; المجتمع الثقافي (العدد 1618) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1618)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الجمعة 17-سبتمبر-2004

مشاهدات 70

نشر في العدد 1618

نشر في الصفحة 48

الجمعة 17-سبتمبر-2004

الأدب الإسلامي بين أصالة الجذور.. وقوة العرض

عبد الله بن علي سعد (*)

قرأت بعض الحوارات التي دارت حول الأدب الإسلامي.. وكانت المواضيع التي ناقشت الموضوع قد قسمته إلى المحاور التالية :

- الأدب الإسلامي مصطلح حديث وبدعة ليس لها جذور.

- التستر خلف المصطلح لإخفاء المادة الضحلة عند رواته وأقلامه.

وأنا لا أعتبر أن كلامي هذا رد عليهم بقدر ما هو توضيح لبعض الأمور الصغيرة التي هي معلومة بالضرورة لمن أراد الإنصاف.

البدعة هي الأمر المحدث.. ومنهج الأدب الإسلامي ليس بالأمر الجديد.. بل هو متصل بالشرع والعهد النبوي، روى الشيخ الألباني - رحمه الله - في السلسلة الصحيحة في المجلد الثاني حديث رقم 801: «اهج المشركين: فإن جبريل معك» (صحيح)، وورد بلفظ: قال لحسان بن ثابت إن روح القدس معك ما هاجيتهم، وسنده صحيح.

وروى أيضًا في الجزء الرابع من السلسلة الصحيحة: «والذي نفسي بيده لكأنما تنضحونهم بالنبل فيما تقولون لهم من الشعر» وقال (صحيح).

ولما ذم الله الشعراء كما في قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)﴾ (الشعراء: 224- 226)، فهنا كان الاستثناء لأصحاب المنهج وارتبط أدبهم بتقواهم، إذًا المراد هو ذلك الأدب الذي يرتبط بمنهج.. هناك أمران في مسألة المنهج لا بد من توفرهما وهما :

- ألا يحسن بدعة أو أمرًا شركيًا يعارض أصلًا من أصول الدين.

- ألا يحسن فحشًا أو معصية، ويدخل ضمن ذلك من يشبب بالنساء، ويصف محاسنهن بكلمات خادشة فتراه يصف عوراتهن والتلذذ بهن وغير ذلك مما يخجل منه الأحرار والله المستعان.

فالشعر أودية متعددة، كما أشار إلى ذلك الشيخ السعدي في تفسيره.. ص 702، فمنه المدح والغزل والهجاء، ومنه الصدق، ومنه الكذب، ومنه الفخر، ومنه السخرية، وغير ذلك.. والشعر يخوض في هذا كله، ويصيب ويخطئ إضافة إلى مخالفة الأقوال للأفعال عند البعض من الشعراء.. ولا تسأل عن جمهور الشعراء الذين لم يصلح منهجهم، فقد التحق في ركابهم كل شهواني أو ضعيف همة أو غير ذلك من أصحاب الصفات التي يأباها الرجال.

وكما كان لرسول الله ﷺ شاعر، فقد كان له خطيب، وهذا صورة أخرى من صور الأدب.. فالخطبة والمقالة والندوة والمحاضرة أنواع من الأدب، وكان ثابت بن قيس رضي الله عنه فارس هذا المجال في عهد رسول الله ﷺ.

وكما وجد هذا النوع الراقي من الأدب وجد غيره مما يخالفه.. فقد تشبب كعب اليهودي بنساء المسلمين فشق ذلك على رسول الله ﷺ وعلى صحابته رضي الله عنهم، وكان الأمر من الرسول ﷺ بمعاقبة هذا الفاحش في القصة المعروفة.

إن تأخر ظهور مصطلح الأدب الإسلامي لا يعني عدم وجوده، وقد أشار الدكتور أبوبكر حميد لهذا الأمر في معرض رده على الأستاذ سعيد السريحي في ملحق الأربعاء لجريدة المدينة في العدد الصادر بتاريخ 21/4/1424هـ.

ولو تتبعنا التاريخ لوجدنا استمرار هذا المنهج.. وكم من المحدثين والفقهاء عرفوا بقوة الطرح وبتميزهم في أبواب الأدب المتنوعة.. كالإمام الشافعي، وابن الجوزي، وغيرهما الكثير.

فإن كانت هذه هي خلفية الأدب الإسلامي فهل يصح لنا أن نطلق عليه أنه بدعة؟ بالتأكيد سيكون هذا تجنيًا ليس على قصيدة وقصة.. بل على دين ومنهج.

كل أديب له وعليه

اما من يقول بأن ما يتسمى بمصطلح الأدب الإسلامي إنما يخفي ضعفه حول هذا المصطلح الكبير فالتعميم بلا شك خاطئ.. وكل أديب سيكون لديه الغث والسمين.. وهذا نزار قباني الذي قامت من أجله الدنيا لديه قصائد جميلة عذبة.. ولديه قصائد لا نخرج منها سوى بالكفر وبالإباحية عياذًا بالله.. وأذكر على سبيل المثال فقط قول نزار قباني في كتابه «الشعر قنديل أخضر» ص 77: «عندما فكر الله الشاعر الأول والضائع الأول في كتابة الشعر، فكر - أيضًا - في وسيلة ينشر بها شعره، وفي ناشر ينقل كلماته الحلوة إلى محبيه وعابديه "سورة مريم" وسورة الرحمن، ونشيد الإنشاد، قصائد لا أطيب ولا أعذب تتقطر ضوءًا وعبيرًا بين أصابعنا.. كل ما كتب الله من شعر موجود حولنا ومعنا.. وقصائده نقرؤها على كل نجمة وموجة وورقة خضراء»، ثم يسترسل نزار في كلامه، ويضع شعره على ضوء هذه المعاني، فهل يلومنا أحد لو اضطررنا إلى أن نصنف الأدب لنفصل بين ما يذب عن الشريعة وبين ما يطعن فيها ويستهزئ بالأنبياء؟ لا أعتقد أن من لديه أقل الإنصاف سيعاتبنا.

فنحن إنما نغضب هنا لديننا وأعراضنا.. ونزار معروف عنه فحشه، وهو ليس سوى مثال هناك الكثير غيره ممن تورطوا في هذا المجون أو ذاك.. والبعض منهم جاء تورطهم مرافقًا لمعتقد فلم يلتفت إليهم كثيرًا لأننا لم نتفق معهم في الأصل.

إن الأدباء سواء من تخصص في القصة أو في القصيدة أو غيرها من أنواع الأدب يملكون قوة وأصالة وتميزًا.. ولكنهم يحتاجون إلى تكافؤ في الفرص.. فالذين يطبلون لنزار وأمثاله ساءهم أن يأتي صوت عفيف هادئ يبحر في سكينة إيمانية ويعيد الأجيال إلى عبادة خالقها.

ولو أردنا أن نستعرض بعض النماذج لوجدنا الكثير والكثير.. ليس في الجيل الأول كإقبال وحسب.. بل وحتى في الأجيال الناشئة، ولوجدنا طالبًا ربما لم ينه مرحلته الجامعية يصوغ من البيان بأنواعه ما يطرب جلاميد الصخور.. ولو قارناه بذلك الأديب الذي انحرف عن المسار لما وجدنا مجالًا للمقارنة.

أعطيكم ثلاثة أمثلة أعتذر مقدمًا عن المثال الأول والمثال الثاني.. ومن خلال هذه الأمثلة سيتبين لكم الفرق بين العرض، وأترك لكم الحكم عليها.. لنرى معًا ومن خلال ما تقرؤون كيف يتميز كاتب وكاتب.

الأول: لنزار قباني في ديوانه «سيبقى الحب سيدي».. ص 56 في قصيدته المعنونة بـ«نهدان»، وأعتذر لقارئي الكريم عن هذا الأمر ولكنني مضطر له لأعرض صورة من الأدب الذي يتناوله البعض ويمجدونه:

للمرأة التي أحبها

نهدان عجیبان

واحد من بلاد النبيذ

وواحد من بلاد الحنطة

واحد مجنون كرامبو

وواحد مغرور كالمتنبي

واحد من شمال أوروبا

وواحد من صعيد مصر

وبينهما..

دارت كل الحروب الصليبية...

الثاني لكاتبة تنشر في منتديات الإنترنت وتجد معجبين لها.. ولها قصيدة بعنوان «احتمالات البرتقال في إبط البطة»:

تتجمع احتمالات البرتقال بين أفياء الآلهة..

لتنضج حبات البلور على شفة التاريخ..

تحكي للجلنار حكاية إبط البطة المدللة..

فتساب شهقات التوجع أعمدة كبيوت الإغريق..

أو كنهيق قطة مفجوعة..

تحمل التاريخ، وتحمل البرتقال، وصغارها..

الثالث: للشاعر محمود مفلح في قصيدته «جيل الصحوة»، وهي من التفعيلة أيضًا.. في ديوان «إنها الصحوة.. إنها الصحوة» ص 37 ومنها:

وأقول للجيل الجديد..

أقول للجيل المحصن بالعقيدة والمتوج بالصباح..

وأقول يا جيل الكفاح

إنا بلونا الليل والأشباه والموت الموجل والجراح..

وأقول يا جيل المصاحف..

يا خمير الأرض.. يا طلق الولادة..

ها أنت كالينبوع تدفق في صحارينا..

وتمنحنا الوثيقة والشهادة..

أنت الذي سيبدل الأوزان والأحزان..

يزرع في العيون تخيلها..

فلكم تباطأ في الرحيل عن القرى عام الرمادة..

وضعت لكم هذه النماذج وأترك لكم الحكم عليها من الناحيتين.. من حيث المضمون والفكرة التي تتناولها النصوص، ومن حيث الوزن وقوة الأبيات،

والآن.. لماذا الحملة على الأدب الإسلامي وعلى كل ما يربطنا بالإسلام؟ لماذا لا تعتبر الأطروحات الإسلامية كغيرها من الأطروحات وتعطى ذات الفرصة للتعبير دون أن تهاجم أو تقيد أو تحد.. ولماذا لا يعتبر الأدباء الآخرون أن هذا صوتًا يستحق أن يعطي حرية للتعبير عن ذاته.. وعليهم أن يقبلوه؟

إن الأدب الإسلامي يتحدث عن نفسه... وحتى هذه المقالات والردود تدل على قدرتنا على التفنيد لو أردنا.. ولكننا ولآخر لحظة ندعو إخواننا ممن التبست عليهم الأمور فلم يفهموها جيدًا أن يعطوا لعقولهم فرصة للعودة إلى الله وتبني قضايا الأمة الإسلامية والمنافحة عن عقيدتها بكل الوسائل الممكنة.. علَّ الله أن يرحمنا ويكتب لنا خيري الدنيا والآخرة.

(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

 

 

واحة الشعر

شعر: عز الدين فرحات (*)

من أين أبدأ؟!

من أين أبدأ يا فلسطين الحكاية

من أين أبدأ والرواية أوشكت تصل

النهاية

من أين أبدأ والدروب إليك تفتقد

الهداية

وطريقنا يا قومنا معروفة منذ البداية

وبكل يوم للمهيمن آية من بعد آية

***

من أين أبدأ يا فلسطين

وقد طال المسير

من أين أبدأ يا فلسطين

ولي قلب كسير

يرنو إليك

يطوف حول رباك

يهفو للعبير

لحدائق الليمون

والزيتون

للحقل الكبير

المواطن سار الخليل بها

وعيسى بن البتول

موسى وزكريا ويحيى

ثم بعدهم الرسول

من أين أبدأ يا فلسطين

ولي قلب كسير

والمسجد الأقصى يئن

وما له فينا نصير

وبنو قريظة يسفكون دماءنا

وبنو النضير

والعالم الغربي يزعم

حق تقرير المصير

يا أيها الوطن الأسير

كيف استباح علاك خنزير حقير

يا أيها الوطن الأسير

القدس تسكن في الضمير

هي في سويداء القلوب

وإن تقلبت الأمور

هي في دمانا

والدماء لها مداد، للسطور

******

صبرا وشاتيلا

وقبية

والمثلث والجليل

ترنو لنا

تشكو إلى الرحمن منا

ذا الخنوع وذا العويل

******

يا قومنا

حتى متى سنظل نركض

خلف وهم مستحيل

يبدولنا

وبكل يوم أنهرًا

بدماء إخوتنا تسيل

ودماؤنا

في المسجد الأقصى

وحول القبة انطلقت تقول:

يا قوم هبوا للجهاد

هبوا لتطهير البلاد

ودعوا التشدق بالسلام

دعوا التكاسل والرقاد

ودعوا الأيادي للحجارة

وليعانقها الزناد

يا قوم هبوا

طال نومكم

وقد شكت الجياد

أين الفوارس؟

أين حمزة؟

أين خالد وزياد؟

أين البطولات التي

دمنا يسيل لها مداد؟

يا قوم هبوا للجهاد

ودعوا التفرق

للتوحد

وانصروا رب العباد.

(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

 

 

الأديبة الدكتورة فوزية العشماوي: نظرة أدباء الغرب إلى الإسلام مستمدة من الأكاذيب اليهودية

القاهرة: محمود خليل

•    رسالتي للماجستير حول شخصية النبي في الأدب الفرنسي أثبتت أن النبي محمد هو أعظم شخصية عرفها تاريخ الإنسانية جمعاء

•    المسيرة الأدبية الغربية في مجملها غير نزيهة فيما يخص الإسلام والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم

تمثل الأديبة الدكتورة فوزية العشماوي ظاهرة متفردة في ميدان الأدب والفكر الإسلامي بسويسرا، حيث تعمل أستاذة للأدب العربي الحديث والمقارن والدراسات الاجتماعية بجامعة جنيف إلى جانب عضويتها في العديد من الجمعيات المعنية بشؤون المرأة المسلمة في المجتمع الحديث، مع توفرها على متابعة الشأن الإسلامي من خلال جمعية الإسلام والغرب بجنيف منذ عام 1982م... إلى ما سبق فهي أديبة قصاصة وروائية وناقدة.. مما يجعل الحوار معها له أهميته وخصوصيته:

 

•    نتعرف أولًا على د. فوزية العشماوي عن قرب؟

•    اسمى فوزية عبد المنعم العشماوي، ولدت ونشأت بالإسكندرية، وتخرجت في كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية بجامعة الإسكندرية عام 1965م، ثم انتقلت الأسرة إلى سويسرا، حيث واصلت دراستي حتى تخرجت في كلية الآداب بجامعة جنيف في يونيو عام 1972م تخصص لغات، ثم واصلت دراساتي العليا فحصلت على الماجستير عام 1974م، والدكتوراه عام 1983م في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية.

 

•    نعلم أن رسالتكم في الماجستير ذات موضوع مهم، يتعلق بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم، فما أهم نتائجه؟

•    تتعلق رسالة الماجستير بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الأدب الفرنسي، حيث جليت ما أحاط بأعظم شخصية عرفها تاريخ الإنسانية من ظلم وما حاول كبار الأدباء الفرنسيين إلحاقه بنبي الإسلام من شبهات وقعوا فيها ضحية العلم المغلوط، والكيد المتعمد رغم انبهارهم بجوانب متعددة في هذه الشخصية المتكاملة التي أراد الله عز وجل أن تظل أسوة كاملة للبشرية إلى يوم الدين.. ومن ثم فلا ننبهر بإعجابهم وفتنتهم بجانب معين.. أو جوانب متعددة.. ثم يغمزون في جانب آخر.. للعلم.. لا بد أن نعرف أن الصورة الأدبية مهما كان تصرف الأديب فيها.. فهي وليدة الصورة الذهنية المسبقة التي ترسخت وترسبت من معارف وثقافات متراكمة.. ومن ثم فمعظم أدباء الغرب الإنجليز والفرنسيين والألمان على وجه الخصوص.. هم ضحايا العلم المجزوء والمغلوط.. من جانب، وضحايا مصانع الكذب التي تعمل ضد القرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم.

ولكن الحقيقة تنبئ عن نفسها مهما كانت الأسداف والحجب... وشخصية المصطفى صلى الله عليه وسلم شخصية متكاملة متسقة تشهد لها الحقيقة الدينية والتاريخية والنفسية والعقلية.. وكل ما يلحق بهذا النور المبين من غبار ودخن.. يسهل جدًا إزاحته وإزالته، لأنها شخصية تتكامل مع حقائق الكون الكبرى.

 

•    وما السر الكامن وراء الحقد الدفين على هذه الشخصية المضيئة من قبل فلاسفة ومفكري الغرب وأدبائه؟

•    للأسف الشديد.. فإن العقلية الفكرية الغربية التي تألقت في الميدان العلمي والتقني.. تراها تتخلى عن أبسط مبادئ وقواعد الحياد العلمي المطلوب والمقبول فيما يتعلق بنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم على نحو خاص ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)﴾ (التوبة: 107).. لأن الحقيقة المحمدية يدركها كل عاقل.. ويؤمن بها كل صاحب عقيدة صحيحة وكل متبع الرسالة - سماوية غير محرفة: ﴿قَدۡقَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)﴾ (الأنعام: 33).. ولعل مناظرة الإمام محمد عبده ورينان الشهيرة تظهر لنا بعض جوانب هذه الحقيقة المهضومة.

ولكن القضية تزداد تعقيدًا حيث يكون ميدان هذا التكذيب في صورة إبداعية ولوحات أدبية - وأغراض مغلفة وتداعيات موحية.. لكن للحق.. فإن كل هذه الشبهات تتقاصر دون الشخصية المحمدية المنيرة، التي تدفع بنفسها عن نفسها. وتشهد للحق بالحق.. والباحث المدقق المركز هذا الحق وبؤرته.. سيجد أن البعد الكامن وراءه هو الخوف من الإسلام القادم.. وهنا يكمن دورنا في حتمية إظهار الحقيقة الإسلامية العالمية الإنسانية التي تمثل أمل الإنسان المتعب وواحة الحضارة المعاصرة المعذبة.

ضحايا الأكاذيب

•    ولكن هذه الحقيقة المشوهة لدى الإنسان الغربي الذي يحيا عصر المعلومات وثورة الاتصالات.. كيف السبيل إلى تصحيحها أو إعادة تقديمها وفق مدخلات جديدة ومعاصرة؟

•    رغم أن الغرب يحيا ثورة المعلومات بكل غرورها وجموحها.. إلا أنه يعاني من فقر مدقع في ميدان الحقائق.. وعلى رأسها الحقيقة الدينية.. وذلك يرجع في أصوله الأولى لعبث اليهود بالحقائق الدينية الكبرى المتعلقة بذات الله عز وجل والنبوة والرسالة.. من خلال مرضهم الدفين في احتكار الحقائق الدينية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)﴾ (البقرة: 89)، وبالتالي فالغربيون في عمومهم كما أسلفنا من ضحايا الأكاذيب.. وقد قمت بترجمة كتاب مهم يعالج هذه القضية وهو «دور اليهود في قاعدة الإسلام بالمدينة المنورة» للدكتور عبد العزيز كامل، وزير الأوقاف الأسبق من مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عام 1970م، كما قدمت كتاب «مفهوم الدولة في الإسلام»، وهو كتاب مشترك عن سلسلة مؤلفات عربية عن دار لابور فيداس بجنيف 1983م، كما قمت بنقد أدبي لمسرحية فولتير «محمد»، ومن خلال هذا النقد تجلت مجموعة حقائق يجمع عليها القريب والبعيد، والمحب والمبغض.

 

•    من خلال تجوالكم في الأدب الفرنسي، وتفقد صورة الإسلام والمسلمين فيه.. ما الصورة التي يكرسها هذا الأدب؟

•    منذ الوجود الإسلامي بإسبانيا والأدب الأوروبي بصفة عامة، والفرنسي بصفة خاصة، يعمل على تكريس الدين الإسلامي لأبناء دينه بما لا يتوافق مع صحيح الإسلام على الإطلاق.

فهذا الشاعر «تشانون دي رولاند» الذي يصور الإسلام في أنشودته وكأن المسلمين يعبدون ثالوثًا يتألف من ثلاثة أشخاص.. مؤسس الدين وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وشخصين آخرين.. كل منهما شيطان Apollen and tervgeint.. «أبو اللين» و«ترفاجنت».. وينظر الشاعر إلى الإسلام والمسلمين من خلال منظار المسيحي، بل ويسمي المسلمين - uham madnism «محمدنیزم»، في نظرة دعائية رخيصة وضيقة الأفق وجاهلة.. وكأن محمدًا كعيسى المسيح عليه السلام - يعبده المسلمون.

منذ ذلك التاريخ.. والمسيرة الأدبية الغربية في مجملها غير نزيهة وغير شريفة فيما يخص الإسلام والمسلمين.. فأحيانًا يسمونهم Moors «مورس» باعتبار أنهم قدموا أوروبا من مراكش وفي معظم البلدان والأدبيات الغربية يسمى المسلمون بالأتراك، لأن خلافة المسلمين كانت تتزعمها تركيا آنذاك.. كذلك يسمى المسلمون أحيانًا «بالتتار»، باعتبار أن التتار حكموا روسيا فترة من الزمان.. حتى بعد أن فهمت أوروبا في العصر الحديث أن الإسلام دين وليس جماعة عرقية، أو جنسًا من البشر، إلا أنهم لا يزالون يسمونهم Muhammadon مع أن المسلمين لا ينتسبون إلى محمد.. إنما المسلمون ونبيهم ما هم إلا عباد لله.. وعلى الرغم من أن هناك بعض النقاط الأدبية والنظرات الفكرية المنصفة للإسلام ونبي الإسلام إلا أن الموقف الأدبي الغربي من الإسلام دين مستمد من اليهودية والنصرانية، وليس أصيلًا، وأن محمدًا كان شخصًا ماكرًا يعمل من أجل أهداف سياسية، كما صوروا القرآن على أنه شيء خارج عن المألوف، وأنه خليط من التوراة والإنجيل حتى الذين يتبنون تعليم اللغة العربية والأدب العربي كفرق الدمينيكان والفرنسيسكان.. لا يتعلمونها إلا من أجل التشكيك والتنصير.. ومنذ فتح القسطنطينية عام 1453م، وأنت تلمح الأدب المعادي للإسلام والمسلمين، كما أن الدراسات التاريخية والأدب الأوروبي القديم مستم - في معظم تصوراته - مما قدمه بطرس المحترم عن الإسلام والتعريف به، ولا تخلو القواميس والموسوعات والتراجم المنقولة عن آدابنا العربية من تخليط وتشويش يتوجب علينا تصحيحه والرد عليه.. والحق يقال: إن معظم هذا التخبط ناتج عن جهل منهم وتقصير منا في الإعلام عن ديننا.

 

•    وماذا تعني د. فوزية العشماوي بعنوان «الغربة في الوطن» الذي اختارته لآخر مجموعاتها القصصية؟

o    لي - بفضل الله - متابعات أدبية واسعة باللغات والفرنسية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية والألمانية، ومن أهم اختصاصاتي الاهتمام بشؤون المرأة في المجتمع الحديث ضمن الدراسات الاجتماعية، وقدمت دراسة موسعة للمركز الوطني للبحوث بسويسرا عام 1992م حول المرأة المسلمة في المجتمع الحديث «إيران والجزائر».. كما قدمت دراسة حول الجماعات الإسلامية، وكتابًا حول مفهوم الدولة في الإسلام، كما أسلفت.. كل هذه المتابعات جعلتني أربط نياط قلبي بوطني الخالد وبلدي الحبيب مصر.. أرض الكنانة... وأنا أحاول استشراف رؤيتي لها، والإنصات إلى صوت التاريخ من خلالها في صورة هذه القصة القصيرة الغربة في الوطن عبر تجربة تؤصل الانتماء وتقيم جسرًا لتواصل الأجيال، وتقدم رؤية أدبية لمعنى الولاء والوفاء ورد الجميل، لأن الغربة الكلية المرضية، تبدأ أولًا بالغربة الشخصية التي يعاني منها معظم الناس اليوم والتي يجب أن تعالج.. لأن ولاء المسلم ولاء قيمي قبل كل شيء.

 

 

محمد شلال الحناحنة

نافذة على لغتنا الجميلة

يقولون «تلك شعب مُرجانية»، وقولهم «مرجانية» بضم الميم من الأخطاء الشائعة التي تأباها لغتنا الفصحى، والصحيح «مَرجانية» بفتح الميم، وتصديق ذلك ما ورد في كتاب الله قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58)﴾(الرحمن: 58).

ويكتبون في رسائلهم: «رزقني الله بغلام»، وكتابتهم «بغلام» خطأ واضح لا تقره لغتنا الجميلة، لغة الضاد، لأن الفعل رزق هنا يتعدى إلى مفعولين بنفسه، والصواب أن يكتب رزقني الله غلامًا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (47)﴾ (يس: 47).

ويرد على ألسنتهم: «لن تخرج معي إطلاقًا»، وقولهم: «إطلاقًا» خطأ لا تجيزه لغتنا العربية الفصحى، لأن المقصود «أبدًا» أي كل الدهر، أما «إطلاقًا»، فهو مصدر للفعل «أطلق»، ومن معانيها: أطلق السجين: خلى سبيله، وأطلق المرأة طلقها وأطلق للفرس العنان: أرخى عنائه، والصحيح أن نقول: «لن تخرج معي أبدًا»، وانظر قوله تعالى: ﴿فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ (التوبة: 83)، فما أجمل أن نعود إلى لغتنا الفصحى، لغة الضاد!

الرابط المختصر :