العنوان خصوصية فعل الحركة الصهيونية في الغرب
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998
مشاهدات 79
نشر في العدد 1298
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 05-مايو-1998
ثمة رأي شائع يتساءل لماذا لا يفعل العرب والمسلمون في الغرب وفي أمريكا ما فعلته الحركة الصهيونية، وذلك بالتغلغل في أجهزة الإعلام والمؤسسات الاقتصادية والمالية وتكوين مراكز الضغوط وغير ذلك؟ ويرى هؤلاء أن العرب والمسلمين في بلاد الغرب وأمريكا أكثر عددًا من اليهود، ويمكن أن يصبحوا أكثر إمكانات لو نظموا أنفسهم، ووضعوا خططًا طويلة الأمد ونسقوا فيما بينهم تنسيقًا جيدًا؟
يبدو التساؤل في ظاهره مقنعًا إلى حد ما، فمن حيث الظاهر لا يبدو ما فعلته الصهيونية خارجًا عن الإرادة البشرية أو الإمكان بالنسبة إلى تلك الأفعال في حد ذاتها، كما يبدو من حيث الظاهر أن طبيعة الأنظمة الغربية - ولا سيما النظام الأمريكي - تحتمل أن يمارس من داخلها ما مارسته الحركة الصهيونية.
على أن أصحاب هذه الرؤية غفلوا عن أمر أساسي وهو شرط سابق لما حققته الحركة الصهيونية من نفوذ داخل المؤسسات الغربية والأمريكية، وهو أن القوي المتحكمة في النظام الغربي أو الأمريكي عقدت تحالفًا والحركة الصهيونية قبل أن يكون لهذه الأخيرة أي نفوذ عندها، فأصحاب هذه الرؤية ينسون أن بريطانيا هي صاحبة مشروع إقامة الدولة اليهودية في فلسطين قبل أن يتبلور داخل الحركة الصهيونية نفسها، بل يمكن القول إن الحركة الصهيونية المعاصرة تشكلت بعد أن وجدت الطرف الآخر يريدها أن تكون إلى جانبه في صراعه ضد الكاثوليكية وفي سعيه لزرع الكيان الصهيوني في فلسطين.
يجب على أصحاب تلك الرؤية ألا يغفلوا أن وجود الدولة العبرية في فلسطين - وفي حالة تفوق على العرب والمسلمين - بمثابة استراتيجية للغرب ولاسيما الغرب الأنجلوسكسوني «بريطانيا – أمريكا» أساسًا، ومن ثم هنالك تقاطع استراتيجي بين هذا النظام الغربي والحركة الصهيونية.
إن توافر هذا الشرط هو العامل الرئيس في إفساح المجال أمام الحركة الصهيونية لتدخل في عروق المؤسسات الغربية وصولًا إلى حد السيطرة على بعضها، أو بكلمة أخرى، لقد رفعت الحركة الصهيونية أشرعتها ونشرتها ودفعت بسفينتها في ظروف مؤاتية، وإذا كان للعنصر التنظيمي أو التخطيطي أو التأمري من دور إضافي فما كان له أن يلعب ذلك الدور لولا أنه أبحر تهب في مصلحة أشرعته، لقد كان مطلوبًا ومحميًا ومشجعًا من صاحب السلطان، ذلكم هو الأساس والأصل في فهم الموضوع.
إذا كان هذا العامل حاسمًا، فإن الذين يريدون أن يتشبهوا بالحركة الصهيونية أو يفعلوا مثلها يفتقرون إلى هذا العامل، بل سيواجهون الوجه الآخر لهذه العملة نفسها أو سيواجهون عاملًا نشطًا في إحباط الحد الأدنى من مساعيهم وعرقلتها، بل إن أي نشاط بهذا الاتجاه موضوع تحت المراقبة ولن يسمح بأي اختراق إلا إذا كان مسيطرًا عليه، ويكفي المثل الذي يمكن أخذه من محاولة الثري المصري محمد الفايد أن يمتلك صحيفة بريطانية كبيرة، وذات وزن كيف حيل بينه وبين تلك الخطوة بقوة القانون، وحرم حتى من إمكان الحصول على الجنسية البريطانية، علمًا بأن الرجل لا يحمل مطامح سياسية موجهة بالاتجاه الذي يريده أصحاب تلك الرؤية، وإنه من الممكن استقاء عدد من العبر من محاولات البعض تشكيل نوع من مجموعة الضغط في أمريكا أو التأثير في الانتخابات من خلال تقديم الأموال وكيف كانت تتحرك القوى المتنفذة لإحباط عملهم وإرهاب كل من يقترب منهم إن كانوا على القائمة السوداء بينما لا يفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى نشاطات الحركة الصهيونية في هذا المجال.
وأخيرًا على هؤلاء ألا يظنوا أن الأمور «سائبة» في النظام الغربي والأمريكي ليلعب في مؤسساته من يريد أن يلعب، فمن جهة عليهم أن يدركوا الأسباب أو العوامل الحقيقية المشجعة التي أتاحت للحركة الصهيونية أن تتنفذ وتتغلغل، فلا يقرأون ما حدث من زاوية حسن التنظيم والتخطيط والتآمر والمهارة الذاتية بالرغم من أهمية ذلك.
أما من الجهة الأخرى فعليهم أن يدركوا الأسباب والعوامل الحقيقية التي تقف عوائق في وجههم، ومن ثم عليهم ألا يضعوا الجهد حيث لا يجدي، فالحراثة في البحر ضرب من العبث، وإذا كان هنالك من جهد يمكن أن يبذل فيجب أن يكون ضمن حدوده الحقيقية، فلا يبالغ أحد فيما يمكن أن يحققه أو يصل إليه، ولا يوضع جهد أو مال إلا بقدر محسوب ضمن الحدود المتواضعة الممكنة، فقانون السباحة ضد التيار غير قانون السباحة مع التيار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل