; نحن متبعون لا مبتدعون | مجلة المجتمع

العنوان نحن متبعون لا مبتدعون

الكاتب الأستاذ عبد الله السديري

تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1975

مشاهدات 74

نشر في العدد 275

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 18-نوفمبر-1975

نحن متبعون لا مبتدعون

اطلعت على ما نشره الأستاذ عبد الله السبت في مجلة المجتمع الغراء بعددها المرقم «۲۷۲» تحت عنوان «الدعوة السلفية منهج الدليل والأتباع» فوردت إلى ذهني أمور منها ما قاله الإمام حسن البنا، ومنها بعض الأبيات التي نظمها الإمام العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني وكنا قد حفظنا الكثير منها أثناء دراستنا في الأزهر الشريف ولست في حاجة للحديث عن الإمام الصنعاني فهو أشهر من أن يعرف فعلمه وفظه ودعوته بلغت أقاصي الدنيا ومؤلفاته العلمية هي زاد العلماء ومغترف طلبة العلم في كل مكان ولكنني أوجز ما ورد في ترجمته نقلا عن كتاب «البدر الطالع» للإمام الشوكاني حيث يقول:

«هو الإمام العلامة السيد محمد ابن إسماعيل بن صلاح الأمير الكحلاني ثم الصنعاني ولد سنة ١٠٥٩ هجرية بكحلان ثم انتقل مع والده إلى مدينة صنعاء فأخذ عن علمائها ثم رحل إلى مكة وقرأ الحديث على أكابر علمائها وعلماء المدينة وبرع في العلوم المختلفة وتفرد بالرئاسة العلمية في صنعاء وأظهر الاجتهاد والوقوف مع الأدلة ونفر من التقليد وزيف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهية وتولى الخطابة في جامع صنعاء واستمر ناشرا للعلم تدريسا و افتاء وتصنيفا وكان لا يخشى في الحق لومة لائم ولا يبالي بمـا يصيبه في سبيله شأن الذين أخلصوا دينهم لله وآثروا مرضاته على مرضاة الناس، وله مصنفات منها «سبل السلام» الذي اختصره من كتاب «البدر التمام» للقاضي شرف الدين المغربي ومنها «منحة الغفار» وهو حاشية على كتاب «ضوء النهار» للجلال ومنها «العدة على شرح العمدة» لابن دقيق العيد، ومنها «شرح التنقيح في علوم الحديث وله مصنفات أخرى وقد أفرد كثيرا من المسائل بالتصنيف مما لو جمع كان مجلدات وقد توفى ثالث شعبان سنة ۱۸۲ هجرية عن عمر يناهز ۱۲۳ سنة رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن نصره السنة خير الجزاء» -1.هـ-

وهذه الأبيات التي سنوردها في آخر المقال هي من قصيدة طويلة يخاطب فيها الإمام الصنعاني دعاة التقليد المتعصبين لأقوال الرجال والمعرضين عن هدى المصطفى صلى الله عليه وسلم يوضح لهم أن علماء المذاهب صرحوا بنبذ أقوالهم إذا خالفت صريح الكتاب أو صحيح السنة وإن كل أحد يخطئ ويصيب ويؤخذ من كلامه ويترك إلا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وها هو الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله يقول في رسالة التعاليم ما نصه: «وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالإتباع ولكنا لا نعرض للأشخاص -فيما اختلف فيه ـ بطعن أو تجريح ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا.

ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما هذا من أئمة الدين، ويحسن به مع الأتباع أن يجتهد ما استطاع من تعرف أدلة أمامه وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صدق من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر».

ويستطرد البنا فيقول: «والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا.. وكل بدعة في دين الله لا أصل لها استحسنها الناس بأهوائهم -سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه- ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها.

وزيارة القبور أيا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة ولكن الاستعانة بالمقبورين أیا کانوا ونداؤهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشييد القبور وسترها وإضاءتها والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها ولا نتأول لهذه الأعمال سد الذريعة»

  كما يقول رحمه الله في حق من يصدرون أحكامهم بتكفير الناس وينصبون أنفسهم قضاة يحكمون لهذا بالإيمان وعلى ذاك بالكفر وإن كان مصليا صائما مؤديا للفرائض بعيدا عن الكبائر لا لشيء إلا لأنه خالفهم بالرأي وهذا نص كلام الإمام البنا:

«ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض -برأي أو معصية- إلا أن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر»

 فهل ينتهي هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم جماعة المسلمين وأن من خالفهم فقد خالف الإسلام وخرج عن دائرة المسلمين فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين!! لا شك أن الإسلام بريء من دعاة الغلو والتعصب وأنصار الهوى وعباد الأشخاص «والقرآن الكريم والسنة المطهرة هما مرجع كل مسلم فـي تعرف أحكام الإسلام ويفهم القرآن طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات». 

والمسلمون جميعا وفي مقدمتهم الدعاة والعلماء هم متبعون لا مبتدعون والجماعات التي تعمل في الحقل الإسلامي وتدعو إلى الله كلها جماعات إسلامية وليست واحدة منها جماعة المسلمين بل جماعة من المسلمين لأن المقصود بجماعة المسلمين وإمامهم التي وردت في حديث حذيفة ابن اليمان هي التي تقيم الأحكام الشرعية وتنفذ الحدود وتطبق حكم الله في كل شؤون الحياة.

إن الإسلام هو القرآن والسنة وما عداهما فهو اجتهاد مجتهدين يصيبون ويخطئون وهم مأجورون عند الله في الحالين ورحم الله الإمام الشافعي حيث يقول «كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي» وهذا الإمام مالك رحمه الله يقول «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه» وهذا الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله يحذر تلميذه أبا يوسف بقوله «ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمع مني فإني أرى الرأي اليوم وأتركه غدا وأرى الرأي غدا وأتركه بعد غد» وأما الإمام أحمد بن حنبل فقد بلغ من تمسكه بالسنة أنه كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي وكان يقول: «لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا» ويقول أيضا «رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الأثار»

 وأنقل فقرة من تعقيب كتبه الدكتور عبد الكريم زيدان على رسالة «بين الاتباع والتقليد» لمؤلفها صالح عبد الله جاء فيها «.... ومن جملة المرشدين الذين لهم قدم الصدق في الأمة الأئمة الأربعة فهم أهل أن يتخذوا مرشدين لطالب الوصول إلى معرفة ما أمر الله ورسوله.

واتخاذهم مرشدین إنما يكون بالرجوع إلى كتبهم وفقههم على شرط ألا يعتقد بعصمتهم وأن يعتقد أنه إنما يتبعهم لأنهم مظنة إيصاله إلى ما أمر الله ورسوله وأنه لن يصبر على شيء مما ذهبوا إليه إذا ظهر خطوه، فيسوغ إذن -ولا يجب- إتباع أحد هؤلاء الأئمة الأعلام وتعلم ما ذكروه بالشروط المذكورة.»

هذا هو منهج العلماء من السلف والخلف في كل زمان ومكان هو نفسه منهج الأئمة الأعلام من فقهاء المذاهب المعتمدة والدعاة الهداة العاملين على إحياء فقه الكتاب والسنة والعمل بما جاء فيهما باعتبارهما مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام.

والمسلمون اليوم مطالبون في أن يتقوا الله ويبتعدوا عن أسباب الفرقة وعلى الدعاة المخلصين أن يؤلفوا بين قلوب الشباب المقبلين على الإسلام فهم عناصر خير وبركة إذا أحسن توجيهها ورحم الله مجدد الدعوة الإسلامية في هذا القرن الذي يقول «يعاون بعضنا البعض الآخر فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا البعض الآخر فيما اختلفنا فيه».

وختاما أورد بعض الأبيات من قصيدة الإمام الصنعاني وهي....

 الاتباع وليس التقليد 

علام جعلتم أيها الناس ديننا

               لأربعة لا شك في فضلهم عندي

هم علماء الدين شرقا ومغربا 

                ونور عيون الفضل والحق والزهد

ولكنهم كالناس ليس كلامهم

                    دليلا ولا تقليد هم في غد يجدي

ولا زعموا -حاشاهم- أن قولهم

                   دليل فيستهدى به کل مستهدي 

بل صرحوا أن ليس يقبل قولهم

                  إذا خالف المنصوص بالقدح والرد

 وما كل قول بالقبول مقابل

                 ولا كل قول واجب الطرد والرد

 سوى ما أتى عن ربنا ورسوله

                   فذلك قول جل ياذا عن الرد 

وأما أقاويل الرجال فإنها

                تدور على قدر الأدلة في النقد

هذا ما أحببت ذكره والله يقول

                     الحق وهو يهدي السبيل

الرابط المختصر :