العنوان حينما انكشفت هوية الجناة تنفس المسلمون الصعداء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995
مشاهدات 72
نشر في العدد 1148
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 02-مايو-1995
عندما تواردت الأنباء تحمل خبر الانفجار الرهيب
الذي وقع في مدينة أوكلاهوما، وبدأت تتردد أصداء وجود عمل إرهابي خلف الانفجار
انتابت الجالية الإسلامية والعربية حالة من الرعب والفزع، ربما كانت الأفظع منذ
حادث التفجير الشهير بمبنى التجارة الدولي في شهر فبراير 1993م، واتهام عناصر
إسلامية عربية بتدبير الانفجار.
لقد طغت على صيغ التقارير الإعلامية منذ ذلك الحادث
ملامح الاتهام لكل ما هو إسلامي بجرأة ووقاحة لم يسبق لها مثيل.. وبالرغم من
استنكار الجالية لما حدث وشجبها له، إلا أن وسائل الإعلام -خاصة الصهيونية- ظلت
تقدم تقاريرها وتحليلاتها بنفس الطريقة والنهج السابقين، ولم تلتفت لنداءات
الجالية الإسلامية والعربية بضرورة التزام الموضوعية والابتعاد عن أسلوب الاتهامات
المغرضة والتعميمات الخاطئة.
فكلما انعقدت جلسات محاكمة الشيخ عمر عبدالرحمن أعيد
فتح ملف وجراح مركز التجارة الدولي، وأخذت بالطبع تطغى مشاهد «جريمة الإرهاب» التي
تقف وراءها عناصر وجهات إسلامية! وهي الصورة التي يحرص الإعلام الصهيوني على
تقديمها وتكرارها من حين لحين.
وبالرغم من سعي العديد من المؤسسات الإسلامية
والعربية وحتى بعض الجهات والمراكز الغربية لتحسين صورة العلاقة بين الإسلام
والغرب من خلال عقد جلسات الحوار والمؤتمرات والندوات المشتركة إلا أن واجهات
أمريكية سياسية وإعلامية لها ارتباطات مشبوهة بإسرائيل والصهيونية ظلت تعمل على
تخريب هذه العلاقة للإبقاء على صورة الإسلام متلازمة مع التطرف والإرهاب.
لقد حاولت العديد من الجهات الإعلامية بعد انفجار
أوكلاهوما القفز بدون مقدمات وأدلة إثبات إلى نتيجة مفادها: «أن الإرهاب الإسلامي
يعاود من جديد تسجيل ضرباته القاتلة داخل أمريكا».
وبالطبع فالمائدة الإعلامية المستديرة جاهزة لتقديم
الأفكار والتفسيرات المسبقة حول الشبكة العالمية للإرهاب الإسلامي، والتي تستهدف
ضرب المصالح الأمريكية وتحدي شيطان الحضارة الغربية.. (واشنطن جويش ويكلي- 20
إبريل 1995م).
لقد استضافت معظم شبكات التلفزة الأمريكية خبراء
بشؤون الإرهاب وشخصيات أخرى -إعلامية وسياسية- معروفة بارتباطاتها بالأجندة
الإسرائيلية لتدلي بتصريحات تختصر الحادث في عبارة «إنهم أتباع للجماعة التي قامت
بتفجير مركز التجارة الدولي...» أو على حد تعبير عضو الكونجرس الديمقراطي.. «إنهم
على الأغلب من المسلمين المتطرفين» (واشنطن بوست- 22 إبريل 1995م).
وعندما نفت الحركات الإسلامية الجهادية أي علاقة
لها بتفجيرات أوكلاهوما في تصريحات زعمائها لوكالات الأنباء العالمية، أنكر عليهم
الصحفي (اليهودي) ستيفن إيمرسون تلك البراءة، وقال بأسلوب تهكمي: «إنهم يكذبون..
وإن الوقت سيثبت صدق اتهامي لهم» (محطة تلفزيون CBS، 20 إبريل 1995م).
التحرك لتطويق الحملة الإعلامية
لا شك أن الحملة الإعلامية وانعكاساتها السياسية
والأمنية هي ما تتخوف منه الجالية الإسلامية والعربية وتخشاه، لذلك كانت ردود
أفعالها الأولى قوية وسريعة، إذ طالبت منذ اللحظات الأولى للحادث بعدم انجرار
وسائل الإعلام وراء الاتهامات المسبقة للعرب والمسلمين، قبل أن تتبين من هوية
مقترفي الحادث ودوافعهم..
فقد جاء في البيان الذي أصدره المجلس الإسلامي
الأمريكي «AMC»: «إن أعمال العنف ضد المدنيين الأبرياء
ليست جزءًا من الديانة الإبراهيمية بما فيها الإسلام، وإن أعمال التفجير وجرائم
العنف الأخرى يجب عدم إرجاعها لأي تعاليم دينية.. ولهذا، فنحن نحث وسائل الإعلام
على التزام جانب الحيطة والحذر في تغطياتها لهذه القضية الحساسة جدًّا».
أما بيان اللجنة الوطنية للعرب الأمريكيين «NAAA» فقد ناشد وسائل الإعلام بالابتعاد عن الشائعات التي تفتقر إلى
الأدلة المادية والتي يروج لها من يسمون أنفسهم بخبراء الإرهاب حول هوية الجناة..
وعبر البيان عن انزعاج الجالية الإسلامية والعربية من التقارير الصحفية غير
الموضوعية.. وحذر البيان من مغبة محاولات التهويل والإثارة الصحفية على سلامة وأمن
الجالية العربية والإسلامية..
وقد حملت البيانات التي أصدرتها اللجنة العربية
الأمريكية لمناهضة التمييز «ADC»
والمجلس الأمريكي للعلاقات العامة «ACPA» نفس
المضامين السابقة، وحذرت من عواقب تسويق الاتهامات بناءً على خلفيات عرقية معينة،
وأعربت تلك البيانات عن أسفها لانسياق عدد من السياسيين وبعض وسائل الإعلام لربط
الحادث بالإسلام والمسلمين، وقد ناشد الزعماء المسلمون وسائل الإعلام بالتزام
الدقة والموضوعية وإظهار المسؤولية بتجنب اللجوء إلى أساليب التهويل والإثارة
الصحفية.
الجالية الإسلامية: جهود إغاثية مؤثرة
لقد نجحت الجالية الإسلامية في تجميل صورتها أمام
المواطن الأمريكي، وإظهار براءتها من كل مظاهر الاتهام بالتطرف والإرهاب وأنها لا
تقف خلف أي جهة تحاول الإضرار بعلاقتها السلمية داخل جغرافيا المجتمعات الغربية،
باعتبارها أقلية تحترم حقوق المواطنة وتلتزم بحكم القانون، ولقد كانت للمبادرة
التي قامت بها العديد من المراكز الإسلامية بجمع التبرعات وتنظيم حملات للتبرع
بالدم أكبر الأثر في تحسين مستوى الخطاب الرسمي للرئيس كلينتون ووزيرة العدل جانيت
رينو والأجهزة الأمنية الأخرى.
إن الجالية الإسلامية والعربية -بالرغم من نجاحها
النسبي في حملتها تلك- ما زالت تنتابها المخاوف جراء هذه الأحداث الأخيرة، والتي
جاءت في وقت اشتدت فيه الحملات الصهيونية -إعلاميًّا وسياسيًّا- لتمرير تشريع
مكافحة الإرهاب لعام 1995م (انظر التقرير المرفق) الذي سيطلق يد الأجهزة الأمنية
في التعدي على الحريات والحقوق المدنية للجالية بدعوى مكافحة الإرهاب.. كما سيسمح
بحدوث تجاوزات لهذه الأجهزة دون مساءلة قضائية وهي حالة أشبه بقوانين الطوارئ التي
تتسلط بها الأنظمة الاستبدادية في معظم بلدان العالم الثالث.
وإذا تمت المصادقة على هذه القوانين، فإن إسرائيل
تكون قد نجحت في تسجيل انتصار حاسم لها، وعلى المسلمين -بعد ذلك- استمرار تنظيم
صفوفهم لتوظيف أصواتهم وأموالهم لكسب قيادات جديدة تنتصر لقضاياهم في الانتخابات
الرئاسية والبرلمانية القادمة، هذا هو التحدي الذي ستواجهه الجالية الإسلامية
والعربية في السنوات القليلة القادمة، وإن الاستجابة المسؤولة التي أبدتها الجالية
تجاه انفجارات أوكلاهوما هي أول الخطوات في مشوارها الطويل لتجميل صورتها وكسب
التعاطف لقضاياها.