العنوان خطر المربيات الأجنبيات على مستقبل الأطفال
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 792
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 18-نوفمبر-1986
القاضي بالمحكمة الشرعية الأولى- قطر
أصدر مكتب التربية العربي للخليج دراسة عن المربيات الأجنبيات في البيت العربي الخليجي، وتبين من هذه الدراسة أن المعتقدات الدينية للمربيات الأجنبيات هي بحسب الترتيب: المسيحية، ثم البوذية، ثم الهندوسية، وأخيرًا الإسلامية، وتدل النتائج البحثية أن حوالي 60% إلى 75% من المربيات غير مسلمات، ومنهن نسبة كبيرة تنتمي إلى ديانات غير سماوية تعبد وتقدس الأوثان، وأوضحت الدراسة أن 97.5% يمارسن الواجبات الدينية طبقًا لعقائدهن وديانتهن المسيحية، أو البوذية، أو الهندوسية، ولا ريب أن لذلك تأثيرًا كبيرًا على الأطفال المسلمين، مما يترتب عليه آثار سلبية بالنسبة للجانب الديني من التنشئة الاجتماعية للأطفال، وتشير النتائج التي أوردتها الدراسة أن المجتمعات التي تنتمي إليها ٥٨.6% من المربيات تحبذ ممارسة الحب والعلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج، وفي الاستطلاع الذي قدم لتحري القيم والعادات والتقاليد لدى شريحة من المربيات الأجنبيات والخادمات قرر 14% منهن أنهن يستقبلن أصدقاءهن في البيوت، وقرر 8.7% أنهن يقمن بزيارة أصدقائهن في مساكن الأصدقاء، و4.3% يشربن الخمر، و7% يدخن السجائر.
وقد أظهرت النتائج للدراسات الميدانية والوثائقية أن قرابة ٢٥٪ من أطفال الأسر التجريبية في المرحلة الأولى يقلدون المربيات في اللهجة، وأن أكثر من 40% منهم تشوب لغتهم لكنة أجنبية، ويتعرضون لمضايقات من أقرانهم بسبب ذلك.
وأشارت الدراسات إلى أن وجود المربية الأجنبية التي لا تجيد الإلمام باللغة العربية يعتبر سدًّا يعوق نمو الطفل اللغوي؛ إذ يضطر الطفل إلى محاكاتها مستخدمًا ومستعملًا تراكيب ومفردات لغتها، التي يتعلمها من خلال الاحتكاك والتعامل معها، وإذا عرفنا أن اللغة ليست وسيلة تخاطب فحسب، وإنما هي الوعاء الثقافي والحضاري، قدرنا مدى تأثير المربية من هذه الناحية في تكوين شخصية الطفل.
وأوضحت الدراسة الميدانية أن تميز الأسرة بوجود مربية يعتمد عليها الأطفال في قضاء احتياجاتهم في طفولتهم المبكرة، يقلل من فرصتهم المتاحة في التجربة الذاتية، والاعتماد على النفس، بالنسبة للأطفال في الأسر التي لا تستعين بالمربيات.
ويجب أن نلاحظ أنه إذا كانت مصادر التنشئة متجانسة ومتفقة ومتوافقة، فإن ذلك يقلل من الصراع والخلط عند الطفل، أما إذا كانت غير متجانسة ولا متوافقة، فإن هذا ينعكس على الطفل، فإن المربية التي تختلف تمامًا عن الأسرة في الثقافة والعادات والدين واللغة، إما أن تقوم منفردة بتنشئة الطفل، وتغرس فيه ثقافتها وعادتها ودينها ولغتها، أو تشترك معها الأسرة فيكون هناك تصادم وتعارض وخلط عند الطفل، وكلا الحالين فيهما خطورة على الطفل وتنشئته.
وبينت الدراسات أن أسباب إنهاء خدمات المربيات والعاملات تعود إلى أن الخادمة قد تنتقم من الأسرة في أشخاص أطفالها الأبرياء فتسيء إليهم، وتعذبهم في غياب أمهاتهم بنسبة 25%، كما بينت الدراسة أن اختلاف الطباع يؤدي إلى تصرفهم تصرفات مستنكرة، يتأثر بها بعض أفراد الأسرة بنسبة 14%، ووجود الخدم والمربيات كعناصر غريبة في البيت يزيد من أعباء الأسرة، ويؤثر على راحة البيت النفسية، وتكون مصدر المشاكل بنسبة 19%.
وإذا كان للمربيات هذه السلبيات فما هي الدوافع إذًا التي أدت إلى استقدامهن؟
وتدل الدراسات أن أهم الدوافع هي:
۱- ارتقاء مستوى المعيشة.
٢- خروج المرأة للعمل.
3- زيادة الطموحات الأسرية.
4- عنصر المحاكاة.
ويقول الدكتور سعد الدين إبراهيم بحق: «إن المربية الأجنبية هي عرض، وهي نتيجة لداء أكثر خطورة، هو الترهل والطفيلية، والاعتماد على الآخرين في كل شيء»، وقد أيده في هذا القول الدكتور إبراهيم خليفة الذي أعد الدراسة لمكتب التربية العربي لدول الخليج.
إذًا ليس هناك ضرورة ولا حاجة للمربيات الأجنبيات، بل إن الاستعانة بالمربيات معوق تنموي مستقبلي خطير، فإن الطفل الذي تنشئه وتربيه الخادمات والمربيات الأجنبيات هو ذخيرة المستقبل وهو الذي يحيط به الخطر، وهل أحد يرضى أن يكون جيل المستقبل مهددًا بالمسخ، لا هو عربي ولا هو عجمي، ولا هو مسلم ولا هو وثني ولا هو موحد، وتنتقل إليه خصائص وثقافات شعوب مختلفة؛ فلبينية وهندية وتايلندية وإنجليزية.
إن العمالة الأجنبية تخلف وراءها مشكلات صغيرة، تكبر مع الزمن، تتمثل في النشء الذي تربيه الخادمات الأجنبيات داخل البيوت العربية المسلمة.
أما آن لنا أن نفكر في المشكلة، وهذه الأبحاث تدق ناقوس الخطر. إن علينا أن نسارع إلى رتق الفتوق قبل أن تتسع على الراقع، وكما جاء في المثل: إن دواء الشق أن تخيطه، فنستدرك الأمر حتى لا تتوالى الفتوق ويتفاقم الصدع، ويستشري الفساد.
معاملة الأطفال بين القسوة والدلال
العطف إن كان مطلوبًا من الآباء على الأبناء إلا أنه إن زاد عن حده انقلب إلى ضده كما يقولون، بمعنى أن الدلال الزائد يضعف شخصية الطفل ويجعلها هشة رخوة قابلة للكسر، غير قادرة على مواجهة مصاعب الحياة وما أكثرها؛ إذ يعتمد الطفل على حل مشاكله على والديه أو من هم أكبر منه سنًّا أو علمًا، أو على الآخرين عمومًا، فينشأ اتكاليًا، وبالتالي يصبح عالة على أهله وعلى المجتمع، بل على نفسه، فيصبح سلبيًا غير مبال وغير ذي جدوى وغير قادر على تحمل المسئولية.
فلا ينبغي أن يعطى الطفل كل ما يطلب، حتى وإن كان ما يطلبه متوفرًا؛ إذ لا بد أن يعلم أن الحياة ليست بهذه السهولة، وأنه لا بد أن يبذل الجهد ليحصل على ما يبتغي، وأن الأرض ليست دائمًا ممهدة ومفروشة بالورود، فهناك الأشواك والحفر والعقبات التي لا بد من مواجهتها والتعامل معها والتغلب عليها أو الالتفاف حولها، وهذه سنة الحياة، بل سنة الله في خلقه؛ ذلك أن السماء كما قال عمر رضي الله عنه: لا تمطر ذهبًا ولا فضة. فالبذرة لا تصبح نبتة ولا تنتج ثمرًا من دون غرسها وسقياها وتعهدها بالرعاية، وما أطيب طعم الثمر لمن قام بتعهد الشجر حتى أثمر!
والطفل المدلل في البيت، الذي لا يجد من يوجهه أو ينهره أو يرشده إلى الصواب والخطأ سيواجه في الشارع وفي المدرسة عالمًا آخر غير عالم البيت؛ فيصدم ويصطدم مع الآخرين ولا يستطيع أن يتكيف معهم، فتحدث فجوة في العلاقات بينه وبين أقرانه، وبينه وبين مدرسيه ومسئوليه، ومعنى ذلك أنه أصبح مشكلًا؛ أي صاحب مشاكل، وربما انزوى وانطوى على نفسه وكبت مشاعر العداء وعدم الرضا عن الآخرين خارج البيت لحين العودة إلى بيته؛ حيث الحياة التي اعتادها دلالًا وحرية مطلقة بلا ضابط أو رقيب.
وبالعكس حين تتسم معاملة الطفل في البيت بالقسوة والمراقبة الشديدة والمعاملة الصارمة الجافة الخالية من العطف والبشاشة، فإن الولد يكره بيته ويشعر في قرارة نفسه بالظلم، ويضيق بالقيود الأسرية فيتمرد ويخرج عن الأصول والمألوف، وحين يعجز عن كسر هذه القيود في البيت يتحين الفرصة لحين الخروج إلى الشارع أو المدرسة فيفرغ الطاقة المكبوتة لديه على شكل انطلاق وانفلات غير محسوب النتائج، ولذلك فليس غريبًا أن نلاحظ أن الولد المؤدب في البيت مشاغب في المدرسة والعكس صحيح، والأدب الزائد ربما كان كبتًا، والتحرر الزائد ربما كان تحللًا، والتربية الصحيحة هي التي لا تصل بالطفل إلى درجة الكبت، ولا تصل به إلى درجة التحلل؛ وإنما هي وسط بينهما، فلا بد أن يكون المربي شديدًا من غير عنف، ولينًا من غير ضعف. والقائد الناجح لا يكون صلبًا فيكسر ولا لينًا فيعصر، لا يكون صلبًا في حال يقتضي اللين، ولا لينًا في حال يقتضي الشدة، والتمييز بين الحالين يحتاج إلى علم وإلى فن وإلى خبرة، وهذه مسئولية الآباء والمربين والقادة.
ومع أن هناك مبادئ عامة للتربية إلا أنه لا بد من مراعاة الفروق الفردية بين الأفراد المستهدفين بالعملية التربوية؛ ذلك أن الإنسان ليس جمادًا يتلقى عملية التشكيل تلقيًا سلبيًّا، ولا حيوانًا محكومًا بالغريزة مسلوب الإرادة؛ وإنما الإنسان كائن حي عاقل مكلف وهبه الله العقل والإرادة والعواطف والمشاعر، ثم إن هذه الأمور تختلف من فرد لآخر، وبالتالي لا بد من مراعاة هذه الفروق بين الأفراد في عملية التربية، فالأسلوب التربوي الناجح مع فرد ما ربما كان فاشلًا مع فرد آخر، واختيار الأسلوب المناسب في الوقت المناسب للشخص المناسب من مسئولية المربي الناجح.