العنوان خطر الخدم والمربيات
الكاتب عبدالله خليل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1990
مشاهدات 107
نشر في العدد 970
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 12-يونيو-1990
- الأطفال
الضائعون في أحضان الخادمات المستوردات يحسون باليتم والغربة والمعاناة.
في إحدى الدراسات الميدانية لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والتخطيط تبين أن ٩٣٪ من الخادمات والمربيات لا يعرفن اللغة العربية، وأن ٨٦% منهن أميات أصلًا حتى في لغاتهن الأصلية([1]).
ولك أن تتصور كيف ينشأ طفل منذ نعومة أظافره- وربما قبل تعلمه الكلام- في أحضان خادمة أو مربية لا تعرف العربية.. وفي ظروف الإهمال الأسري المزري، الذي سبق أن وصفنا أطرافًا منه.
لا نريد أن نفصل كثيرًا في النظريات اللغوية والتربوية.. ولكن من البديهي المعروف أن الطفل يتلقن اللغة من والديه وإخوانه وبيئته الطبيعية، ولكنا نجد هنا أن لدى كثير من الأطفال كمًّا كبيرًا من العجز والجهل والخلط اللغوي، حيث يقلد أكثرهم خادمته ومربيته، ويتكلم العربية بلكنة هندية أو سيلانية أو فلبينية أو حتى إنجليزية.. ومطعمة بكلمات تلك اللغات أحيانًا، ولا يجد نفسه في بعض الأحيان قادرًا على التعبير عما يريد!
ولقد تفاقمت المشكلة.. ووصل إلى المدارس- منذ حين- طلائع هذا الجيل «المهجن المستعجم»، يحمل معه جهله وضعفه اللغوي الذي تدرج معه في مراحل التعليم، وانعكس على الأجيال- دفعة بعد دفعة- ضعفًا مزمنًا وعجزًا عن الاستيعاب، حيث المناهج والشرح والكتب بالعربية الفصحى غالبًا، وهذا سبب من أسباب التدهور المتسارع في المستوى التعليمي والثقافي، فضلًا عن المستوى اللغوي، هذا عدا عما تلقنه المربيات والخادمات- وخصوصًا الأميات- من معلومات مغلوطة للأطفال، كما أن اختلاط أكثرية غير مسلمة- وغير عربية- بالمجتمع يؤثر حتى على مستوى لغة الكبار، فلطالما سمعنا من يكلم خدمه بلهجة مكسرة يفهمهم ما يقول! وكذلك الحال مع الباعة والمشترين والعمال والمهنيين وسائر القطاعات.
- تجاهل الحقائق يضر أكثر مما ينفع
ولا يعالج- أو يخفي- ظاهرة تأثير المربية الأجنبية في عجمة لسان الطفل التهوين من أثر هذه الظاهرة، أو إنكارها.. فإن دس الرؤوس في الرمال وتجاهل الحقائق لا يلغيها.. وإغماض العينين عن الشمس أو تغطيتها بالكف لا يعني أنها غير موجودة.
بل إن سياسة التجاهل والتغطية أخطر بكثير من المصارحة والاعتراف بالحق؛ لأن ذلك يعني تأخير العلاج؛ حتى يتفاقم المرض ويزمن ويستعصي، وقد يصبح كارثة!
يقول الدكتور عدنان الشطي من قسم علم النفس بجامعة الكويت في محاضرة له ألقاها مؤخرًا ضمن الموسم الثقافي لكلية الآداب حول «دراسة تأثير الخادمة على مراحل نمو لغة الطفل»، قال:
«إن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ووزارة التخطيط، ووزارة التربية، أجرت ثلاث دراسات سنة ٨٣ وسنة ٨٥ حول هذا الموضوع، ولكن لم تكن الدراسات المذكورة صحيحة؛ حيث بينت النتائج أنه لا توجد آثار سلبية على لغة الطفل».
ويضيف الدكتور الشطي: «إن السبب في تلك النتيجة المغلوطة يعود إلى أن المعلومات كانت مستقاة من الأهالي.. وهؤلاء يميلون بدورهم إلى نفي تأثير الخادمة على لغة أطفالهم».
ومن خلال دراسة ميدانية- يجريها الدكتور الشطي حول الموضوع- تبين بالأرقام بعض الدلائل التي تشير إلى عدم مصداقية المعلومات التي قدمتها الأسر المشاركة..
- الأرقام ناطقة
ويقول الدكتور الشطي إنه مازال عاملًا في دراسة حول هذا الموضوع، شملت عينة من ١٠٠ طفل نصفهم تربية الأم، والنصف الآخر تربية الخادمة أو المربية «الأجنبية»، ولا تزيد أعمارهم عن ٤ سنوات.
ويقول الدكتور: إن المرحلة الحرجة بالنسبة للطفل من حيث اكتساب اللغة هي من ٣- ٥ سنوات، وبعدها يصبح التأثير واضحًا على لغة الطفل.
وقد توجه الدكتور في بحثه الميداني بالأسئلة إلى الأطفال مباشرة، واستوثق من أهلهم حول صحة المعلومات.
ومن النتائج الأولية للبحث- الذي مازال جاريًا- تبين أن معدل الكلمات التي استخدمها «طفل الخادمة» ١٦٠ كلمة.. أما الطفل الذي تربيه أمه فقد استخدم ۲۱۰ كلمات، بزيادة نحو ٣٠٪، وحذر من الخلط بين اللغات ومن غياب رقابة الأهل كما يحصل غالبًا في الكويت..
ومن جانبه أكد كذلك مقدم المحاضرة- السابق ذكرها- الدكتور جاسم الخواجة حقيقة التأثير السلبي على الطفل ولغته من وجود الخادمة التي تأتي للمجتمع من مكان تختلف فيه العادات والتقاليد والدين عن مجتمعنا الذي ينشأ فيه أطفالنا.
هذا وقد أشرنا لبعض الأخطار التي تحدق بالعقيدة وغيرها من وجود الخدم غير المسلمين.. والعمالة غير المسلمة- بشكل عام- في المجتمع.. وإلى غير ذلك الخطر.. ونحن بصدد توضيح تلك الأخطار من جوانب أخرى- إن شاء الله تعالى- في مناسبات قادمة..
«أنا مربيتي اسمها ماري» أغنية تعكس ألم الطفل وغربته وإحساسه بالضياع
لقد وصل الحد إلى أن تصاغ وتذاع أغان للأطفال- ومن أداء بعضهم- تصور معاناتهم من قضية المربيات غير المسلمات وغير العربيات.
يقول الأستاذ سليمان الفهد في زاويته «سوالف» في «القبس» بتاريخ 26/4/1990، تحت عنوان «أنا مربيتي اسمها ماري»: «وقد أتيح لي الاستماع إلى أغنية طفولية يؤديها الصبي «عمار»، «فكش» شعر جبيني، وتوقفت الشعيرات المتبقية من شعر رأسي.. وأصابني الهم والغم والنكد».
ويضيف عن تلك الأغنية: «فهي تتحدث عن معاناة طفل تربى- رضيعًا وطفلًا- في أحضان ورعاية «المربية» الأجنبية المستوردة، كما أنها -أي الأغنية- تزأر بإحساس الولد بغياب أمه الأصلية.. وحضور أمه «بالوكالة»، فتنساب معاناة الطفل وإحساسه باليتم والغربة...».
ولا شك أن تلك المشاعر يؤججها أيضًا العجز عن التعبير التام والغربة عن اللغة الأصلية والبيئة الأسرية.. وما يكتنفها من خبرات لغوية واجتماعية ووطنية وغيرها.
أما المعلمون والتعليم فلهم نصيب أيضًا من هذا التغريب أو «التجهيل»، وقد أشارت «المجتمع» في عددها رقم ٩٤٩ ص ١٠ عن إحدى هذه الحالات.. طالب كويتي خريج مدرسة أجنبية لا يجيد القراءة بالعربية، ولا يعرف الكتابة بها أصلًا.. وليس في مكتبته كتاب عربي واحد! وأمثال هذا كثير.
وللأسف فإن بعض الناس يهمهم أن يتقن أبناؤهم لغة أجنبية معينة، ولا يبالون أعرف العربية أم لا..
ولا شك أن عزة الأمة وكيانها واعتبارها لذاتها مرتبط باحترامها للغتها وإتقانها لها، وخصوصًا القيادات الرئيسية.. فأين نحن من ذلك؟
إنك قد تسير في بعض المناطق أو الأماكن أو المدارس.. فلا تسمع كلامًا بالعربية مطلقًا.. حيث إن كل شيء هناك بغير العربية.. وهذه وأمثالها «بؤر انفصام» خطرة كما وصفها وزير التربية الأسبق الأستاذ صالح عبدالملك في حديث نقلناه عن «الأنباء» في عدد سابق من «المجتمع»- (٩٤٩).
لقد ورد في الأثر أن من علامات النفاق أن يتكلم المرء بغير العربية، أو يستعمل مفرداتها ومصطلحاتها مادام يستطيع الكلام بالعربية.
وللأسف فإن من أثر الأعاجم «غير العرب» في مجتمعنا.. ما نراه من أقوام يخلطون كلامهم بالرطانة، ويستعملون بعض الكلمات الأجنبية مع بعض التعالي والنفخة الكاذبة، ظانين أن ذلك من لزوم التحضر والثقافة.. وما يعلمون أنها من سمات الضياع والجهل وضعف الشخصية.. معًا.
_________
(1) انظر ص ١٠٤ من كتاب الدكتور عبدالرؤوف الجرداوي- «ظاهرة الخدم والمربيات»- نقلًا عن «بحث المربيات الأجنبيات» لوزارة الشؤون، و«ظاهرة انتشار الخدم وآثارها» لوزارة التخطيط.
- الأطفال
الضائعون في أحضان الخادمات المستوردات يحسون باليتم والغربة والمعاناة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل