; خواطر من عرفات | مجلة المجتمع

العنوان خواطر من عرفات

الكاتب أحمد حسبو

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000

مشاهدات 84

نشر في العدد 1392

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 14-مارس-2000

عرفات وكم وقفت بساحك جموع، وسالت على صعيدك دموع، وتعارف عليك الناس وذابت على ثراك الأجناس، وقبل ضعيف ورد شديد المراس، كم تعانقت فوقك قلوب وفرجت شدائد وكروب، ومحيت أوزار وذنوب، كم امتزجت فيك دموع المذنبين واختلطت رغبات الراغبين، وتداخلت أصوات المستغفرين، كم خلصت عليك النيات، وسالت على خدك العبرات، وذل أهل الأرض الخالق الأرض والسماوات.

أيها المسلمون كم تغلي قلوب أعدائكم حقدًا. وكم يعضون أناملهم غيظًا وحسدًا: ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ (سورة البقرة: ١٠٥) لقد قالوا ووضحوا ولمحوا وصرحوا، وأخفوا وأفصحوا، قال وليم جيفورد  متى توارى القرآن ومكة عن بلاد العرب يمكننا أن نرى العربي يندرج في سبیل حضارتنا التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (سورة الصف:  ۸)، لا يريدون لكم دين ربكم كي تخور القوى، ويتبع الهوى، وتعم البلوى كي لا يعز دين، ولا يقوى يقين، ولا يتم تمكين، كي يظل بأس المسلمين بينهم شديدًا، ومجدهم حصيدًا، وأملهم الذي يسعون لتحقيقه بعيدًا،

فدعوا الخلود إلى الكرى واستمسكوا                         بالعروة الوثقى التي لم تفصم

وتلاحمًا جسدًا قويًا لو شكى                                          عضو تداعى الكل للمتألم

فإلهكم رب كريم واحد                                                     لا يرتضي هذا النزيف من الدم

ونبيكم خير الأنام محمد                                                    أكرم بأفضل قائد ومعلم

وكتابكم حبل الإله ونوره                                                 يهدي الأنام إلى الطريق الأقوم

 أيها المسلمون إن أعداءكم ماكرون، وبكم متربصون، ولتمزيقكم عاملون، يريدون لليل مدًا، وللفجر بعدًا، يريدون لجمعكم أن يكون شتاتًا، ولعيشكم أن يكون على موائدهم فتاتًا، في حين هذا هو النداء الحاني، والحداء الرباني، فاسمعوه، ولا تضيعوه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ  (سورة المائدة:  ٥٥)، أيها المسلمون إن الذي أمركم بالحج فحججتم، وبالوقوف بعرفات فوقفتم، هو الذي قال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم (سورة الأنفال: ٦٠) فأعدوا لهم دينًا تتزلزل به الأرض من تحت أقدامهم، وعقيدة تصبح بها الشهادة أجمل أحلامكم فما لكم ما لكم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ  (سورة التوبة: ۳۸)، وتسلحوا لهم بالتقوى، فمن أراد غنى بغير مال، وعزًا بغير جاه، ومهابة بغير سلطان فليتق الله، فإن الله -عز وجل- يأبى أن يذل إلا من عصاه، واذكروا وصية عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وهو يتأهب للمسير إلى القادسية فقال:» يا سعد لا يغرنك أن قيل خال رسول الله، وصاحب رسول الله، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئة بالحسنة، يا سعد إن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بالطاعة، فالناس جميعًا شريفهم، ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالتقوى، ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم  عليه- فالزمه فإنه الأمر».

وأنصتوا لوصية نبيكم منذ ألف وأربعمائة عام يوم النحر وهو يوصي ويقر، وينهى ويحذر: «فإن دمامكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم قال: اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض رواه البخاري». من للدماء السائلة؟ من للطفل البائس من للشيخ اليائس؟ من للبطون الخاوية، والقلوب الدامية، والمآذن الشاكية؟ تحرروا من قيودكم، وتمسكوا بكتاب ربكم وعضوا على سنة نبيكم، وارجعوا إلى دياركم بعزائم من حديد، وقلوب تحيد، وجهاد ابن الوليد.

 عودوا بالحب للمسلمين، والبغض للكافرين، وعقيدة لا تلين، نحن -أيها المسلمون- نريده قرآنًا يتلى، وحديثًا يروى، وبطولات تتجلى، نريدها صلاة تقام، وشهرًا يصام، وجهادًا يكون ذروة السنام، نريده شبابًا تقيًا، طاهرًا نقيًا، حرًا أبيًا، كأسامة وأبي عبيدة، ومصعب وابن العاص، كعمار، وعكرمة، وعلي، وابن أبي وقاص، نریده شبابًا لا يهمه من هو ومن نسبه، ولكن كل ما يهمه أين هو من دين ربه فهمًا وحملًا، وتطبيقًا وعملًا، وجهادًا وبذلًا.

روى البخاري -رحمه الله- عن عدي بن حاتم الطائي -رضي الله عنه- قال: «وفدت في وفد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فجعل يدعو رجلًا رجلًا ويسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عدي فلا أبالي إذًا».

فلا يهمه في الحياة شيء إلا أن يوصف بالإسلام حين الكفر، وبالوفاء حين الغدر، وبالإقبال حين الإدبار، وبالمعرفة حين الإنكار، وهو شرف عظيم، ولا يبالي -بعدها- إن جهل اسمه الجاهلون، أو غفل عن نسبه الغافلون نحن -أيها المسلمون- نريدها أمة رائدة، وعزة سائدة، وخلافة راشدة نحن -أيها المسلمون- لا نريدها حواجز جغرافية، ولا نوازع عرقية، ولا دعاوى عصبية، وإنما نريدها يرموك، وحطين، وقادسية.

أيها المسلمون رضا الله خير من الدنيا وما فيها، فاحرصوا عليه، واجتهدوا فيه، وأخلصوا من أجله، فما بعد رضا الله إلا تمكين في الدنيا، وفلاح في الآخرة، فأعلوا همتكم، واحملوا رسالتكم تبلغوا غايتكم، ها هو ابن مسعود -رضي الله عنه- يحدث بأمنية طالما تمناها، ومنزلة طالما اشتهاها فيقول: «قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر -المكان الذي حط فيه جند المسلمين- فاتبعتها أنظر إليها (أي ذهبت إلى مصدر الضوء لأعرف الخبر) فإذا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-، وإذا «عبد الله ذو البجادين المزني» قد مات، وإذا هم قد حفروا له ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حفرته. وأبو بكر وعمر يدليانه إليه والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: أدنيا إلى أخاكما (أي قرباه) فدلياه إليه، فلما هيأه للحده دعا له الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلًا: «اللهم إني أمسيت راضيًا عنه فارض عنه، فيقول ابن مسعود -رضي الله عنه- فتمنيت أن أكون صاحب هذه الحفرة لأحظى بهذه الدعوة المباركة، أي برضا الله ورسوله، فاطلبوه وانشدوه، تبلغوه: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (سورة الزخرف: ٦8-٦9).

 

■ فضل عشر ذي الحجة:

من رحمة الله بنا -نحن الأمة الضعيفة قصيرة الأعمار- أن يسر لنا مواسم فاضلة يحصل للعامل فيها، بأنواع القربات مضاعفة الأجور وزيادة الهنات.

وإن من هذه المواسم العشر الأوائل ذي الحجة، فقد أقسم بها العظيم -سبحانه- في قوله -تعالى-: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ (سورة الفجر: 1-2) والعظيم لا يقسم إلا بعظيم.

وهي خير أيام الدنيا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر» (صحيح الجامع). وقرر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن العمل فيها يفوق بذل النفس في سبيل الله في بعض مراحله، فقال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: یا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» (رواه البخاري).

يوم عرفة:

مما يزيد هذه الأيام شرفًا وتعظيمًا أن فيها يوم عرفة، يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، قال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (سورة المائدة: 3)، كما أن صيامه يكفر سنتين فقد قال -صلى الله عليه وسلم- عن صيامه: «يكفر السنة الماضية والباقية» (رواه مسلم) وعرفة يوم العتق من النيران: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة» (رواه مسلم). والدعاء يوم عرفة مجاب في الغالب، كما قال ابن عبد البر وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة» (صححه الألباني).

يوم النحر:

كما أن فيها أفضل أيام العام ألا وهو يوم النحر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر» (صححه الألباني).

وذلك لاجتماع الصلاة والنحر فيه، وهما أفضل الصلاة والصدقة في عيد الفطر، ومما يميز هذه الأيام ويفضلها على العشر الأخيرة من رمضان أن العمل فيها يحتاج إلى مزيد مجاهدة ومراغمة لدوافع الشر بخلاف عشر رمضان الذي تصفد فيه الشياطين، فاحرص -أخي وأختي- على الإكثار من أوجه الخير وأنواع الطاعات في هذه الأيام من مثل أداء الحج، والحرص على الصلاة والصيام وذكر الله والصدقة وقراءة القرآن، وغيرها كثير، وقبل هذا وبعده فإن نهاية العام فرصة للتوبة، فإن الأعمار تمضي، والآجال تفنى.                                                                    رياض بن ناصر الفريجي

 

■ يوم الرحيل:

عندما تزول شمس الثاني من أيام التشريق تتزاحم مئات الآلاف من المسلمين على المراجم الثلاثة لرجمها، ثم الطواف بالبيت ليغادروا إلى بلادهم، ولا يدخل ليل الثالث من أيام التشريق حتى ترى أرض منى التي كانت تزدحم بالناس قبل ليلة واحدة في كل بقعة من بقاعها جرداء خاوية، تراها قد أقفرت من الناس، ولا ترى فيها إلا أثارهم من قناني الماء، وإحرامات مقطعة من هنا وهناك، والقمامة تملأ الحاويات كالجبال، ونعال مقطعة وعصي ومظلات حول المراجم مثل الجبال، ويذهب الحاج في اليوم الثالث من أيام التشريق ليرى المراجم شبه خالية من الناس، ولا يرى فيها زحام الأمس الذي تنقطع فيه الأنفاس، فيتذكر أيام الدنيا وسرعة انقضائها، وصغر حجم الإنسان وحتمية انتقاله للدار الآخرة، دون أن يخبر بموعد انتقاله، والعاقل من أدرك هذا الأمر، واستعد لما بعد الرحيل، ولم تغره الزينة التي تزينت بها الدنيا ليغتر بها الحمقى والمغفلون.

جاء صاحبي لينام معي في أرض منى في ثالث ليالي التشريق، وأراد الذهاب لشراء بعض الألعاب لأطفاله، فلم يجد من البائعين أحدًا، بل ولم يجد إنسانًا يتحرك في المكان الذي كان بالأمس يعج بالبشر، ولا تكاد تستطيع السير فيه، فقال لي: لقد هممت بالشراء في الأمس وقلت في نفسي أؤجله للغد، ولم أكن أتوقع خلو المكان منهم في هذه الليلة.

هكذا الدنيا لمن يعرف حقيقتها، فهي جسر للآخرة، فمن لم يستغل أوقاتها وساعاتها بالتقرب إلى الله، فإن كل ساعة فيها تمضي ولا تعود، وكل ساعة تمضي من عمرك تقربك من قبرك، فهلا اشتريت الآخرة بالدنيا قبل رحيلك عنها أو رحيلها هي عنك؟

عبد الحميد البلالي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 45

99

الثلاثاء 26-يناير-1971

لعقلك وقلبك (45)

نشر في العدد 60

144

الثلاثاء 18-مايو-1971

مع القراء (60)

نشر في العدد 52

140

الثلاثاء 23-مارس-1971

كيف نكرم الأسرة؟