العنوان حول الحقوق السياسية للمرأة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1985
مشاهدات 59
نشر في العدد 715
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 30-أبريل-1985
إن مدلول الحق السياسي في الفقه القانوني المعاصر يعني أن يشارك المواطن في إدارة شئون بلده، ولهذه المشاركة طريقان:
1 – طريق مباشر: كعمل رئيس الدولة، ورئيس الوزراء، وهذا في المفهوم الشرعي يدخل ضمن أعمال الولاية العامة، وهو ممنوع على المرأة، كما يرد على هذا العمل أيضًا قيود شرعية من حيث تحريم الاختلاط والخلوة، وحفظ حقوق الزوج والأولاد.
طريق مباشر لا يدخل ضمن الولاية العامة، وهو إدارة شئون البلاد عن طريق المجالس النيابية، وهذا يمكن أن يسمى حق غير مباشر إذا كان مناط التفرقة عدم دخوله في أعمال الولاية العامة، وهذا العمل لا توجد نصوص شرعية تحرمه بذاته على المرأة، والذين يرون تحريمه، إنما يقرنون هذا الحق بالواقع السير للمجتمعات المتبرجة؛ حيث الاختلاط والتبرج، ولكن هذا الواقع ليس من أركان العمل السياسي، ويمكن أن يتم مع الحشمة والطهر.
ب – طريق غير مباشر: وهذا يتمثل في اشتراك المواطن في إدارة شئون بلده عن طريق الاشتراك في انتخاب من يمثله بالمجالس النيابية أو المحلية، وهذا الحق لا نجد في النصوص الشرعية ما يحرمه على المرأة؛ لأن السفور والاختلاط، الذين يقترنان بالانتخابات في بعض البلدان ليسا من خصائص هذا العمل، إذ يمكن أن تكون للنساء لجان خاصة يدلين فيها بأصواتهن.
اصطلاح الحق السياسي
إن اصطلاح الحق السياسي لم يكن معروفًا في عصور الإسلام الأولى، ولهذا نجد أن من أباحه للمرأة، إنما أدخله ضمن الجهاد أو العمل أو الولاية الخاصة في القضاء أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كانت بيعة النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء لم تتضمن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، بل تضمنت: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (الممتحنة: ١٢)، وإن كانت أيضًا بيعة بعض النسوة في العقبة ليست مقصودة لذاتها؛ لأن موضوع البيعة هو تعهد أهل المدينة بحماية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه مسئولية الرجال، ولكن حضورهن هذه البيعة يدل على حقهن في هذا النوع من العمل في الحدود الخاصة بهن، كما
أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد في القرآن الكريم للجميع، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة:٧١)، وكما أن عهد الأمان باشرته المسلمات بإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم هانىء وللسيدة زينب ابنته.
وهذا الأمر يختلف عن العمل العام، ومن المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حقًّا فقط، بل هو واجب قد لعن الله من تخلف عنه، فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (المائدة:٧٨-٧٩).
وهذه الآيات نزلت بعد بيعة النبي - صلى الله عليه وسلم – للنساء، وحكمها يشمل الرجال والنساء، ولكن التزام النساء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يختلف عن التزام الرجال؛ لأن المرأة غير ملزمة بالجهاد والقتال، وغير ملزمة بمواجهة الحاكم وخلعه، كما أنها مأمورة بأن يكون خروجها من بيتها بإذن أبيها أو زوجها إذنًا عامًّا أو خاصًّا لكل حالة حسب التفاهم بينهما.
وأما الجانب الآخر من العمل السياسي، وهو اختيار ممثلي الشعب والمشاركة فيه، فلا توجد نصوص تحرمه أن كان غير مقترن بشيء حرام. وأما الاحتجاج بجواز ولاية المرأة للقضاء، كما هو عند الأحناف والظاهرية، فالقضاء في الإسلام هو تطبيق الحكم الشرعي على الوقائع مع الالتزام بهذا الحكم.
أسباب تحريم العمل السياسي للنساء
إن الذين يحرمون العمل السياسي على المرأة، يستندون إلى واقع بعض المجتمعات من حيث الخلوة والاختلاط، أي حيث يقترن العمل بشيء محرم، وهذا أمر فصلته في كتابي «مكانة المرأة عن مناقشة أسباب تحريم العمل النيابي»؛ حيث ذكرت أنه، وفي هذا الشأن كتب الدكتور مصطفى السباعي أن «ليس في نصوص الإسلام الصريحة ما يسلب المرأة أهليتها للعمل النيابي كتشريع ومراقبة، ولكننا إذا نظرنا إلى الأمر من ناحية أخرى نجد مبادئ الإسلام وقواعده تحول بينها وبين استعمالها هذا الحق لا لعدم أهليتها، بل لأمور تتعلق بالمصلحة الاجتماعية، فرعاية الأسرة توجب على المرأة أن تتفرغ لها، ولا تنشغل بشيء عنها، واختلاط المرأة بالأجانب عنها محرم في الإسلام وبخاصة الخلوة مع الأجنبي، وكشف المرأة عن غير ما سمح الله بكشفه، وهو الوجه واليدان محرم في الإسلام، وسفر المرأة وحدها خارج بلدتها دون أن يكون معها محرم منها، لا يبيحه الإسلام».
ونرى أن هذه الأمور لا تتصل بذات العمل السياسي بل بشيء خارج عنه يمكن أن تزول عنه أسباب التحريم مثلما هو مطبق في انتخابات الاتحادات الطلابية.
فالعمل السياسي الخاص بانتخاب المرأة غيرها، لا يزيد عن كونه توكيلًا للغير أو شهادة له، وكلاهما غير محرم على المرأة، أما كونها نائبة، فهذا أيضًا نوع من العمل غير المحرم شرعًا في ذاته، وإنما يحرم اقترانه بأمور يجب تجنبها.
مناقشة أسباب الإباحة المطلقة
يوجد من أفتى بشرعية العمل السياسي للمرأة دون قيود أو تحفظ، فلماذا أوردت بعض القيود؟، ولكن النصوص الشرعية التي استدل بها هؤلاء هي نصوص عامة ليست خاصة بهذا العمل، ولهذا يصبح العمل السياسي عملًا كسائر الأعمال يخضع لضوابط العمل وقيوده، ويرد عليه حقوق للغير لحق الزوج وحق الأسرة وحق المجتمع، ولهذا تختلف نظرة المجتمعات من حيث إباحة هذا الحق من عدمه، ثم من حيث تحديد ما يرونه صالحًا للمجتمع من الحقوق السياسية.
فالنصوص الشرعية التي يستدل بها من أفتى بشرعية العمل السياسي للمرأة، فأهمها الآيات القرآنية التي تقرر المساواة بين الرجال والنساء كقول الله – تعالى -: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ (سورة آل عمران: ١٩٥)، قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (سورة التوبة: ٧١)، وكذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما النساء شقائق الرجال»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الناس سواسية كأسنان المشط».
لهذا فقد غاب عن هؤلاء أن هذه المساواة من المبادئ العامة، التي قد ورد من الشرع تنظيم لممارستها، ومن هذا التنظيم أن تكون القوامة على الأسرة للرجل لقول الله – تعالى -: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: ٣٤)، ومن هذا التنظيم جعل الولاية العامة للرجل فقط للحديث الشريف: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، فالواجب أيضًا أن تطبق هذه الضوابط، وتحترم دون تجاوزها لعرف أو رغبة في السيطرة، وإعمالًا لذلك فإنه باستقراء المجتمع نحو المسلمين نجده قد تمثل في مشاركة المواطن في شئون بلده عن طريق إدلاء صوته في الانتخابات؛ لاختيار من يمثله، وهذا العمل لا يوجد ما يحرمه إلا الاختلاط بالرجال، وهذا أمر يمكن تجنبه.
كما تمثل في الترشيح لينوب الشخص عن المواطنين في بعض الأمور، كما في المجالس النيابية أو الخدمات الاجتماعية الخاصة بالطلبة أو غيرهم من فئات المجتمع، وهذا لا يوجد ما يحرمها إلا الاختلاط بالرجال أو الخلوة بين رجل وامرأة، وهذا أمر يمكن تجنبه بل يجب أن ينص القانون الذي يصدر بممارسة الحق متضمنًا هذه الضوابط.
أما النوع الأخير من العمل السياسي وهو رئاسة الدولة، ويسمى في الفقه الإسلامي الولاية العامة، فهذا يحرمه الإسلام بنص الحديث النبوي: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وهذا تسير عليه أكثر المجتمعات غير الإسلامية في أوروبا وأمريكا، بل المعسكر الشيوعي لا لسبب التزامهم بالإسلام، بل لأن هذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها.