العنوان خصائص الأدب الإسلامي (4)
الكاتب وجيه يعقوب السيد
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 94
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 52
السبت 12-أكتوبر-2002
النزعة الإنسانية، والشمول.
تحدثنا عن خصائص الأدب الإسلامي وقلنا: إنه أدب عقدي لا يصطدم بثوابت الأمة ومقدساتها، كما أنه أدب واقعي بالمعنى الصحيح للواقعية التي لا تعني تصوير الشر ولحظات الضعف في الإنسان، ولكنها تؤمن بقدرة الإنسان على تجاوز لحظات ضعفه وبقدرته على تغيير الواقع، كما أن الواقع لا ينحصر في الحياة الأرضية التي يحياها الإنسان، إنما يتسع للربط بين الواقع الأرضي والواقع السماوي.
كما أشرنا إلى أن الأدب الإسلامي، أدب هادف وإيجابي وملتزم، يهدف إلى غرس القيم والأخلاق والفضائل في النفوس، ويؤمن بأن الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض قادر على تطوير الحياة وتغييرها إلى الأفضل، ويلتزم هذا الأدب بقيم الحق والخير والجمال، ولا يحيد عنها.
إنساني النزعة ويمكن أن يُضاف إلى هذه الخصائص أن الأدب الإسلامي إنساني النزعة، فهو لا يقف عند حدود اللون أو العقيدة أو الجنس؛ لأنه يدرك أن رسالته عالمية. قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107)، ومن ثم فهو يدرك ضرورة التعبير عن القضايا الإنسانية، ولا يهمل الأحداث والقضايا التي تدور حوله، فالتصور الإسلامي تصور واسع، يشمل الحياة كلها بجميع دقائقها وتفصيلاتها، وهو كذلك تصور متوازن، لا يشتط في تقدير قيمة من القيم الإنسانية على حساب قيمة أخرى، ولا ينسى أحد جوانبه ليذكر جانبًا آخر.
ومن هذا الشمول والتوازن يمكن أن ينبثق فن إنساني رفيع يشمل حياة الإنسان كلها، باطنها وظاهرها، ويشملها في عالم الضرورة القاهرة وعالم الأشواق المرفرفة.
إن الأدب الإسلامي -رغم خصوصيته ووضوح رؤيته وانطلاقه من ثوابت العقيدة والبيئة ومنظومة التقاليد الاجتماعية التي تتحكم في مسار الأدب وتوجهه- لا يغيب عنه عالمية الأدب ونزعته الإنسانية، ومن ثم فالأديب المسلم ينفتح على الآداب العالمية، ولا يرى بأسًا باقتباس ما يتلاءم منها مع الرؤية الإسلامية، وتوظيفها في سياق حضاري جديد.
وتنطلق النظرية الإسلامية في الأدب من فهمها المميز للوسطية الإسلامية، التي قد تجمع بين الشيئين؛ بمعنى أنها تجري وراء الحق عند أي طائفة، حتى لو كانت معادية، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، ولكنه في الوقت ذاته يصدر من منطق القوي الذي لا يغمض عينيه إزاء الحقيقة، ولا تدفعه العقد والأمراض النفسية إلى الغض من شأن الآخر أو الشعور بالدونية أمامه.
إن فهم الأديب الإسلامي لرسالة الأدب وطبيعته ينفي عن الأدب الإسلامي الاتهام بالإقليمية وضيق الأفق والتعصب، فهو أدب ذو طبيعة عالمية ونزعة إنسانية، لا يؤمن بالانكفاء على الذات أو الانغلاق، لكنه انطلاقًا من طبيعة الإسلام الدعوية، يسعى إلى مخاطبة الإنسان في كل مكان، والتفاعل معه، وتقديم رؤيته الخاصة به للآخر.
إن القول بالنزعة الإنسانية في الأدب، والسعي للوصول بالأدب إلى العالمية والحوار مع الآخر لا يعني أن نلغي هويتنا، ونتجاهل بيئتنا، بل العكس هو الصحيح، فمعظم نقاد الأدب متفقون على أن الوصول إلى العالمية، لا يكون بالانفصال عن الواقع المحلي، بل يكون بتقديم نماذج محلية تعبر عن طبيعتنا وشخصيتنا، والذي يتأمل في شعر محمد إقبال وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم الذي يدور حول قضايا إسلامية، ويعالج موضوعات تتعلق ببيئة الشاعر- يجد أنه -رغم خصوصيته- نماذج إنسانية رفيعة، أضافت للشعر العالمي أبعادًا مهمة، وعرفت الآخرين بجانب مهم من جوانب تفكير الأدباء الإسلاميين، ولا شك أن في ذلك إضافة لمسار الشعر والأدب العالمي الذي يتشكل من الرؤى والاتجاهات المتعددة والمختلفة.
إن المطلع على آداب الشعوب الإسلامية -على اختلاف لغاتها- سيجد أن لها طوابع عامة مشتركة تؤكد أن القضية الإسلامية مشتركة بين المسلمين عامة، وأن الشخصية الإسلامية عالمية تتجاوز حدود اللغة والقوميات، وأن الأدباء الإسلاميين مثل محمد إقبال، وشوقي، ومحمد عاكف، ونجيب فاضل، وعمر بهاء الأميري، ومحمود غنيم، ونجيب الكيلاني -وإن كانوا من أقطار مختلفة- فإنهم يعالجون قضايا مشتركة بإحساسات متجانسة وتصورات متطابقة، وأن أدبهم إسلامي، مهما كانت اللغة التي كتب بها، وهو كذلك أدب إنساني يتجاوز حدود الإقليم والواقع الضيق.
ويجب أن أشير إلى أن الدعوة إلى عالمية الأدب لا تعني أن نتخلى عن تصوراتنا وخصوصياتنا؛ لأن هذا شيء غير ممكن على الإطلاق، إنما تعني أن نكون مشاركين فعليين في الآداب العالمية، وأن يطلع الآخرون على آدابنا وتصوراتنا عن الكون والحياة والإنسان، وبذلك يمكن أن نسهم بنصيب كبير في الأدب المعاصر.
الشمول ومن خصائص الأدب الإسلامي الشمول، فالأديب لا يقصر أدبه للتعبير عن طبقة معينة كما في بعض المذاهب الأدبية، ولا يحصر نفسه في التعبير عن المعاني الدينية والوعظية فحسب، إنما يتنقل بين كل الموضوعات والظواهر الاجتماعية والإنسانية، فيصفها ويحللها ويرصد الحلول لها، وبذلك يؤكد اتساع أفقه ورحابة تصوره، ويؤكد أن التصور الإسلامي أكثر اتساعًا من كثير من المناهج النقدية والأدبية، التي حددت للأدباء موضوعات معينة لا يتجاوزونها، وألزمتهم التعبير عن قضايا طبقية وسياسية واجتماعية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
111