العنوان حَتَّام تهلكون أنفسكم؟!
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1974
مشاهدات 195
نشر في العدد 210
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 23-يوليو-1974
حَتَّام تهلكون أنفسكم؟!
للناس أن يطالعوا ما تقذفه المطابع كل يوم من كتب وأبحاث، وصحف ومجلات، وبعد ذلك يناقشون بعضهم في ما اطلعوا عليه أو قرءوه، والغالبية من الناس لا تنظر إلى شخص الكاتب وفكره واتجاهه، وإنما تحمل ما قرأت لتدور به وتناقش وكأن الأمر قد توقف عند فكر هذا الرجل أو ذاك، دون محاولة لمعرفة مصدر هذا الذي قرءوه.
وعند كثير من الكتاب جرأة على أن يسرقوا نصوصًا لغيرهم ويضمنوها كتبهم دون الإشارة إلى من أخذوا عنه، وهذا راجع إلى نواحٍ عدة، لعل من أبرزها تسلط البعض على آراء الآخرين وأفكارهم واعتبارها لهم، وبذلك فقد غامروا وسرقوا، ولا بأس أن يتهموا بعد ذلك فريقًا آخر يخاف أن يذكر اسم من نقل عنه نصًّا أو نصوصًا وفقرات لأمور خاصة، ومن ذلك ما هو موضع حديثنا هنا.
فاروق شوشة مقدم برنامج «لغتنا الجميلة» من البرنامج العام لإذاعة القاهرة أصدر كتابًا يحمل اسم «لغتنا الجميلة»، ضمَّنه فقرات ومختارات مما كان يذيعه في برنامجه وجاء حاويًا باقة مختارة من هنا وهناك- وهذا مبلغ ما وصل إليه علم بعض المتأخرين- اختارها من كتب قديمة وحديثة.. ليس هذا هو بيت القصيد، فكما قلت أصبحت سمة المختارات هذه عملية سهلة لكثير ممن يريدون دخول أبواب التأليف، ولن يكلفهم هذا العمل سوى تكديس مجموعة من كتب التراث لانتقاء بعض القصائد والنصوص، وطبعها في كتاب يذبح عليه اسم مؤلف الكتاب!
يعنينا هنا ان الرجل لم يلتزم الأمانة العلمية فيما اختار وقدم، ومما يؤسف له أن هذه الظاهرة قد برزت لدى عدد من الكتاب، اختاروا هذا الطريق منهجًا وهذه العملية سبيلًا للوصول إلى أرفف المكتبات.
فهو عندما يذكر نصًّا يذكر قائله، هذا إذا كان قديمًا، حتى إذا وصل إلى العصر الحديث واختار ما اختار من قصائد الشعراء من مصر أثنى على الكاتب أو الشاعر وأطراه بجميل الصفات لئلا يغضب أو يحتج؛ وذلك لمعرفة أو ود بينهما، أو لعلها زُلفى!
التصوير الفني:
وفي الكتاب فصل عقده لبلاغة القرآن وهو الفصل الثاني وأسماه «نفحات من القرآن»، ومع أن هذا الفصل يحتل صفحات عديدة فإنه لم يُشر من بعيد أو قريب إلى مصدر هذا الاختيار أو الأخذ، و لمعرفتي أن هذا الأسلوب ليس بأسلوب المؤلف وأن هذا الفهم وهذا الفكر ليسا من وحي قلم هذا الكاتب فقد حاولت التأكد منه، ورجعت إلى كتاب التصوير الفني في القرآن للمرحوم سيد قطب؛ فوجدت الكاتب قد نقل الكلام نصًّا وعبر من فصل «التصوير» إلى فصل «التخييل والتجسيم» واقتطع مقاطع طويلة ألف بينها وأظهرها تحت عنوان «عن التصوير الفني»، وتمكن من الخداع حتى لا يشكَّ شاكٌّ في أن الكلام كلامه، يجعل فواصل بين هذا وذاك وقسَّم الموضوع تقسيمات حتى تشت بفكر القارئ إذا كان قد اطلع على كتاب «التصوير الفني في القرآن». وبالرجوع إلى كتاب المرحوم سيد قطب تبين أن الحديث منقول بنصه.. لماذا إذن لم يُشر الكاتب إلى الكتاب الذي أخذ عنه؟ ولماذا لم يذكر اسم الكاتب؟
إن الاقتباس من فكر سيد قطب ليس جديدًا على مدعى الأدب أو كتابه، ثم إن السرقة من كتبه وأفكاره وآرائه ليست جديدة كذلك، خاصة بعد أن أقدمت السلطات في بلده على مصادرة حريته وحرية كتبه وآرائه وأفكاره.. ومن ثم مصادرة حياته. وللجبن الذي يتلبس بالكُتّاب والخوف الذي يحطمهم، والنفاق الذي يكنونه للسلطات فإنهم إذا وجدوا أنهم في حاجة إلى ما يدفع بكتابتهم إلى الناس ليتقبلوها ولم يجدوا إلا كتب سيد قطب، فإنهم ينشرونه على الناس دون الإشارة إلى المصدر لأنهم في مأمن من أن أحدًا لن يحاسبهم لأن من يأخذون عن كتبه غير موجود.
ثم لأن الكتب نفسها غير موجودة وبذلك يأمنون النقد والحساب، وعلى هذا فإنهم ينسبون الكلام لأنفسهم ويتظاهرون به وهم أعجز عن أن يأتوا بمثله أو يصلوا إلى مستوى التفكير فيه.
لماذا؟!
لأنهم لم يعرفوا دينهم معرفة صحيحة، ثم لما يستكن بين جوانحهم من الخوف والجبن والغرق، وما دامت هذه حال الإنسان أمام الإنسان فإنه لن يصل إلى مستوى من التصور السليم لأمور العقيدة، وبذلك تنطمس عليه الحقيقة الإيمانية فلا يرى بمنظار الإيمان واليقين فأنَّى له أن يصل الى هذا المستوى من الوضوح ومن سلامة النظرة؟
إن سيد قطب لن يهمه أن يسرق الناس أفكاره وينسبوها لهم؛ لأن في ذلك مفخرة له، ثم إنه لا يبتغي بها عرض الدنيا لأنه ما كتبها ليُقال إنه كاتب بليغ أو أديب فصيح، فإنه عندما دفعها إلى المطبعة كان يعرف يقينًا أنها ليست له وحده، وإنما يريد بما قدم أن يرى الناس نعمة ربه، فلن يضيره أن يقتبس الناس أو يسرقوا من أفكاره، ما دام هذا الفكر يؤدي دوره في الإفصاح عن ذات الصدور والأفهام لدى الخلق.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يقف فيها الكتاب من سيد هذا الموقف، فإن كثيرًا ممن سبقوا مؤلف هذا الكتاب قد اقتدوا هذه السيرة وانتهجوا هذا السبيل، ومنهم من حرف كلامه واستشهد به ذاكرًا اسمه ليدلل على حادثة هي خطأ في أصلها، لكنه لمّا أراد الاستفادة من اسمه زور حديثه ليصل إلى مطلوبه.
ولا يخفى على الفَطِن أن سلسلة القصص الدينية التي كتبها سيد وتحمّل فيها الصياغة الكبرى- وكانت تحمل اسمه إلى جانب اسم عبد الحميد جودة السحار- قد طبعت في مصر بعد ذلك دون الإشارة إلى اسمه واكتُفِىَ بوضع اسم السحار فقط، لأن الدولة تحارب المؤلف، وهنا نجد أن موقف الكاتب الآخر لم يكن كريمًا؛ لأنه رضي أن يستقل بعمل ليس له كله، ثم غاب عن وعي الدولة المحاربة أنها بعملها هذا لا تحارب آراء الرجل وإنما تنشرها، ولن يضير سيد قطب كما قلنا من قبل أن يذكر اسمه أولًا، ولكن ما يهم هو أن تتفتح أعين الناس على نصاعة الحقيقة، وأن يجلو غشاوة الظلمة المتراكمة على أبصار الآخرين الذين يتلقون كتابات فاسدة.. إمّا لقصور في الفهم، أو لضعف في الإحاطة بتاريخ الإسلام وأحداثه أو الفساد في التصور، ودعك من الذين يكتبون السم ويزعمون أنه الشهد.
أين الأمانة؟
إن الأمانة العلمية تقتضي أن يكون الكاتب جريئًا، وألّا يخشى بطش الطاغوت، فإنه إذا ما استفاد من كاتب آخر ذكر ذلك، وإلا فالواجب ألّا يأخذ فكر نفسه لينسبه إليه فإن ذلك عين الخيانة والغباء.
وليس هذا الذي أكتبه دفاعًا عن سيد قطب، فليس سيد قطب في حاجة إلى من يدافع عنه، وليس في كتابته طالبًا لشهرة أو وجاهة ولو أرادها لكانت، لكنه كان يكتب الكلمة ويسأل الله ثوابها وأن تحتسب له في ديوان أجره يوم القيامة.
ولكن الذي نحزن عليه ونأسف له أن الأمانة العلمية التي يتباكى عليها المؤلفون في صدور كتبهم ينقضونها عند التطبيق، وهذا منتهى النفاق؛ فالداعي إلى حسن لا بد أن يكون أول من يقتدى به، والناهي عن سوء ومفسدة لا بد أن يكون أول المنتهين، وهم الذين يرددون قول الشاعر في كتبهم:
لا تنه عن خلق وتأتى مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
فهل عرفوا الشطر الثاني الذي يلجونه ولوج الجمل في سم الخياط؟
هذه نظرة واحدة إلى كتاب واحد، وللقارئ الذكي أن ينتبه إلى كثير من هذا الخلط والزيف والتزوير، وليعلم أن فكر المسلم- مهما حاربوه- لا يمكن الاستغناء عنه عند الآخرين؛ لأنهم لا يجيدون التعبير بمثله ثم إنهم في حاجة إليه ماسة.
وكلمتنا الى الذين يتكففون على موائد الآخرين ليدَّعوا الفضل لأنفسهم، أن كل واعٍ سوف يكشف زيفهم وادّعائهم، فليحذروا ثم ليحذروا، ولا يكونوا كلص النهار يحسب من شطارته أن أحدًا لن يراه فإذا هو في الأغلال يرسف.. وآنئذٍ يدرك عظم فعلته، لكن ضميره هو ضمير اللص لو ترك لحين. فهل يتخلصون من ضمائرهم التي يعيشون بها؟ أو ينفضون ما دخَلَ هذه الضمائر من کدر وبلاهة؟
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل