; الميثاق الغليظ | مجلة المجتمع

العنوان الميثاق الغليظ

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 07-يناير-2006

مشاهدات 96

نشر في العدد 1684

نشر في الصفحة 60

السبت 07-يناير-2006

إذا ما توشح الزوج الغلظة ولبس لباس القسوة كان حبلًا غليظًا حول الأعناق يقطع أنفاس المودة

كيف نجعل من عادة الزواج عبادة؟

هل أحسن الزوج اختيار شريكة حياته التي أخذت منه ميثاقا غليظا استحل به معاشرتها؟ 

أيها الزوج.. ترقب ما عند الله من الخيرات يهن التعب في سبيل إسعادها.

دلف العروس ممسكًا يد عروسه وهو سعيد قرير العين، وها هما يجتازان معًا تلك البوابة الذهبية لقفصنا المذهب! هنا ستذوب الفوارق، وتتحد الأرواح وتمتزج النفوس، ليصبح الزوجان نفسًا واحدة في جسدين! وروحًا واحدة في نفسين! وقلبًا واحدًا في زوجين! 

سيكون كل منهما لشريكه لباسًا يستر صورته ويزين مظهره ويخفي عيوبه! وما أجمل هذا اللباس، وما أغلاه وأعلاه إن طهر وكان مطابقًا لصاحبه بلا خوف أو التباس، وهنا أيضًا ستزال كل الأقنعة بالتدريج! نعم سيزيل كل من العروسين القناع عن وجهه تدريجيًا، وشيئًا فشيئًا يظهر بصورته الحقيقية دون مجاملات أو تزييف أو مبالغة في الأقوال والأفعال، وستظهر الصورة بوضوح دون خداع للنظر، وسترى الأشياء بمنظار الحقيقة ويعرف الفرق بينها وبين السراب.

أحلام وردية

لقد كانت فترة ما قبل الزواج الخطبة أو العقد زمن دلال وتصنع وأماني وأمنيات وأحلام وردية، أما الآن فإنها أمانة ومسؤولية وعمل وجدية، وسيظهر كل منهما على صورته الأصلية دون تقمص أي شخصية سوى شخصيته الحقيقية. 

تُرى هل أحسن الزوج اختيار شريكة حياته التي أخذت منه عهدًا وميثاقًا غليظًا استحل به منها ما يحرم على غيره، وأعطى له حقًا في حياتها معه حياة دائمة؟ قال -تعالى-: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: 21)، جاء في تفسير ابن كثير: إنه العقد، وقال سفيان الثوري: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. 

وفي صحيح مسلم عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي  قال في خطبة الوداع: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله».

الميثاق الغليظ: فهلا تأمل الزوج كيف وصف الله -تعالى- هذا الميثاق بأنه غليظ؟ تمامًا كما وصف -سبحانه- الميثاق الذي أخذه من الأنبياء عليهم السلام، والميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل لقوته وعظمته، كيف بعد هذا كله يستهين الزوج بهذا الميثاق الغليظ؟! يقول النبي : «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عندكم عوان» أي أسيرات.. (رواه الترمذي). 

ترى هل ستعينه بدينها وتقواها على القيام بحقوق ومتطلبات ذلك الميثاق الغليظ؟ وهل ستزيل القناع عنها لتظهر بصورة أنقى وأتقى مما كانت عليه؟ وهل سترفع النقاب عن زوجة تجيد فن الحياة الزوجية وحسن التبعل لزوجها؟ وتعي الوصية التي أوصت بها أسماء بنت خارجة ابنتها حين قالت لها: «إنك خرجت من العش الذي فيه درجت، فصرت إلى فراش لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أرضًا يكن لك سماءً، وكوني له مهادًا يكن لك عمادًا، وكوني له أمة يكن لك عبدًا». 

وهل انتبه الزوج عند اختياره واحتاط لنفسه، بل لدينه ودنياه، فلم ينكح كما يقول  العرب: «لا أنانة -أي كثيرة الشكوى والأنين بلا سبب- ولا منانة -التي تمن على زوجها- ولا حداقة -التي ترى كل شيء بحدقتها فتشتهيه وتكلفه ما لا يطيق- ولا براقة -التي لا هم لها إلا صقل وجهها وتبريقه- ولا شداقة -أي كثيرة الكلام-». 

وهل حقًا ظفر في ليلته تلك بخير متاع الدنيا الذي حث عليه رسول الله  حين قال: « الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» (متفق عليه).

خصال الخير

وهل أحسنت الزوجة عندما وافقت على الزواج من هذا الشريك وهو القوام عليها، حين فضلته على غيره بما توسمت فيه من خصال الخير وظهور سمات المتقين، ورضيت به امتثالًا لأمر رسول الله : «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه» (رواه الترمذي)، فهل هو ذو دين وخلق وتقوى يساعدها على القيام بحقوق الزوجية تحقيقًا لسعادة دنيوية، ومن بعدها حياة طيبة أبدية في جنات الخلود؟ وهل يجعله خلقه ينصف زوجته من نفسه ويعرف لها حقها، ويعينها دائمًا على الخير ويحجزها عن الشر؟ وهو جنتها ونارها! لا أم أنها لم تحسن الاختيار؟

الرباط المقدس

ها هما العروسان يمسك كل منهما بيد الآخر ليجددا عهدًا ويخلصا نية وودًا، ويجعلا من عادة الزواج عبادة حين يعرفان الهدف السامي والغرض الحقيقي من ذلك الرباط المقدس، ألست معي أنه حين تعرف الحقوق فتعطى وتعرف الواجبات فتؤدي يكون الغرض من الزواج قد تحقق وأثمر وآتى أكله، فتصبح المرأة عونًا لزوجها على طاعة الله، وتخفف عنه من متاعب الحياة، ويصير الرجل لزوجته المعين على أمور الدنيا والدين؟ انظروا إنهم يتعاهدان على أن يحسن كل منهما العشرة لصاحبه؛ إذ ما قيمة الحياة بدون الصـحبة الطيبة والعشرة الجميلة؟ وما جدوى الزواج بلا آية المودة والرحمة؟ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).

رداء الجهل

أما إذا ما توشح الغلظة ولبس لباس الفظاظة والقسوة، وارتدى رداء الجهل بحق حسن العشرة، كان حبلًا غليظًا حول الأعناق يقطع أنفاس المودة ويمزق أوردة الرحمة التي تنبض بالحب والحياة.

إلا ما أعظم هذا الدين الذي جعل من العشرة بالمعروف حقًا لكل من الزوجين على الأخر، وجعل من الكلمة الطيبة صدقة «الكلمة الطيبة صدقة»، (رواه البخاري).

ومن البسمة صدقة «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة» (رواه الترمذي). 

ومن حب الآخرين كمال الإيمان « لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (البخاري).

ومن الزواج أعظم القربات والعبادات «من أماثل أعمالكم إتيان الحلال» يعني النساء (أخرجه أحمد)، «وفي بضع أحدكم صدقة» (رواه مسلم).

إثارة النخوة

ها هي تأخذ بيده، إنها تذكره أنها تستحث إيمانه بقوله  «الله الله في النساء، فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بعهد الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله»، (رواه النسائي)، «إنها تثير نخوته وخياركم خياركم لنسائهم»، (رواه الترمذي). 

هي الآن تحس بضعفها وغربتها بعد أن فارقت الأهل والأحباب والعشيرة.. فهل سيكون لها من قوله عزة ومن عزه عروة، ومن حبه ورعايته نصيب؟ 

ها هي وحيدة معك أيها الزوج الرفيق بين جدران أربعة ليس معكما في خلوتكما إلا الله، فلا تجعله أهون الناظرين إليك، بل عظمه في قلبك يحن قلبك ويرق على زوجتك، تذكر قدرته عليك تضعف قوتك أمام ضعفها وانكسارها منذ ولدت إلى أن ساقها الله إليك، قال : « إذا ولدت الجارية بعث عز وجل إليها ملكا يزف البركة زفا، يقول ضعيفة خرجت من ضعيفة، القيم عليها معان إلى يوم القيامة» (رواه الطبراني).

بارًا رحيمًا

ترقب ما عند الله من الخيرات بين التعب في سبيل إسعادها، اعرف حقها عليك يعم الخير بين يديك: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ ﴾ (البقرة: 228).. إنها الآن في حوزتك فأرها من نفسك خيرًا، وكن لها زوجًا وأخًا، وأبًا وأمًا، كن بها بارًا رحيمًا، وأخلص قبل ذلك كله لله النية، قال رسول الله : «إني أحرج عليكم حق الضعيفين اليتيم والمرأة» (الحاكم)، ها هو يمسح على ناصيتها ويدعو بالبركة، سيلتحم كل منهما برفيق دربه وشريك حياته، وسيكون كلاهما لباسًا للآخر، وها هما يبدأن ليلتهما المباركة بالصلاة.. صلاة ركعتين خالصتين لله.

الرابط المختصر :