العنوان خواطر أديب مسلم في موقف الهجرة
الكاتب محمد عبدالحميد أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1978
مشاهدات 98
نشر في العدد 423
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 12-ديسمبر-1978
تطلع علينا الهجرة اليوم والعالم لا يزال يتواثب نحو الهلاك ويتسابق إلى الدمار ويترامى نحو الهاوية التي أبدعها عقله، وصنعتها يداه، وأحكمتها فلسفته يسعى إلى حتفه بظلفه ولا يزال يحلم بالسلام حلم السجين بالحرية، ويتعلق بآمال من خيوط العناكب.
وتطلع علينا الهجرة في هذه الأيام التي شغل الناس فيها عن الذكريات والأعياد بأنفسهم وهم حين يشغلون بأنفسهم لا يفكرون في غير أجسامهم دون نفوسهم و أرواحهم وما جنى على العالم هذه المشكلات التي تدمره وتعصف بمعالمه وخصائصه إلا إسرافه في الترف الفكري والمادي دون أن يحسب للروح والفضائل حسابًا... وأن تعجب فعجب لهذه الذكريات الخالدة الحافلة بمعاني المجد والبطولة وعناصر القوة والحياة كيف تمر على المسلمين كأنها الأشباح المتضائلة في عين الوسنان أو أساطير الجن تتلى على الإنس! ليت شعري لمن هذه الذكريات أيها المسلمون؟ إنها تاريخكم الذي تعيشون فيه ولستم من هذا التاريخ في شيء حتى يعيش فيكم... الحق أقول إنه ما طلعت على المسلمين ذكرى مجيدة أو عيد أغر إلا مرتني هزات من الألم وغشيتني أمواج من الهموم حتى لتكاد تذهب بها توحيه هذه الذكريات إلى نفسي من طرب وابتهاج ذلك لأن هذه الذكريات ترجع بالبصر إلى الأمس فإذا تاريخنا العبقري يبدو من خلال الأجيال والتواريخ كالبرج العتيد يعلو على لحظ العيون أو كالمنارة الشماء تزحم بمنكبيها النجم والسحاب.. ثم لا يلبث البصر أن يرتد وهو حسير كليل ينحدر من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أسفل فترى القوم يصرخون ويجارون فلا تكاد تسمع إلا صوتًا كأنما يتصاعد إلى سمعك من أعماق السراديب!
سبحانك ربي ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ﴾ (سورة أل عمران: 26) أهكذا في أجيال يستحيل ذلك العملاق المهيب إلى قزم مغمور يكاد الوهم ينكر نسبته إلى أبيه العظيم؟ وإلا فكيف ينجب الأسد الشاة وكيف تحل الشاة محل الأشبال؟
كانت هجرة الأمس قتالًا وهجرة اليوم كلامًا! وأين الكلام من القتال؟
هجرة الأمس كانت بطولة وفداء وهجرة اليوم شعر وغناء! وأين الخيال من الحقائق؟
في الهجرة صور حية مثالية تعد دعامة خالدة ككل أمة تريد النهوض والعلياء.
وليس همنا في هذه الكلمة أن نقصر حديث الهجرة كما هو مبسوط في كتب السير والتواريخ... وإنما الذي يهمنا أن نقف وقفات في محاريب البطولة وعند مشاهد السمو البشري والعبقرية الإنسانية...
لم تكن الهجرة تهربًا من الجهاد وإنما هي إعداد لأعبائه، ولم تكن خوفًا من الأذى ولكن توطيدًا لدفعه... ولم تكن جزعًا من المحنة ولكن توطينًا للصبر عليها! أجل... لم تكن الهجرة فرارًا من القدر... ولكن فرارًا إلى القدر... في الهجرة تتمثل للمتأمل الذي يطالع التاريخ بعقله وروحه لا بعينه ولسانه مجموعة منقطعة النظير لأسمى الأخلاق والطبائع وأشرف النفوس وأطهر الأرواح التي قلما يسمح بها الزمن في جيل واحد... فيها ترى الصداقة في مثلها الأعلى والجندية في أكمل صورها والفداء في أروع مناظره... والمروءة في أجمل سماتها والثقة في أوثق عراها.. والأمل في أفسح آفاقه..
وبين يدي ذلك كله قيادة ضمت في قلبها وجوارحها ودمها و أعصابها جميع تلك الخلال العُليا التي أشعها على جنده الأماثل بطل الأبطال صلوات الله وسلامه عليه وهو يدفع بهم التاريخ إلى غير مجراه ويصنع بهم العلم الجديد والعقل الجديد والتاريخ الجديد وقد استطاع أن ينشئ مجتمعًا شعاره التوحيد ودثاره الوحدة... علمه كيف يحيا وكيف يموت وكيف يفتح وكيف يحكم العالمين!
أما الصداقة في مثلها الأعلى ففي الصديق الأكبر «أبي بكر» ذلكم الذي بذل ماله كله جميعًا ونفسه كلها جميعًا لله ورسوله... ذلكم الذي لو كان كشف له الغيب ما ازداد إيمانًا وليس بعد ذلك منزلة يطمح لها بشر أو غير بشر!
وأما الجندية في أكمل صورها ففي أولئك النفر الغر الميامين من المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأهلهم وأموالهم في سبيل الله... أولئك الذين استعذبوا العذاب واستهانوا بالصعاب.. أولئك الذين لو أمرهم القائد المحبوب أن يخوضوا البحار أو ينسفوا الجبال ما كان قولهم إلا سمعنا وأطعنا وحبًا وكرامة ولهتفوا هتاف الجندية العلوي:
نحن الذين بايعوا محمدًا
على الجهاد ما بقينا أبدًا
وأما المروءة ففي موقف الأنصار من إخوانهم المهاجرين فما كان ينزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة وأبى الأنصار إلا أن يقاسمهم إخوانهم أنصاف ما يملكون من مال ومتاع وأن يؤثروهم بخير الأقسام فقابل المهاجرون هذا الشعور الإنساني العظيم بشعور يماثله هو شعور العفة والإباء فأبوا أن يعيشوا كلًا على إخوانهم وأبى البعض إلا أن يعمل بالتجارة يكسب بها لنفسه ويتحرر من أسر إخوانه وقد خلد القرآن الكريم هذه المروءة والإيثار بقوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سورة الحشر: 9)
وأما الثقة ففي خروج الرسول الأمين على أعين الأعداء وهو يحثو على وجوههم التراب ويقول «شاهت الوجوه» ويتلو قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (سورة يس: 9)
ويوم أحيط بأعظم صاحبين وأخلص صديقين في الغار وهما في وكر ثعبان أو جوف حوت ليس بينهما وبين الهلاك إلا لفتة أو لمحة... هنالك تقطعت الأسباب إلا سببًا واحدًا وهو «الله» سبحانه مولى الذين آمنوا...
هنالك كنت ترى عجبًا... تری أضخم عقيدة تلوذ بأهون بيت.. غار مهجور ويحول دون اقتحام الغار وقتل العقيدة بيت العنكبوت وهو أهون البيوت! فهل كان ذلك سخرية الأقدار من مكر الأباطيل وكيد الشياطين.. وهكذا انحازت عقيدة الحق والنور في جوف غار مظلم فيه شهدت الإنسانية قضيتها الكبرى ومصيرها ومستقبلها وقضية توحيدها ووحدتها إلى محكمتين مخلدتين: محكمة القدر الرحيم في محكمة الغار الأمين!
ويوم يقف الباطل بخيله ورجله والدنيا المتمردة الطاغية بحديدها ونارها وحصونها وقلاعها أمام الحق الذي كتب الله له أن يغلب وأن يسيطر فإنما يكون الطغيان إذ ذاك عاجزًا أمام قدرة وإذعانًا أمام إرادة.. «ويكون» أمام «كن»!
وبعد... فليست الهجرة قضية فلسفية، ولا نظرية علمية... ولیست أقاصيص تروى ولا أساطير تتلى...
وإنما هي وحي التاريخ الحي للأمم التي تريد الحياة!
هي قضية اليوم قبل الأمس لأنها قضية البطولة والرجولة وحديث الإيمان والفداء والحرية والإخاء وما أحوجنا إلى كل ذلك لتدعيم حياتنا في الحاضر والمستقبل ولن تنضب هذه المعاني الخالدة من الحياة.. ولو نضبت المحيطات والأنهار إلا إذا نضبت العقول والأفهام وماتت القلوب وأظلمت الأرواح ظلام الأبد... ولن يكون ذلك بإذن الله ما دام في الأرض قرآن وفي القلب إيمان وفي الكون مسلم واحد.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ (سورة التوبة: 105)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل