; حين حضر المأذون | مجلة المجتمع

العنوان حين حضر المأذون

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009

مشاهدات 66

نشر في العدد 1845

نشر في الصفحة 52

السبت 28-مارس-2009

زوجتك ابنتي.. على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم... إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والله على ما أقول شهيد..»

وأنا قبلت زواج ابنتك.. على كتاب الله تعالى وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.. والله على ما أقول شهيد..»

وانطلقت أغاريد الفرح وعلا صوت المسجل بأنشودة عرس جميلة تُبارك للعروسين وأهلهما هذا الزواج الطيب بعد التلفظ بتلك الكلمات.

إنه موقف حرك في داخلي مشاعر كثيرة كانت خامدة، لم أستشعرها في يوم كما استشعرتها في تلك اللحظة التي مرت كلمح البرق، وإذا بالعروس وقد تزينت لذلك الزوج الذي كان أجنبيا عنها منذ لحظات وبدت أمامه في أبهى حلة تتصافح يداهما وتمسك إحداهما بالأخرى في منظر أحسست فيه لأول مرة حقًا أنه آية من آيات الله تعالى، وسمت روحي مع الآية، وعشت بقلبي ووجداني مع قوله تعالى: (﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21). وكان التفكر بصدق في تلك اللحظات أروع ما يكون، وازداد إيماني ويقيني بهذه الآيات، وشكرت ربي كثيرًا على نعمه التي تغمرنا ليل نهار ونحن عنها لاهون غافلون ناسون متناسون، وعجبت من ذلك الإنسان الذي علمه الله سبحانه وتعالى النطق والبيان، وحمّله أمانة الكلمة التي يتحرك بها اللسان وأدركت ما للكلمة من خطورة وتبعة وما لها من شأن وأي شأن!

كلمات حرمت عليه أم عروسه

وها هي أم العروس في بيتها تجهز الطعام مع حضور الشيخ المأذون وقدوم الأصدقاء المقربين للأسرتين، إنها ترتدي حجابها وجلبابها في ذلك اليوم الشديد الحر من أيام الصيف، وها هو خطيب ابنتها الشاب الخاطب قد أتى مع أسرته، تستقبله الأم بالسلام عليه بلسانها دون أن تصافحه ويغض الشاب من بصره ويسلم على استحياء ويدخل الغرفة ليجلس مع الثلة المباركة التي حضرت لتبارك عرسه وتشهد على زواجه من ذات الدين التي اختارها ووفقه الله تعالى وهداه إلى الارتباط بها، فقد نشأ وترعرع على ترديد والديه على مسامعه بين حين وآخر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» «مسلم».

وها هو ذا يجلس في انتظار أحلى اللحظات التي يتمناها كل شاب وشابة خاصة في بلد غربي كهذا الذي يعيشان فيه.. وما هي إلا لحظات نودي أثناءها على العروس أن تأتي لتشهد تلك اللحظة الفاصلة في حياتها، وتأخذ الميثاق الغليظ على من سيصبح بعد قليل زوجًا لها.

وأتت العروس.. أتت على استحياء وهي تغطي وجهها وتخفي زينتها بجلبابها.. ويعلو صوت المأذون واضحًا جليًا لا لبس فيه ولا غموض، وها هو يحمد الله تعالى، ويثني عليه ويصلي ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويغطي الصمت المكان في تلك اللحظة إلا ما كان من كلامه، ويشرع في عمله، إنه يُملي على والد العروس ثم على خطيبها الشاب كلمات علمنا الشرع الحنيف إياها في مثل هذا الموقف، ويردد الاثنان وراءه واحدًا تلو الآخر، ويتم العقد بالإيجاب والقبول من الطرفين ليتغير الحال بعده، ويصير العروسان زوجين بعقد الزواج وشهادة الشهود والمواثيق التي أخذت والعهود.. ويصير الحرام عليهما من الآخر حلالًا له، خاصة بعد إشهار النكاح وإتمام الزفاف، وتتم المصاهرة بين الأسرتين بعد أن انصهر العروسان في بوتقة الزواج الجديدة التي صار فيها لكل منهما حقوق، وتحتم على كليهما واجبات تجاه شريكه الآخر.

وإذا بأم العروس بعد إتمام العقد تخرج من الغرفة، وتضع حجابها من شدة الحر وتصافح ابنها الجديد هذا، والذي صار محرمًا عليها ومحرمًا لها بمجرد كلمات العقد المبارك، وينحني الابن على جبهة أمه تلك بقبلة شاكرة، وكأنه يقول لها: ألا فلتسلم هذه الأم الرائعة التي سهرت وأرضعت وربت وأدبت وتعبت وعلمت، وحين جاء الكفء لابنتها وافقت وباركت.

 عقد الميثاق الغليظ

أحسست بمدى المسؤولية الملقاة على عاتق كل زوج وإن كان أيضًا على كل زوجة لكن الميثاق الغليظ ذاك الذي تأخذه كل زوجة على زوجها يجعل لها في عنقه عهدا وذمة وعلى عاتقه أمانة هذه الكلمة..

ونظرت من حولي إلى أحوال مختلفة أراها في بيوت كثيرة تشير إلى أن الوفاء عند بعض الأزواج تجاه زوجاتهم لا حدود له، فعطاؤهم لا ينقطع عنهن، بل نما وترعرع وزادته الأيام كثرة، إنه عطاء من كل نوع، عطاء في الحب والدفء والمشاعر والرحمة، عطاء المال والمواساة والمعونة والنفقة، عطاء القرب والود، والإحصان والعفة، عطاء الإرشاد والنصح والموعظة الحسنة، عطاء يرفع زوجاتهم في الدنيا والآخرة، وهؤلاء من خير الناس كما قال وخياركم خياركم لنسائهم «الترمذي»...

 لكننا للأسف نجد البعض الآخر من الأزواج على النقيض تمامًا؛ إذ ليس للعطاء مكان في قلبه أو نفسه، فبعد أن تنتقل الزوجة لبيت الزوجية وينتهي شهر العسل، كما يحلو لهم تسميته بذلك يتغير الحال وتتبدل كلمات الغرام إن لم تجف وتنضب، وتظهر المساوئ والعيوب بلا تجمل، ولا يحاول الرجل تغيير حاله وإصلاحه إلى الأحسن، بل هو كما هو إن كان يعجبها، وإلا فلتذهب لشأنها، والبعض يقولها بصراحة يحسد عليها! قد نسي هذا الزوج أو تناسى ما أخذ عليه من أمانة الكلمة وشهادة رب العالمين عليها حين قال لولي أمرها: قبلت زواج ابنتك على كتاب الله تعالى وسنة رسوله، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والله على ما أقول شهيد وهذا ما يؤلمني حقًا، وأردت أن ينتبه إليه بعض الرجال.

كلمة النكاح أمانة

إن لكل كلمة أثرًا وأهمية لا ينكره إنسان عاقل؛ لذا فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل لفظ نتلفظه وكل حرف نتفوه به ما ينتج عنه من أثر، إن خيرًا فخير وإلا فشر كبير، وإن من أخطر الكلمات ما تجب بها الحقوق للعباد وتترتب عليها الواجبات على الأفراد والجماعات. وتؤخذ بها المواثيق والمعاهدات، ككلمة النكاح التي هي من أعظمها شأنًا، وقد نبه لذلك النبي وحذر من النكوص عن القيام بحقها، فقال للأزواج: فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فُرُوجَهُنَّ بكلمة الله «أبو داود».

وقد ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم وسماها الميثاق الغليظ فقال عز وجل للرجال عنها ... ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء:21). فالميثاق الغليظ الذي عني به في هذه الآية هو ما أخذ للمرأة على زوجها عند عقدة النكاح من عهد على إمساكها بمعروف، أو تسريحها بإحسان، فأقر به الرجل، وكان في عقد المسلمين النكاح قديمًا، أن يقال للناكح الله عليك، لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان، ويقول :وليها زوجناكها بأمانة الله على أن تمسكها بالمعروف أو تسرحها بإحسان.

 ألفاظ الإيجاب والقبول عند عقد الزواج تجسيد لأمانة الكلمة وخطورتها وشأنها العظيم

الميثاق الغليظ يعني إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وغير ذلك ظلم يأثم عليه الزوج

هل هذا من الإمساك بالمعروف؟

فهل يا ترى إذا ظلم الزوج زوجته أو ضربها وأهانها أو غيرها واحتقرها أيكون حفظ أمانته وأمسك بالمعروف؟

 وهل إذا بخل عليها أو أكل مالها أو استهان بحقها ولم يؤتها إياه، أيكون وفي بعهده وأمسك بالمعروف؟

وهل إذا أفشى سرها وهتك سترها أو أشاع عيبها وفضحها، أو أضر بها وبولدها وأهلها، أيكون عمل بالوصية وأمسك بالمعروف؟

وماذا لو أثار غيرتها ولم يحصنها ويعفها، ولم يعدل معها ويحسن صحبتها، أتراه عمل بشروط الميثاق الغليظ الذي أخذته عليه وأمسك بالمعروف؟

 هل هذا كله أو بعضه من الإمساك بالمعروف الذي أشهد الله عليه عند عقدة النكاح؟

وهل هذا من التسريح بالإحسان؟

 إذا عضل الزوج زوجته وأمسكها ضرارًا، وضيق عليها لتخلع نفسها منه، فيذهب بمالها وحقها.

إذا ترك المرأة معلقة لا هي زوجة له ولا هي منه مطلقة.

إذا اضطرها وألجأها- حين وقوع الطلاق إلى التردد على المحاكم ودور القضاء طلبًا لحقها من النفقة وغيره من الحقوق.

إذا حُرّمت الزوجة من رؤية أولادها بعد الطلاق من قبل الزوج المطلق.

إذا صارت غيبة المرأة بعد طلاقها وإفشاء أسرارها على لسان مطلقها في كل مجلس ومكان.

إذا منع الرجل مطلقته من الزواج بغيره بعد انقضاء عدتها منه رغم حاجتها للزواج.

 إذا جعل الزوج من امرأته بعد طلاقها العدو الأكبر له، وحاول تشويه سمعتها عند أولادهما وأقاربها وأمام كل الأصدقاء.

كل ذلك حتى يبرر الزوج طلاقها منه أو طلاقه لها، ويُشعر الآخرين أنه مظلوم منها غير ظالم لها، والله أعلم به من نفسه، أعلم بنيته وظلمه أو عدالته ومهما كان فإن عليه في كل حال أن يمسك بإحسان أو يسرح بإحسان كما أخذ على نفسه من عهد.

لا تستهن بكلمة النكاح.. وأعد للسؤال إجابة.

إن لنا في هذا الحدث السعيد وقفات ووقفات، ولنا فيه كذلك عبر وعظات، وحياتنا كلها عبر، فلا تستهن أيها الزوج بكلمة النكاح فالكلمة مسؤولية والمسؤولية أمانة، والأمانة أنت مسؤول عنها، فأعد للسؤال إجابة حين تُسأل على رؤوس الأشهاد يا عبدالله: هل حفظت أمانتك ووفيت بعهدك فأمسكت بمعروف أو سرحت بإحسان؟ والأولى بك أن تجيب على هذا السؤال الآن قبل فوات الأوان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل