; خصخصة الحرب | مجلة المجتمع

العنوان خصخصة الحرب

الكاتب محمد عبدالمنعم

تاريخ النشر الجمعة 06-أغسطس-2004

مشاهدات 68

نشر في العدد 1612

نشر في الصفحة 22

الجمعة 06-أغسطس-2004

يتجه عدد كبير من الدول إلى خفض أعداد قواته المسلحة ويتخوف من إرسال بعضها إلى المناطق الساخنة

  • بسبب ارتفاع الأجور بدأ الجنود المهرة يتركون الخدمة في الجيوش النظامية للعمل في الشركات

  • المدافعون عن خصخصة الحرب: الشركات تؤدي عملها بسرعة وكفاءة وجودة أعلى وتكلفة أقل 

  • المعارضون: الخدمات لیست رخيصة دائمًا خاصة إذا لم توجد منافسة.. وهناك استغلال نفوذ.. والأسوأ ما يمارسه - المرتزقة من قسوة ووحشية 

بعد انكشاف عمليات تعذيب الأسرى العراقيين في سجن أبي غريب على يد الجنود الأمريكيين ثار جدل واسع عندما ظهر للعلن أن بعض من أساؤوا إلى الأسرى في السجن كانوا من المدنيين المتعاقدين مع القوات الأمريكية، وأظهرت هذه الحادثة مدى تغلغل هذه الشركات الخاصة في أعمال من المفترض أن تقتصر على العسكريين فقط.

والواقع أن الحرب في العراق هي أكثر الحروب خصخصة في التاريخ، فعدد المدنيين الذين يخوضونها إلى جانب قوات التحالف يبلغ عشرة أضعاف الذين شاركوا في حرب تحرير الكويت عام ۱۹۹۱، وهذا يؤكد الاتجاه إلى خصخصة الحروب الذي بدأ مع انتهاء الحرب الباردة عام ۱۹۸۹م، فعندما انهار سور برلين انهار معه في ليلة واحدة النظام العالمي السائد والمعتمد على وجود قطبين متنافسين، وبدلًا من أن يسود السلام والرفاهية - كما كان يأمل الكثيرون ارتفعت درجة حرارة الفتن بصورة جادة.

خصخصة الإرهاب وخصخصة مكافحته:

في أثناء الحرب الباردة وفرت القوتان الكبريان نوعًا من النظام العالمي المستقر، فلما انتهت هذه الحرب طفا على السطح عدد كبير من الخلافات التي كانت راكدة بسبب الانشغال في التوازنات السياسية والعسكرية بين القوتين الكبيرتين، وقد ازداد الأمر سوءًا بعد هجمات ١١ سبتمبر ۲۰۰۱م، ويرى بعض المحللين أن أسامة بن لادن هو تعبير عن الاتجاه العالمي إلى خصخصة الحروب بمعنى أنه جعل العمليات نتاجًا لتمويل القطاع الخاص، حيث إنه يقوم بتمويل أتباعه من أمواله الخاصة، بينما كان الاتجاه السائد أيام الحرب الباردة، أن تقوم الدول والحكومات بتمويل العمليات الإرهابية لتحقيق أهدافها الخاصة.

وبينما يظهر العالم احتياجًا أكبر إلى الحماية العسكرية والأمنية فإن المعروض من هذه الحماية من جانب الدول والحكومات الأجنبية أخذ في التضاؤل: فطبقًا لكتاب نشر أخيرًا بعنوان شركات الممارسين، يقول مؤلفه بيتر سنجر: إن عدد الجنود الحكوميين، في العالم الآن يقل بسبعة ملايين جندي عن عددهم في ذروة الحرب الباردة، وقد حدث أكبر تخفيض في القوات المسلحة في دول الاتحاد السوفييتي السابق، بينما انخفض عدد القوات الأمريكية بسبعمائة ألف جندي، وانخفض عدد جنود جيش جنوب إفريقيا ستين ألفًا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري هناك، وهناك عامل آخر ظهر بعد انتشار صور جنود المارينيز الأمريكيين، وهم يتعرضون للسجل في شوارع العاصمة الصومالية مقديشو، فقد أصبحت الحكومات غير راغبة في المخاطرة بأرواح الجنود في حروب بعيدة عن الوطن أو ليس لها أهمية قومية.

خصخصة الدعم العسكري

ونتيجة لظهور هذه الفجوة بين الاحتياج للحماية المسلحة والمعروض منها من قبل الحكومات سارعت الشركات الخاصة لملء هذا الفراغ، ويقدر بيتر سنجر أن هناك حوالي ٩٠ شركة عسكرية، خاصة تعمل في مجال الخدمات الأمنية وهو مجال تقدر الأموال التي تنفق فيه بمائة مليار دولار يتوقع أن تتضاعف قيمتها بحلول عام ٢٠١٠م.

وتقدم الشركات الأمنية، الخاصة خدماتها في ثلاثة مجالات رئيسة: أولها عمليات الإمداد اللوجستي، وأكبر شركة تعمل في هذا المجال هي شركة كيلوج براون اند روتس KBR وهي التي حصلت على نصيب الأسد في العمليات الأمنية في العراق، وثانيها تقديم الاستشارات العسكرية والتدريب كشركة الخدمات العسكرية المحترفة MPRI التي تفتخر بأنها توظف عددًا من الجنرالات (نسبة إلى كل متر مربع من مساحة الشركة) أكثر مما توظف وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون، وثالثها الإمداد بالجنود والعتاد لخوض الحرب فعليًا، ومنها شركة ساندلاين التي تضع إعلاناتها على شبكة الإنترنت، وهذا النوع الأخير ليس منتشرًا كثيرًا حتى الآن لأن معظم الشركات العسكرية الخاصة تستخدم جنودًا سابقين بهدف حماية الأرواح والممتلكات في مناخ عدائي».

مهنة مربحة

وطبقًا لتقارير المركز الأمريكي للرقابة العامة، حصلت خلال العامين الماضيين أكثر من سبعين شركة أمريكية على عقود في العراق وأفغانستان بقيمة تصل إلى 8 مليارات دولار، وكان ثلث هذه العقود في مجال الأمن والمساندة العسكرية، بينما كان الباقي في مجال إعادة الإعمار، وكانت شركة كيلوج براون اند روتس KBR هي أكبر المستفيدين من هذه العقود، إذ وصل نصيبها إلى 2.3 مليار دولار، أغلبها في مجال المساندة العسكرية والدعم اللوجستي، ولهذا فليس من المستغرب أن تسجل شركة هاليبرتون العملاقة - وهي الشركة الأم لشركة KBR - ارتفاعًا في مبيعاتها في الربع الأخير من عام ۲۰۰٣م مقداره ۲۹%.

وتشمل عقود المساندة العسكرية الكثير من الأنشطة منها تدريب الشرطة العراقية وبناء مركز لهذا التدريب وتدريب قوات الجيش العراقي الجديد وجمع وتدمير الأسلحة بالإضافة إلى إطعام الجنود الأمريكيين ونقلهم وتنظيف وحراسة معسكراتهم والبحث عن الألغام وتدميرها وصيانة الطائرات الحربية وحراسة وتأمين الشركات الأمريكية العاملة فيمجال إعادة الإعمار.

وقد أصبحت شركة KBR ملازمة للجيش الأمريكي، تذهب أينما يذهب، في أفغانستان وكرواتيا والبوسنة وكوسوفا والصومال والعراق حتى قال ديك تشيني - عندما كان رئيسًا لشركة هاليبرتون - إن أول شخص يستقبل جنودنا أينما ذهبوا، وآخر شخص يودعهم عندما تنتهي مهمتهم هو أحد مستخدمينا...

وقد أدت الحاجة إلى خدمات الشركات الخاصة في المجال العسكري إلى ترك الكثيرين  من الجنود المهرة الخدمة في الجيوش النظامية للعمل في هذه الشركات، حتى اشتكى ضابط في البحرية البريطانية إلى جريدة الجارديان في ديسمبر الماضي من أن هناك زيادة متسارعة في عدد هذه الشركات بحيث أصبح من الصعب الاحتفاظ بالعاملين في القوات المسلحة، وليس هذا بمستغرب إذا كان الجندي السابق في القوات الخاصة يحصل على ٦٠٠ دولار في اليوم في العراق من العمل مع الشركات الخاصة، بينما يحصل الجندي السابق بمستوى عسكري عادي على ما يصل إلى ٢٠٠ دولار في اليوم.

الدفاع عن خصخصة الحرب

ويقول المدافعون عن نشاط الشركات الخاصة في المجالات العسكرية إن هذه الشركات تؤدي عملها بسرعة وكفاءة وجودة عالية وبتكلفة أقل من الجيوش النظامية، ويشير هؤلاء إلى العديد من التقارير التي توثق تجاوزات المؤسسات العسكرية الحكومية والهدر الكبير في إنفاق المال العام على أشياء سخيفة بتكاليف عالية، ويؤكدون أن الشركات الخاصة يمكنها أداء المهمة بجزء فقط من التكلفة، كما يؤكدون أنه من السهل متابعة وتقييم عمل هذه الشركات ومحاسبتها، والأهم من ذلك كله في رأيهم أن هذه الشركات تملأ الفراغ الذي تركه عزوف الدول الغربية عن إرسال أبنائها في مهام خطرة في دول أجنبية.

وربما كانت أهم ميزة لهذه الشركات من الناحية السياسية والإعلامية أنه في حالة حدوث مكروه لأفرادها فإن هؤلاء الضحايا لا يظهرون على قوائم القتلى والمصابين من القوات العسكرية الأمريكية.

نقد الخصخصة العسكرية

على الجانب الآخر يقول منتقدو الخصخصة العسكرية: إن تكاليف أعمال هذه الشركات ليست رخيصة دائمًا، وخصوصًا إذا لم توجد شركات منافسة يمكنها أن تؤدي الخدمات المطلوبة، والمثال الواضح على ذلك هو التحقيق مع شركة هاليبرتون بسبب حصول شركة KBR على مبلغ ٦١ مليون دولار زيادة على حقها في عملية إمداد القوات الأمريكية في العراق بالوقود.

وهناك أيضًا احتمال سوء استغلال النفوذ من قبل هذه الشركات في الأراضي التي يعملون فيها، وقد حدث هذا في سيراليون، حيث حصل مديرون في هذه الشركات على امتيازات كبيرة في مناجم الألماس ومناطق التعدين هناك.

ويحذر المركز الأمريكي للرقابة العامة من أن أكبر عشرة عقود مع القوات الأمريكية حصلت عليها شركات يعمل معها موظفون حكوميون سابقون بما لهم من معارف وعلاقات أو لها ارتباط بشخصيات مؤثرة في البنتاجون أو وزارة الخارجية الأمريكية، ويقول أحد مسؤولي المركز: ان وجود صلات بين السياسيين في مواقع اتخاذ القرار والشركات الخاصة يمكن أن يؤثر على قراراتهم، إذ إن الحرب والمجهودات العسكرية عموماً تعني أرباحًا لهم.

وأكثر ما يحذر منه منتقد و خصخصة الحرب هو تحول هذه الشركات الخاصة إلى صورة مكررة من المرتزقة الذين جابوا إفريقيا في ستينيات القرن العشرين، وعرفوا بالقسوة والحشية، ولم يقاتلوا لإحقان الحق وإنما قاتلوا لمن يدفع أكثر.

نمو وازدهار

والواقع العملي هو أن الدول مستمرة في تخفيض عدد العسكريين العاملين في جيوشها فقد أعلنت بريطانيا أنها بصدد توفير سبعة مليارات جنيه بتقليص العاملين في جيشها، أما رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي - وهو من أشد المدافعين عن الخصخصة - فقد أعلن عزمه على إلغاء ٢٠٠ ألف وظيفة في القوات الأمريكية، كما أعلن الرئيس الروسي بوتين موافقته على خصخصة دستة من الشركات العسكرية المملوكة للدولة، وفي ضوء هذا، ومع وجود ۸۷ مليار دولار للإنفاق على الغزو في العراق يذهب نحو ثلثها إلى الأمن والحراسة والدعم اللوجيستي، ومع إمكانية تخصيص عشرات المليارات الإضافية لتغطية نفقات احتلال العراق، فإن هناك شيئًا مؤكدًا هو استمرار ازدهار شركات الحرب الخاصة ونموها.

الرابط المختصر :