; استقلال«كوسوفا» شجع «أوسيتيا الجنوبية» و«أبخازيا» على المحادثة.. خلفيات وتداعيات الحرب «الجورجية - الروسية» | مجلة المجتمع

العنوان استقلال«كوسوفا» شجع «أوسيتيا الجنوبية» و«أبخازيا» على المحادثة.. خلفيات وتداعيات الحرب «الجورجية - الروسية»

الكاتب خديجة الزغيمي

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008

مشاهدات 56

نشر في العدد 1820

نشر في الصفحة 26

السبت 20-سبتمبر-2008

التوتر بين «جورجيا» من جهة وبين «روسيا» وإقليمي «أوسيتيا الجنوبية» و«أبخازيا» من جهة أخرى، يعود إلى ما قبل التصعيد الأخير، حيث اتخذ الإقليمان خطوات تهدف إلى «شرعنة» استقلالهما الفعلي عن «جورجيا»؛ ففي أوائل مارس الماضي تقدم البرلمان الأبخازي بطلبات إلى الأمم المتحدة والبرلمان الروسي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا للاعتراف باستقلال الإقليم.

*«ساكاشفيلي» أخطأ تقدير المساندة الدولية، واعتقد أن روسيا لن تجرؤ على غزو دولة ستكون عضوًا في «الناتو» مستقبلًا.

وقدمت جورجيا في ١٢ أبريل الماضي عرضًا لـ «أوسيتيا الجنوبية» و«أبخازيا» بعودة الاندماج معها مقابل حصولهما على حكم ذاتي، فرفض الإقليمان العرض، ثم أعلنت روسيا في ١٦ أبريل أنها ستعترف بالمؤسسات والهيئات التجارية في «أبخازيا» و«أوسيتيا» الجنوبية في خطوة اعتبرتها جورجيا مقدمة لضم «روسيا» للإقليمين. وتصاعدت المخاوف من تحول التوتر إلى نزاع مسلح، بعد أن اتهمت «جورجيا» «روسيا» بإسقاط طائرة استطلاع «جورجية» بدون طيار فوق «أبخازيا»، وهو ما نفته روسيا. وفي ٢٩ أبريل أعلنت «روسيا» زيادة عدد قوات حفظ السلام الروسية في الإقليمين، واعتبرت جورجيا ذلك عدوانًا عسكريًّا.

إقليم «أوسيتيا»

احتلت «روسيا القيصرية» «أوسيتيا» عام ١٨٦١م، وكان يطلق عليها آنذاك إقليم «التيريك»، وبعد الثورة البلشفية تم تقسيمها إلى كيانين عام ۱۹۲۲م: «أوسيتيا الشمالية» ألحقت به «الاتحاد الروسي»، و «أوسيتيا الجنوبية» ألحقت بـ«جورجيا». وتوجد في «أوسيتيا الجنوبية» اليوم أقلية يعتد بها من المسلمين، وبعض التقارير تتحدث عن أن تعداد المسلمين يتراوح بين ٤٥ و٦٥% من السكان، لكن لا توجد إحصاءات موثقة، أما في جمهورية «أوسيتيا الشمالية» الروسية فيبلغ تعداد المسلمين ما يقرب من ثلث عدد السكان وفقًا لبعض التقديرات، أو ٢۰۰ ألف نسمة من إجمالي ٦٥٠ ألف نسمة وفق تقديرات الحاج «علِي يفتييف»، مفتي جمهورية «أوسيتيا الشمالية» ومعظم سكان «أوسيتيا الجنوبية» من إثنية الأوسيتيين الذين يتحدثون لغة تنتمي تاريخيًّا إلى اللغة الفارسية، ويُعتقد أن الأوسيتيين هم أحفاد قبائل هاجرت للمنطقة من آسيا قبل مئات السنين واستقرت فيما يعرف الآن بـ «أوسيتيا الشمالية». وعندما بدأت الإمبراطورية الروسية في التوسع في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لم ينضم الأوسيتيون إلى بقية سكان شمال القوقاز لمقاومة الروس، بل إن بعضهم قاتل إلى جانب الروس في مواجهة جيرانهم. وتاريخيًّا كان للأوسيتيين علاقات جيدة مع الروس، واعتبروا مواطنين موالين للإمبراطورية الروسية، ومن ثم للاتحاد السوفييتي الذي ساندوه عندما احتلت قوات البلشفيك روسيا في بداية العشرينيات من القرن الماضي.

إقليم «أبخازيا»

أما «أبخازيا» فقد أصبحت في القرن السادس عشر جزءًا من الدولة العثمانية، وخلال هذه الفترة اعتنق جزء من الأبخاز الإسلام، وانتهى الحكم العثماني في النصف الثاني من القرن الثامن عشر عندما استولى الجورجيون على «أبخازيا». وبعد سيطرة «روسيا القيصرية» على «أبخازيا» عام ١٨٦٤م هاجرت أعداد كبيرة من المسلمين الأبخاز إلى الإمبراطورية العثمانية، وبعد الثورة البلشفية واحتلال «روسيا» لـ «جورجيا»، سمح «لينين» للمسلمين الأبخاز عام ١٩٢١م بإقامة دولة مستقلة لهم سُميت وقتها «بلاد الأباظة المسلمة»، واستمرت هذه الجمهورية المستقلة تحكم نفسها بنفسها بواسطة دستورها الخاص لمدة عشر سنوات حتى عام ۱۹۳۱م عندما أمر «ستالين» «ذو الأصل الجورجي» بضم «أبخازيا» لـ «جورجيا» كجمهورية ذات حكم ذاتي تابعة لجورجيا. وخلال الحكم السوفييتي تم توطين عدد كبير من الجورجيين والروس والأرمن في «أبخازيا»، ويمثل المسلمون حاليًا حوالي ١٠% من سكانها. 

تاريخ متأزم

وسعي «أبخازيا»، و«أوسيتيا الجنوبية» للاستقلال عن جورجيا ليس جديدًا، وإنما بدأ حتى قبيل استقلال «جورجيا» عن الاتحاد السوفييتي، حيث طالبت «أوسيتيا الجنوبية» بالاستقلال عن «جورجيا» «والاتحاد» مع «أوسيتيا الشمالية» التابعة لـ «روسيا»، مما أدى إلى اندلاع مواجهات عنيفة بين الجورجيين والأوسيتيين في العاصمة الأوسيتية «تسخينفالي» عام ۱۹۸۹م. واستمر القتال المتقطع بين الجانبين بعد تفكك الاتحاد السوفييتي حتى صيف عام ١٩٩٢م، عندما تم الاتفاق على نشر قوات حفظ سلام «جورجية» و«أوسيتية» و«روسية»، في حين أعلنت أبخازيا في أغسطس ۱۹۹۲م استقلالها من جانب واحد عن «جورجيا»، مما أدى إلى دخول «جورجيا» في حرب مع الإقليم انتهت بتوقيع اتفاقية عام ١٩٩٤م التي تم بموجبها نشر قوات حفظ سلام «تابعة للكومنولث الروسي وتتكون في معظمها من الروس» في منطقة النزاع وأصبحت في «أبخازيا» منذ ذلك الحين حکومتان: حكومة «أبخازية» مدعومة من موسكو تسيطر على ٨٣% من أراضي الإقليم، وأخرى مدعومة من جورجيا تسيطر على «ممر كودوري» الذي يمثل النسبة الباقية من الإقليم وقد أدت هذه الاتفاقات مع الإقليمين إلى ترسيخ الوضع القائم باستقلالهما عن جورجيا، وإن لم تعترف أية دولة بهذا الاستقلال، ومنذ ذلك الحين هدأت الأوضاع نسبيًّا في الإقليمين، وانضمت مشكلتهما إلى ما اصطلح على تسميته بالصراعات المجمدة التي نجمت عن تفكك الاتحاد السوفييتي.

أسباب التصعيد

فما الدوافع التي أدت الآن إلى تسخين الصراعات المجمدة وإلى وصول العلاقات الروسية الجورجية التي تمكنت من تجاوز العديد من الأزمات سابقًا إلى هذه الدرجة من التصعيد؟

بالنسبة لقادة الإقليمين، فإن إعلان استقلال «كوسوفا» شجعهم على مطالبة المجتمع الدولي بمعاملتهم بالمثل، خصوصًا وأنهم يرون أن الإقليمين يملكان مبررات سياسية وقانونية ليعلنا استقلالهما تفوق مبررات «كوسوفا»، كما أنهما يتمتعان بالاستقلال الفعلي عن «جورجيا» منذ فترة طويلة. 

وعلى الجانب الروسي، أدى دعم الغرب لاستقلال «كوسوفا» -رغم معارضة «روسيا»- إلى جعل موسكو تلوح بإمكانية اعترافها باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ثم جاءت مسألة احتمال ضم «جورجيا» و«أوكرانيا» لحلف شمال الأطلسي «ناتو» لتزيد من تصعيد الموقف. 

إلا أن الحلف أعلن في قمته التي عقدت أوائل أبريل الماضي إرجاء منح الدولتين عضوية الحلف بسبب معارضة عدد من الدول الأعضاء، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا. ويبدو أن «روسيا» فهمت أن هذه إشارة لها بأن بإمكانها التصرف بحرية أكبر ما دامت أوروبا تبدو غير راغبة في إثارة غضب «موسكو»، التي تعد المصدر الأول للطاقة لدول أوروبا، وبالتالي قابلت التصعيد الجورجي برد عسكري قوي.

خطأ حسابات «ساکاشفیلی»

ولكن ما الذي دعا «ميخائيل ساكاشفيلي» إلى اجتياح «أوسيتيا الجنوبية» رغم علمه أن «روسيا» لن تقف مكتوفة الأيدي؟ 

يرى بعض المحللين أن الرئيس الجورجي قد فسر إرجاء حلف الناتو، دعوة بلاده للانضمام للحلف دون رفضها نهائيًّا، وإعلان الأمين العام للحلف عن ثقته بأن جورجيا وأوكرانيا ستنضمان في النهاية إلى الحلف بأنه تضامن شدید معه، وأن أحدًا لا يجرؤ على غزو دولة ستكون عضوًا في «الناتو» في المستقبل، وهو الأمر الذي فنَّدته «روسيا» بهجومها. 

كما أن «ساكاشفيلي» أخطأ في تقدير المساندة الدولية التي ستلقاها خطوته، فعلى الرغم من الدعوات الأمريكية والأوروبية لوقف إطلاق النار، إلا أنها لم تنطلق من معارضة التدخل الروسي من حيث المبدأ، وإنما اعترضت على مستوى القوة التي استخدمتها «موسكو»  وكان بإمكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الضغط على «روسيا» حتى دون التورط عسكريًّا؛ وذلك بعدة طرق دبلوماسية منها على سبيل المثال: المفاوضات الأوروبية الروسية للتوصل إلى اتفاق شراكة، ومفاوضات انضمام «روسيا» إلى منظمة التجارة العالمية.

الرابط المختصر :