; حلال على فرنسا مقاومة الأمركة.. حرام على العرب مجابهة الفرنكوفونية | مجلة المجتمع

العنوان حلال على فرنسا مقاومة الأمركة.. حرام على العرب مجابهة الفرنكوفونية

الكاتب محمد جمعة

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

مشاهدات 67

نشر في العدد 1420

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

  • مدرسة الليسيه الفرنسية تمنع طالبة من الدخول لأنها محجبة ومصر تحتفل بمرور 10 سنوات على الجامعة الفرانكوفونية.

حادثتان وقعتا في بلد واحد- مصر- وفي مدينة واحدة- الإسكندرية، وفي توقيت واحد تقريبًا، لا يفصل بينهما غير أيام عدة من شهر سبتمبر المنصرم، وقد تزامنتا مع حدث عالمي ثالث وقع عشية انطلاق دورة الألعاب الأولمبية بمدينة سيدني الأسترالية- أي خلال الشهر ذاته- عندما رفض الحاكم العام لأستراليا، وممثل ملكة بريطانيا استخدام اللغة الفرنسية في افتتاح الدورة وكذلك أثناء سير الألعاب.

أما الحادثة الأولى: فهي رفض إدارة مدرسة الليسيه الفرنسية بمدينة الإسكندرية- حسب القوانين الفرنسية، ولأن المدرسة تابعة للسفارة الفرنسية- والسماح للطالبة «عزة عمر زكي» ١١ عامًا بدخول المدرسة لأنها محجبة، الأمر الذي اعتبره الرأي العام المصري اعتداء صارخًا على العقيدة والوطن، واستفزازًا ينبغي وضع حدود له، وعليه طالب العديد من الكتاب المصريين- الإسلاميين منهم وغير الإسلاميين- بالتدخل الفوري لوزير التعليم، إما بإجبار المدرسة على قبول التلميذة والسماح لها بالدخول، أو أن يتم الإغلاق الفوري للمدرسة، حتى يعلم الفرنسيون وغيرهم- حسبما عبر بعض الكتاب- ان أحدًا لا يستطيع أن يفرض علينا شروطًا على أرضنا، وطالبوا بضرورة أن تخضع مثل هذه المدارس لشروط التعليم المصري.

إلا أن هذا لم يحدث، فضلًا عن أن الوزير لم يتدخل، والغريب أنه بعد هذه الواقعة بأسبوع واحد فقط شهدت المدينة نفسها احتفالًا عالميًا بمناسبة مرور سنوات على إنشاء الجامعة الفرانكوفونية جامعة سنجور، واحتفل به مع مصر بعض الدول الأخرى المعنية بالفرانكوفونية في أنحاء العالم مثل: كندا، وبلجيكا، ولبنان، والسنغال، وشاركت فيه الدولة المعتدى على إحدى تلميذاتها وعلى حريتها العقدية والشخصية- مصر- مشاركة رسمية رفيعة المستوى ممثلة في وزيرها للتعليم العالي والبحث العلمي، الذي ألقى كلمة الرئيس المصري في الاحتفال، كذلك شارك رئيس مجلس الشعب، بالإضافة إلى الممثل الشخصي للرئيس مبارك في المجلس الدائم للفرانكوفونية.

وهكذا تبدو الأحداث الثلاثة مثيرة للدهشة، وذات صلة وثيقة في دلالاتها، وتعكس في الوقت نفسه مواقف متضاربة ومتناقضة لأطرافها، وتجسد رؤى مختلفة لأقطابها.

عمق الأزمة: 

فحادثة الدورة الأولمبية التي هددت فرنسا على إثرها بالانسحاب تدل على عمق الأزمة الناشئة منذ سنين إن لم يكن منذ قرون بين فرنسا والقوى العظمى الأخرى في العالم.

إن إصرار فرنسا على فرض اللغة الفرنسية في المحافل الدولية يعكس قلقها حيال عالم محكوم عليه في نظر الكثيرين بالعولمة السياسية والاقتصادية والثقافية، وهو عالم تخشى فرنسا أن يتحول إلى قرية أحادية التفكير على حد تعبير أحد المهتمين بالشؤون الفرانكوفونية في وزارة الخارجية الفرنسية، لقد شاء القدر أن تكون لغة القوة العظمى بالأمس في نفسها لغة القوة العظمى اليوم، وبالتالي أصبحت اللغة الإنجليزية العدو الخفي في حرب غير معلنة تخوضها السياسة الخارجية الفرنسية، ولم تكن منظمة الفرانكوفونية الدولية التي أسستها فرنسا سوى رغبة في إعطاء الفرانكوفونية وجها سياسيًا غير مألوف، وذلك بهدف تحويل اللغة الفرنسية من مجرد وعاء ثقافي إلى أداة فرعية جديدة على المسرح الدولي، وضمانة أكيدة للتعددية الثقافية، وبالتالي التعددية السياسية في مواجهة الهيمنة الأنجلو- أمريكية- وهو ما يؤكد عليه مرارًا السكرتير العام لمنظمة الفرانكوفونية بطرس غالي.

وليس جديدًا أن الحكومة الفرنسية تتبع سياسة حمائية تستهدف الحفاظ على اللغة الفرنسية، ومحاولة نشرها في مواجهة اللغة الإنجليزية، والساسة الفرنسيون يرددون دائمًا قولهم إن مستقبل المجموعة الفرانكوفونية يتعلق إلى حد كبير بقدرة فرنسا على الدفاع داخلها عن لغتها وثقافتها، ولهذا جاء مشروع قانون توبون- الوزير السابق للثقافة- عام ١٩٩٦م الداعي إلى فرنسة كل المفردات الدخيلة على الفرنسية في شتى حقول العلوم والمعاملات، وتغريم المخالفين لهذا القانون، ثم خلفه الوزير دوستو بلازي ليؤكد جازمًا أن فرنسا ترفض تعدد الثقافات فيها، لأن ذلك يعتبر خطرًا على وحدة الأمة الفرنسية وليقول: فرنسا إنها أولًا اللغة الفرنسية، واللغة الفرنسية هي وطني.

منافسة الأنجلو- أمريكية: 

مشروع الفرانكوفونية نشأ في الأساس لمنافسة اللغة الأنجلو- أمريكية ومزاحمتها في رحاب الهيمنة السياسية والإعلامية والتأثير الثقافي، وللتذكير الدال فقط لما دعا بورقيبة إلى كومنولث فرانكفوني جري اعتراض على هذا التسمية، لأنها تستعمل لفظًا إنجليزيًا «كومنولث»، بينما المطلوب هو أن يقوم كل شيء على أساس اللغة الفرنسية الخالصة، لهذا فالفرانكوفونية لا تقتصر على الثقافة والجوائز الأدبية وحدها، بل أصبحت تطول حتى ميادين كالرياضة والأغنية، فتنظم هنا وهناك مهرجانات الألعاب الفرانكوفونية، والأغاني، والموسيقى الفرانكوفونية، وحتى الضحك الفرانكوفوني.

الحاصل إذن أن الفرانكوفونية تطالب الأنجلو كونية بأن تنصفها عبر الاعتراف لها بتكافؤ الحقوق، والفرنسيون يزدادون قلقًا يومًا بعد آخر بعدما تبين أن أكثر من ٣٥٠ مليونًا في القارات ينطقون بالإنجليزية، فضلًا عن مجموعة الكومنولث المكونة من ٤٧ دولة يشكل عدد سكانها مليار نسمة، في حين أن لغة الفرنسيين لا يتكلمها بالفعل إلا حـوالـي ١٠٦ ملايين نسمة بمن فيهم سكان فرنسا ذاتها إلا أن الفرنسيين في الوقت ذاته يتنكرون لهذا المبدأ أمام اللغات الأخرى عربية وإفريقية، ويدعون أن للغتهم القدرة على حمل وإشاعة القيم، كما لو كانت اللغات الأخرى تفعل غير هذا أو تعجز عنه.

وإذا كان الفرنسيون يتخذون موقعًا دفاعيًا أمام الهيمنة الأنجلو- أمريكية باعتبارهم الأضعف، فهم في موقع مختلف بالنسبة لنا أقل ما يوصف به أنه موقع هجومي يستهدف استعبادنا ثقافيًا ووجدانيًا- وإحدى وسائلهم في ذلك سلسلة المدارس الفرنسية المنتشرة في بلادنا- ومنافسة الأمريكان في هذا الشأن، ولا يستطيع أحد أن يقول إن البلدان العربية والإسلامية يأتيها الغزو الثقافي من الأنجلو- أمريكية وحدها، بل إن الإمبريالية الفرنسية مقارنة بالإمبريالية الأنجلو- أمريكية تتبدى ذات افتراسية لغوية مضاعفة، فضلًا عن جوانب هيمنتها الثقافية الأخرى، وإذا كان  تاريخ الفرانكوفونية يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث  وضع مفهومها الجغرافي الفرنسي أونسيم ريكو «Onésime Reclus» فقد أرادها أداة لتنحية اللغة العربية والديانة الإسلامية معًا، ولا ننسى ما فعلوه بالجزائر، وما كانت تحتويه تقارير ضباط مخابراتهم ورؤساء المناطق العسكرية والمدنية، والتي كانت تقول موصية إن العربية عنصر أسلمة لكونها تلقن القرآن.

تذويب الشعوب

 لقد عمد الاستعمار الفرنسي إلى تذويب الشعوب التي استعمرها بكل عرقياتها المختلفة وصهرها في الثقافة الفرنسية، وفرض اللغة الفرنسية كلغة تعليم وتعامل يومي، حتى كادت هذه الدول تذوب في الحالة الفرنسية وأصبح لها- رغم تعددها الإثني- طابع فرنسي ووجدان فرانكوفوني.

ألا تعد المدارس الفرنسية المنتشرة في بلادنا أحد مظاهر هذه السياسة المخيفة؟!

نقول هذا بمناسبة حادثة التلميذة المصرية التي منعت من دخول مدرسة على أرضنا الإسلامية والعربية، وليس هناك في فرنسا لكونها ترتدي غطاء الرأس.

وهو ما يجعلنا نتساءل: هل نلوم المدرسة التابعة للسفارة الفرنسية الخاضعة لنظم وقوانين بلد تقبل ارتداء الشورت الساخن وترفض الزي الإسلامي أم نلوم الأسر التي تقبل تعليم أولادها في مدارس لا دينية لا تعترف بتدريس مناهج الدين؟ أم نلوم أنفسنا- دولة ونظام تعليم: لأننا نسمح بوجود مثل هذه المدارس بهذه الكثافة في بلادنا، دون رقيب على مناهجها أو على وسائلها المتبعة، ودون أن نشترط عليهم- كحد أدنى- مراعاة تقاليدنا واحترام عقائدنا، ولماذا أصبح أمر لغة العقيدة هينًا إلى درجة الزج بأبنائنا الصغار في مثل هذه المدارس التي لا تهتم إلا بتعليم الفرنسية، وتعمد إلى تهميش العربية في التدريس بكل الوسائل الإدارية والتعليمية، فضلًا عن المردودات السلبية الأخرى التي تعود على تلاميذ هذه المدارس والتشوهات الخلقية والثقافية التي يتعرضون لها إلى درجة قد يصبحون معها منمطين ثقافيًا ومزاجيًا ووجدانيًا، وربما استهلاكيًا بما يتماشى مع المزاج الفرانكوفوني!

وإذا كان حرص الفرنسيين على حماية لغتهم وثقافتهم كبيرًا حتى إنهم يمنعون التعدد الثقافي على أرضهم خوفًا من الاختراق الأنجلو- أمريكي، فلماذا لا نكون مثلهم؟ خاصة ونحن الأضعف والأكثر استهدافًا من قبل الثقافات المغايرة لعقيدتنا ومواريثنا الثقافية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

157

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان