعد كافرة، لأن الجاهلية المنهي عنها هنا جاهلية العمل-الممارسة وليست جاهلية الاعتقاد.
جاهلية المعصية: كقول النبي ﷺ لأبي ذر رضي الله عنه: «إنك أمرؤ فيك جاهلية، ولم يقل أحد إن أبا ذر رضي الله عنه قد كفر بهذا فلو كانت الجاهلية هنا هي الكفر لحكم بردته وطلب استتابته رضي الله عنه.
وهذان الأخيران لا يكفر أصحابهما، فالجاهلي بالمعنيين الأخيرين ليس بكافر، وإنما هو عاص الأوامر إلهية محددة بكلمة أخرى مسلم عاص.
والحق، إن لفظ الجاهلية» ولفظ «جهل» ومشتقاته قد وردا في القرآن الكريم في مواضع كثيرة واختلفت معانيهما من موضع لآخر، وقد وردتا على لسان النبي ﷺ ولم يقصد بهما الخروج من الملة أو الكفر الأكبر وإنما قصد بهما كفر النعمة لقوله ﷺ: «إني رأيت الجنة-أو أريت الجنة-فتناولت عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء»، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن»، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، ولو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط.
ولا يمكن لعاقل أن يقول: إن النبي ﷺ قال بتكفير النساء إن غضين من أزواجهن أو أنكرن حسن العشرة.
إذن، فلماذا حمل كلام سيد قطب على الكفر الصريح مع أنه قول محتمل، وإن ظهر فيه تكفير فكان بضوابطه الشرعية؟
وبعد هذا التوضيح المصطلح «الجاهلية». لنعد إلى الشيخ سيد قطب واستعمالاته لهذا المصطلح ومقصوده منه.
يقول-يرحمه الله في كتابه «معالم في الطريق» ما نصه: «إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئًا هذه التيسيرات المادية الهائلة وهذا الإبداع المادي الفائق!
هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية. وهي الحاكمية. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابًا..
وهذه التعبيرات واضحة في أنه لا يقصد بها أفراد المسلمين بل يقصد المصدر الذي يقنن للحياة.
وفي موضع آخر يعرف الشيخ سيد قطب المجتمع الجاهلي ويبين مقصوده منه-وهذا التعريف يندرج تحته كل ذكر لهذا المصطلح يأتي في كتاباته-فيقول: «إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده. متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التعبدية، وفي الشرائع القانونية.
وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار «المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلًا، تدخل فيه المجتمعات الشيوعية والمجتمعات الوثنية والمجتمعات اليهودية والنصرانية في أرجاء الأرض جميعًا، وأخيرًا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها «مسلمة»-ثم يبين مقصوده في هذه المجتمعات-فيقول: وهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة علمانيته، وعدم علاقته بالدين أصلًا، وبعضها يعلن أنه «يحترم الدين» ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلًا».
فهذا النص من كلام الشيخ يؤيد أنه «لا يصف بالكفر إلا المجتمعات التي يتبنى نظام الحكم فيها المناهج اللادينية المناهضة للإسلام، ويحمل الشعب على هذه العقيدة الفاسدة، ولهذا فالحكم على المجتمع إنما یراد به الحكم على هذه المناهج وعلى الأنظمة التي تفرضها، وليس حكمًا على الشعب».
وخلاصة القول: إن الشيخ-يرحمه الله-قد حدد مقصده من الجاهلية بقوله: « إنها تعني العلمانية كمنهج في التشريع وفي الحياة كلها، وتعني كذلك كل ما وضعه البعض من قوانين من عند نفسه تخالف شرع الله، وقال هذا شرع الله».
ما أراني أوفي هذا الرجل حقه، ولكن لنا معه حلقات أخرى لنقف على أهم الشبهات التي أثيرت والرد عليها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل